قهوة الأحد: العدالة الاجتماعية والنجاعة الاقتصادية : أيّة معادلة للمستقبل في تونس ؟

فتحت الثورة باب النقاش واسعا في عديد المجالات وحول عديد المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية .وبصفة خاصة في المجال الاقتصادي كثر الحديث والنقاش

حول التحديات الاقتصادية الكبرى وبصفة خاصة مسائل النمط التنموي الجديد والإصلاحات الاقتصادية وإصلاح المؤسسات العمومية وغيرها من المسائل والقضايا الاقتصادية .ولعل الخيط الرابط بين هذه القضايا الاقتصادية والإصلاحات بعض المسائل النظرية في الفكر الاقتصادي ومن ضمنها العلاقة بين العدالة الاجتماعية والنجاعة الاقتصادية وطبيعة العلاقة أو المعادلة التي ستقود هاتين المسألتين اللتين تبدوان بعيدتين بعض الشيء وفي بعض الأحيان تصلان حدّ التناقض والتباعد.
سنحاول في هذا المقال تقديم بعض الملاحظات حول هذه المعادلة والعلاقة بين العدالة الاجتماعية والنجاعة الاقتصادية .

الملاحظة الأولى تخص المسائل النظرية وطريقة طرح الاقتصاديين والفكر الاقتصادي لهذه المعادلة.وفي رأيي فإن محاولات إيجاد توازن بين جانبي هذه المعادلة تعود للمجتمعات الحديثة وبصفة خاصة للنظام الرأسمالي.فمسالة العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات لم تكن في أولى اهتمامات المجتمعات التقليدية حيث كانت الفئات الحاكمة تستحوذ على الجانب الكبير للإنتاج وتترك القليل للفئات الشعبية لتقتات وتعيش على الفتات.ومع ظهور النظام الرأسمالي ستأخذ هذه المعادلة منحى جديدا حيث ستسعى الطبقات الجديدة إلى التوفيق بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية من اجل حسن سير النظام وضمان استمراريته.
ويعود هذا التعاطي الجديد مع هذه المعادلة إلى مسألتين أساسيتين . الأولى تهم التطور الكبير للنجاعة الاقتصادية في هذا النظام الاقتصادي الجديد ممّا نتج عنه تطور كبير للإنتاجية والإنتاج. وأصبحت مسالة السوق وضرورة ترويج هذا الإنتاج مسألة أساسية في النظام الرأسمالي .ومن ناحية لابد من الإشارة إلى تطور النضالات العمالية من اجل تحسين ظروف عيشهم وتطور أجورهم.وقد ساهم هذان العاملان في التعاطي الجديد بين جانبي معادلة النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية ومحاولة إيجاد توازن جديد بينهما يفتح السوق لفائض الإنتاج وتحسين ظروف عيش الطبقة العمالية .
ويعتبر النظام الفوردي (le régime fordiste) أحسن مثال على البحث عن هذا التوازن .فقد كان التقسيم الجديد للعمل في هذا النظام وراء تطور كبير للنجاعة الاقتصادية وللإنتاجية والإنتاج.ولتسهيل ترويج هذا الفائض الكبير للإنتاج عمل هذا النظام على الترفيع في الأجور لتمكين الطبقات العمالية من استهلاك المنتوجات الجديدة وإيجاد السوق الضرورية لها .وقد أشار المهندس فورد Ford الى أن أحسن مثال لترويج الكم الهائل من السيارات التي تنتجها معامله هو تمكين العمال من شرائها من خلال الترفيع في أجورهم وفي مقدرتهم الشرائية .ومنذ ذلك الحين ستعمل المجتمعات الرأسمالية على ربط تطور الإنتاجية بالأجور والمقدرة الشرائية للطبقات الاجتماعية لضمان السوق لترويج منتوجاتهم وسلعهم .
ومن الناحية النظرية يمكن الإشارة إلى ثلاثة تصورات كبرى للتعاطي مع معادلة النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية .وتدافع النظريات النيوليبرالية على رؤيا تعطي الأولية للنجاعة الاقتصادية على حساب العدالة الاجتماعية .فبالنسبة لهذه النظريات فإن المسألة الأساسية بالنسبة للمجتمعات الرأسمالية تكمن في تحسين المردودية والنجاعة الاقتصادية التي تساعد وتساهم في دفع الاستثمار والديناميكية الاقتصادية .ويمكن هذا التطور من تحسين الثروة واخذ المطالب الاجتماعية بعين الاعتبار .إلا أن هذا التمشي كان وراء ظهور وتطور التفاوت الاجتماعي والتهميش مما اثر سلبا على الاستقرار السياسي للأنظمة الرأسمالية .

أما التصور الثاني لهذه المعادلة فيخص التصور الشيوعي والذي دافع عن أولوية العدالة الاجتماعية ضاربا في الكثير من الأحيان عرض الحائط بالنجاعة الاقتصادية .وكان من نتائج هذا التمشي تراجع الإنتاجية والمردودية الاقتصادية والتي قادت الأنظمة الشيوعية إلى أزماتها وانهيارها بعد سقوط جدار برلين سنة 1989.
أما التصور الثالث فهو الرؤيا البراقماتية لطرفي هذه المعادلة في محاولة إيجاد توازن بين المردودية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية . وقد دافعت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية عن هذه الرؤيا وهذا التوازن الذي سيسود وسيهيمن على المجتمعات الرأسمالية اثر الحرب العالمية الثانية وسيشكل أساس دولة الرفاه .
الملاحظة الثانية التي أريد أن أسوقها حول هذا الموضوع تخص العلاقة بين طرفي هذه المعادلة في العقد الاجتماعي التونسي .وفي رأيي فإن خصوصية العقد الاجتماعي لدولة الاستقلال تكمن في البحث الدائم لايجاد توازن بين المردودية الاقتصادية ونجاعة الاقتصاد من جهة والعدالة الاجتماعية من جهة ثانية .فقد عملت دولة الاستقلال على بناء نمط تنمية جديد على أنقاض النمط الاقتصادي الاستعماري والذي سيشكل الأساس المادي للسيادة الوطنية ولاستقلالية الدولة الوطنية .

وقد لعبت الدولة دورا أساسيا في بناء هذا النظام الاقتصادي الجديد من خلال بناء المؤسسات الاقتصادية الوطنية والعمومية وتطوير الاستثمارات العمومية وبناء أقطاب اقتصادية جهوية ستساهم في تراجع حدة تهميش الجهات الداخلية .وقد نجحت هذه السياسات وهذه الاختيارات في دفع الاستثمار الإنتاج الموجه للسوق الداخلية وللاستهلاك وفي تعويض الواردات بالصناعات والمنتوجات الداخلية .
وستشهد الاختيارات الاقتصادية تطور مهما في بداية السبعينات من خلال دفع مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار والإنتاج.كما عرفت هذه الفترة كذلك توجها انفتاحيا على الاقتصاد العالمي من خلال سن قوانين لدفع الاستثمار الخارجي وتشجيعه مثل قانون افريل 1972.
لقد ساهمت جملة هذه الاختيارات والتشريعات والسياسات لدولة الاستقلال في دفع وتطوير الاقتصاد الوطني ونجاعته .
وفي نفس الوقت لعبت دولة الاستقلال دورا أساسيا في دفع العدالة الاجتماعية وإيجاد الأسس الضرورية للخروج بالتضامن الاجتماعي من الجانب التقليدي وبناء الأسس الحديثة للنهوض به.وقد عملت الدولة على التدخل في عديد المجالات لضمان العدالة الاجتماعية والمساواة.فكانت الاستثمارات الضخمة في عديد المجالات الاجتماعية وبصفة خاصة في قطاعات الصحة والتعليم .كما أسست الدولة العديد من الصناديق الاجتماعية التي ساهمت في بناء التضامن بين الطبقات الاجتماعية وبين الأجيال .
ساهمت هذه الاختيارات الكبرى للدولة في تطوير العدالة الاجتماعية وحمايتها وتدعيمها .

هكذا ساهمت هذه التطورات في المجالين الاقتصادي والاجتماعي في فك هذا اللغز وفي المحافظة على توازن مهم بين المردودية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية .
إلا أن هذا التوازن لن يدوم طويلا .فقد عرفت تراجعا وانخراما كبيرين.فالمردودية الاقتصادية وخاصة الإنتاجية عرفتا تراجعا كبيرا في السنوات الأخيرة .ويعود هذا التراجع إلى ضعف الاستثمار خاصة في الصناعات الجديدة والى تراجع ثقافة العمل مما اثر بالسلب على إنتاجية العمل .
وقد عرف الطرف الثاني لهذه المعادلة نفس الانحدار والانخرام في السنوات الأخيرة.فقد عرفت القطاعات الاجتماعية الكبرى كالتربية والتعليم تدهورا كبيرا مما انعكس سلبا على الفئات الاجتماعية الشعبية .
كما عرفت مؤسسات التضامن الاجتماعي كالصناديق الاجتماعية أزمات مالية خانقة جعلتها على حافة الإفلاس .
كما ساهم التضخم في تدهور الظروف المعيشية وتراجع المقدرة الشرائية للطبقات الشعبية .
نعيش اليوم انخراما كبيرا للمعادلة والتوازن الكبير بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والذي شكل الركيزة الأساسية للعقد الاجتماعي لدولة الاستقلال .وفي رأيي فإن التحدي الأكبر الذي يعترض بلادنا يكمن في ضرورة إعادة بناء هذا التوازن بين الجانب الاقتصادي والجانب الاجتماعي لهذه المعادلة من خلال بناء عقد اجتماعي جديد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا