برج بابل: سرديات فشل سياسي مُعلن

قد تمرّ الحكومة أمام البرلمان وقد تحصل على صك الغفران البرلماني ولكن المشكل أبعد من هذا. السؤال المطروح

هو هل أنتجت الثورة سرديات جديدة وهل غيّر مسار الانتقال الديموقراطي مقولات السياسة والسياسيين؟ وهل تمكنت الأحزاب السياسية الفاعلة من تغيير براديقماتها الكلاسيكية؟
نعتقد أن أشياء عديدة طرأت على الفعل السياسي ومنها خصوصا الفعل الانتخابي بكل مكوناته ومنها أيضا بروز فاعلين سياسيين جدد لم تتح لهم فرصة الظهور قبل 2011 ودون أن نغفل حجم النقاشات السياسية مع حرية التعبير. ولكن يقع كل هذا الآن ونحن لم نطوّر من أدوات الفعل السياسي ولا من مضمونه بحيث يكون مستجيبا لمتطلبات المرحلة. نمارس السياسة وكأننا في نظام استبدادي شكلا ومضمونا. يرى الفاعلون السياسيون فعلهم السياسي فقط من حيث علاقته بممارسة السلطة ولذلك نجد أنفسنا دوما في مأزق. ولم ندرك أن الفعل السياسي للأحزاب السياسية ليس فقط ممارسة للسلطة وليس فقط توزيعا لغنائم أرفع المناصب.
يتحرك الفاعلون السياسيون دون استثناء بنفس الأسلوب وبنفس المنهجية وبنفس التصورات ولا اختلاف بين هذه الأحزاب برغم ادعائها الانتماء لخلفيات متعددة. هي على الأغلب أحزاب انقضاض على السلطة ومناورات متواصلة للفوز بامتيازاتها. لكن السياسة ليست فقط ممارسة للسلطة وليست فقط عملية تموقع متواصلة، إنها أيضا فعل في المجتمع وفعل في المضامين التي بها تُدار الحياة العامة وهي إلى هذا كله ذوق وأخلاق وصدق.
السرديات التي تُصمّ بها آذاننا كل يوم هي سردية الوطن فوق الجميع وهي الدولة قبل الحزب وهي المصلحة العامة التي تعلو فوق كل المصالح. يردّد السياسيون هذه المقولات بنفس الأسلوب الذي يردّده النظام السابق، والفارق الوحيد تقريبا هو أن النظام السابق يمنعها على الآخرين ويحتكر شرعية استعمالها، في حين ان الأمر متاح الآن للجميع بكل حرية. ولكن في النهاية النتيجة واحدة، فقط تنوع الذين يحملون هذه السردية وزاد عددهم.
يتبارى الفاعلون السياسيون بشكل فردي وباسم أحزابهم أن هدفهم الوحيد هو المصلحة الوطنية وأن تنافسهم وخصوماتهم وألاعيبهم هي فقط من أجل الوطن ولا غير الوطن. ولكن ما هو متاح الآن هو ان الفرد ثم الحزب ثم الوطن هي المعادلة التي تقود الجميع ضمن أدوات الصراع على السلطة القائم الآن عند تشكيل الحكومة أو حتى قبل ذلك ولا نعتقد أن هذه المعادلة ستنتهي في القريب العاجل.
ما نحتاجه الآن ليس فقط تنمية بالمعنى الاقتصادي للكلمة يخرج البلاد من أزمتها ولا نحتاج فقط إلى حوكمة جديدة لإدارة شؤون البلد وإنما نحتاج أيضا إلى مقولات سياسية جديدة أي إلى سرديات سياسية تمتلك نظرة أخرى ومغايرة للسرديات التي فقدت شروط وجودها بين الناس.
من السرديات المقترحة هو ذاك الفعل السياسي الذي لا يرمي بيضه في سلّة ممارسة للسلطة والصراع المحموم من أجلها. الفعل السياسي هو فعل في الواقع، هو تغيير للعقليات وهو فهم لمتطلبات التحولات المجتمعية وشروطها الجديدة. فمن أدرانا أن التونسيين يريدون تنمية بالمعنى المتداول للكلمة ومن أدرانا أن التونسيين يرغبون بنوعية المؤسسات التي تنظم شؤونهم المختلفة وأنهم راضون عنها. لا أعتقد أن للفاعلين السياسيين تلك الرؤية الواضحة لحاضر البلاد ومستقبلها والمؤشر على ذلك غياب واضح لبرامج تخرج البلاد من أزمتها. آخر ما يهم هؤلاء الفاعلين هو البرامج وكيفية تطبيقها وظروف نجاحها. إن ما ينقصنا هو الجرأة الكافية لمواجهة التحديات وما ينقصنا أيضا هو الفعل الإبداعي فنجد أنفسنا تقريبا نعيد إنتاج ما هو متداول من عدة عقود.
إن السردية القائمة الآن هي سردية الخوف والتخويف، الكل تقريبا يعيش على وقع شعور بالخوف والكلّ يحدّد مواقفه انطلاقا من حساب درجة مخاوفه من الآخر و من التهديد المتبادل لمجالات النفوذ. وتتحكم في الفعل السياسي الحالي خارطة للريبة المتبادلة برزت خلال أحداث تشكيل الحكومة والموقف منها. فهذا خائف من تغول ذاك والآخر له مخاوف من عدم قدرته على السيطرة على وزارة بعينها والجميع خائف من إمكانية حلّ البرلمان. يُصاغ الخوف طبعا بكل أدوات المكر والدسيسة.
لا يمكننا بهذه السرديات أي سرديات المقامات الشخصية والمنافع الحزبية الضيقة و ثقافة الخوف و التخويف أن ننتج سوى الفشل السياسي. هذه المرّة وخلافا لما سبق يبدو أن الفشل السياسي هذه المرّة أصبح مُعلنا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا