منبـر: رسالة مفتوحة إلى السيد سعيّد رئيس الجمهورية الحمامات في 31 جانفي 2020

السيد الرئيس،
آن الأوان لأن أتكلم وأقول البعض من الكثير. لقد عمّت الفوضى والضوضاء في بلادنا منذ يوم 14 جانفي 2011. كانت الثورة

فرصة لتصحيح المسار والإنطلاق نحو الأفضل وهذا لم يتم إلى اليوم.
الذي يحدث في بلادنا اليوم هو عكس الصواب: انطلق عنان أبواق مكتوبة ومرئية تبيع الخوف والجهل والفرجة والصياح والعويل. «سياسيون» يجهلون أبجديات المهنة، سماسرة، دجالين، نرجسيين، غاب العقل، غاب المنطق، غاب الذكاء، غابت المعرفة...فوضى عارمة في المصالح الإقتصادية للوطن: كل يضرب، كل يعتصم، شلل في الفسفاط والبترول، شلل في تونس الجوية.
فقط السياحة انطلقت كالسهم لوجود الرجل المناسب في المكان المناسب. الأقدار فتحت المجال أمام رجل ذكي يعمل رغم السب والشتم وإتهامات الجهلة.
التلفزة الوطنية تغط في سبات عميق رغم آلاف العاملين الذين يتقاضون أجرا. أبواق السماسرة في المقابل تسيطر كليا على مشهد مأسوي: «كافكا» و«هيتشكوك» سوف يخجلان أو يبكيان أو يقهقهان لو حضروا هذه «الوليمة».
إلى متى كل هذا؟
كان من الأجدر الإستماع إلى أصوات الرصانة والمعرفة: إعادة صياغة الدستور مهزلة أدت إلى ما نحن فيه : سلطة مقسمة ضعيفة أدت إلى لا سلطة ورئاسة دولة مشلولة لا سلطة لها ومافيات تتاجر بالوطن.
وجب نظام رئاسي قوي، وجب رئيس دولة مفكر وواعي مغذّى ومرتوي بمبادئ العلم والمصلحة العليا للوطن. وجب وضع حد لشطحات تعيين «رئيس حكومة وتوزيع الكراسي» : نظام رئاسي، 12 وزير أكفاء، أذكياء، محنكين، تقودهم الحكمة والمعرفة الدقيقة لعالم اليوم والرؤيا المستقبلية الواضحة.
نصف الشعب لا يقرأ ولا يكتب. المساجد توظف للسب والشتم والكذب وإستعراض العضلات. وجب إطلاق صفارة نهاية «الإستراحة» البليدة وفرض النظام. العمل، العمل، العمل نكافئ العمل والذكاء وندعو للعمل ونزرع الذكاء.
الجامعة لم تبدأ إلى الآن دورها الريادي في خلق الثروة وجب أن يعمل الجامعيون أكثر من 50 ساعة في الأسبوع وألا يركزوا على الزيادة في الأجور. وجب أن يفهموا ماهية العلم ودور العلم في خلق القيمة المضافة وإعداد مواطن القرن الواحد والعشرين. وجب ان يكونوا رياديين ومثالا يقتدى به.
بورقيبة كان عبقريا. وضع البلاد على سكة نفتقدها اليوم (رغم أخطائه الكثيرة وتاليمه لذاته في نهاية حياته وإخفاقه في اختيار من يواصل الطريق). بن علي كان جاهلا وخلط بين السياسة وحياته الجنسية ولكنه حقق أرقاما نحلم بها اليوم.
واجبكم يا سيادة الرئيس اليوم فهم تونس وإختيار ذكي للعاملين معكم. واجبكم فهم دور العلم.فهم دور العمل، فرض النظام، واجباتكم جسيمة وبيدكم مستقبل هذا البلد العظيم الذي أنجب العلماء والمفكرين والمبدعين: مواصلة المشوار، تصحيح المسار. حداثة ذكية ومدروسة. إسلام إعتدال وأخلاق. فصل الروحي عن اليومي، السياسة سياسة. العلم علم. الإنطلاق نحو البناء البناء.
هذا ممكن، إذا نجحنا في تشخيص الأمراض المزمنة واستنباط الحلول بالحوار ومراعاة المصالح بالتشجيع، بفتح الآفاق، بالتعالي على المصلحة الآنية والنرجسية، بزرع ثقافة النجاح، بفتح المجال الفعلي والحقيقي أمام الطاقات الشبابية منها والسن الثالث والرابع. بالتسلح بالعلم والمعرفة وإعطاء الكلمة لمن يقدر على ان يأتي بالمجدي والمفيد (إخماد أصوات الثرثرة والسب والعويل)
السكة واضحة: لاحل إلا في حداثة ذكية ومدروسة ومفهومة ومهضمة. جمع الشمل على هذه السكة. جامعة تخلق الثورة، إعلام حقيقي يعلم ويثقف، مسؤول إذا سئل أقنع وإذا عمل نجح وأحبه الناس.
نحن قادرون على ان نصنع تاريخا. سوف تعيننا السماء، في إنجاز المعجزة إن نحن أخذنا أقدارنا بأيدينا وقدّ سنا العمل وفرضنا النظام ونظافة اليد.
وفقكم الله لصالح هذا البلد الأمين العظيم.

أخوكم في الوطن والإنسانية
عز الدين الفرجاني

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا