حديث الفرد: في دار «السبيل» للرضّع

ما كنت أحسبني رقيق القلب، عطوفا. كنت دوما أعتقد أنّني محصّن. فيّ حزم وشدّة. إنّ الحياة، يا أخي، عسر متّصل ولا بقاء في الدنيا لمن شدّه ضعف

أو كان رحيما، شفوقا. في العالم، هذا الذي نحيا، الكلّ يدرك أنّ العيش غدا عسيرا، صعبا. فيه أنانيّة تشتدّ وفوارق بين الناس تزداد، مع الأيّام، هوّة وعمقا... البقاء للأفضل. الحياة للأقوى. هذا ما كنت كتبته وكذلك سعيت في الحياة الدنيا. منذ كنت صبيّا، للبقاء حيّا، كنت عصيّ القلب، قويّ الطبع. فيّ كدّ. دوما مقتصد. دوما أسعى. لا يحرّكني ترف ولا يهزّني عطف... كيف لي أن أكون غير ذلك وهذه الدنيا لا أمان فيها ولا اطمئنان ولا شفقة؟ اشتدّت في الأرض المصلحيّة. لا أحد في الدنيا يهتمّ بما أنت فيه من ضيق، من شدّة. كلّ في سبيله يسعى. كلّ تراه يجري. يستأثر. يغالب الدهر، يجتهد، يكدّ لحماية نفسه وأهله. حتّى الأهل غير مضمونين وخاب من اعتقد العكس. بعد أمّي، وقد غادرتني منذ سنين ومشت إلى السماء العليا، لا أرى في الدنيا أحدا معينا، نصيرا. انّها الحياة شدّة وعسر. ذاك ما علّمتني الدنيا. ذاك ما كنت أعتقد وكذلك عشت وكذلك استوفيت سبيلي وأنهيت فكري...

° ° °
في يوم مضى، كنت وصبيحة زوجتي في وسط مدينة تونس لقضاء شأن من شؤون الدنيا. شؤون الدنيا كثيرة، مرهقة. منذ غادرت الجامعة وتركت التدريس، لا أذهب إلى تونس إلا قليلا. أنا متقاعد. قليل الفعل. قليل الحركة. أنتظر الليل لمّا يأتي والنهار لمّا يطلع فجرا. أحيانا، أكتب لقتل الوقت. لأكون. لأتذكّر ما فات من العمر وولّى. يومها، كنت وزوجتي في السيّارة. يومها، كنت في بعض ضيق. أنا دوما في بعض ضيق ولمّا أخرج للدنيا وأرى الناس تسعى. بعد الثورة، تونس أصبحت فوضى. أنا أخاف الفوضى ويرهقني ما كان في الشوارع من خرق ومن هتك. حيث يمشي بصري، هناك انفلات وعنجهيّة. السير في تونس عذاب. العيش في تونس كدر. لماذا نحن في انفلات دائم؟ لماذا نحن شعب همّج؟ ما المصلحة من تواصل الفوضى؟ من المنتفع ممّا نحيا من اضطراب، من بلاء أزرق؟ ما من شكّ، هناك منتفعون من هذه الفوضى.

° ° °
ها نحن في باردو نسرع السير. نريد العودة الى البيت. في البيت، أنزوي. أحتمي. ينقشع همّي وخوفي. أنا الآن قبالة المعهد الأعلى للتصرّف. في هذا المعهد قضّيت عقودا من العمر. فيه اشتغلت سنوات عدّة. عادت إلى قلبي الذكرى. هنا، قضّيّت سنوات حلوة ومرّة. أدرت وجهي. يجب أن أنتهي من ذاك الزمن. يجب أن أنسى. تابعت السير. لن أقف على الأطلال. لن أنظر في المعهد الأعلى للتصرّف. يجب أن أطويّ الصفحة. خلق الإنسان لينسى. درت على اليمين. ها هو المطعم الجامعيّ وفيه تغدّيت مرّات مع صحبي. قلت لك يا نفس: «انتهت تلك المرحلة. أنت اليوم متقاعد، لا درس لك ولا مطعم». نظرت إلى الأمام. في الزقاق، على اليسار، في يافطة معلّقة، قرأت «الجمعيّة التونسيّة «السبيل» للإحاطة بالأمّ والطفل». هذه جمعيّة خيريّة أعرفها. حدّثتني عنها ريم. هنا، في ما قيل لي، يسكن أطفال رضّع وأمّهاتهم. يجب أن أنظر في الدار. يجب أن أرى ما فيها من صغار تحيا. منذ أسابيع، كنت وعدت ريم أن أمدّ الجمعيّة ببعض المال. هي فرصة لأمدّ عونا. لأرى بعينيّ ما في الدار من رضّع.

أوقفت السيّارة مسرعا. دخلت وزوجتي الدار وكانت محكمة الغلق. هو بيت كبير. فيه مدارج من رخام أبيض. ها نحن في مكتب قبالة ثلاث بنات محجّبات. بنيّات في مقتبل العمر. قلت لواحدة: «جئنا يا سيّدتي لنعطي هبة. وإن أمكن للنظر في الدار ولملاقاة الرضّع». بعد الإمضاء في الدفتر والوصولات، تحوّلنا الى الطابق الأعلى. دخلنا الغرفة وفيها وجدنا ثلاثة أو أربعة رضّع. بعضهم نائم وبعضهم بين يديّ المرضّعات. هذا «محمّد هارون» رضيع سنة عمره. أو أقلّ. هو صغير بهيّ. له عينان تشتعلان نورا قدسيّا. اقتربنا منه. هو ينظر إلينا. لماذا هو ينظر إلينا؟ اقتربت منه أكثر. أنظر في عينيه وفي وجهه البهيّ. ابتسم محمّد إليّ. فرحت أيّما فرح بابتسامة محمّد. لماذا هو يبتسم إليّ؟ أنا لم أره من قبل. ماذا هو يريد؟ انحنيت عليه. نظرت من قرب في وجه الصغير. ابتسمت. مسكته من يده الصغيرة. شدّ إصبعي. زاد محمّد هارون في الضحك. ها هو في سريره الصغير ينتفض. يريد أن ينهض. يريد أن آخذه. هل هو يعرفني؟ أنا لم أره من قبل. نسيت أين التقينا. ها أنا أردّ على ابتسامته الحلوة بابتسامة أحلى. أشدّ على يديه. يمسك بيديّ. آخذه بين يديّ. أودعه أحضاني. أشمّ رائحته

العفويّة. أقبّل جبينه المعطّر فيزداد الملاك ضحكا وحركة. هو رضيع من الجنّة. هو صبيّ يقطر حياة ورقّة. أخذته صبيحة بين يديها. ها هي تحمله تدفعه بحنان، برقّة، يمنة ويسرة. صبيحة زوجتي تبكي. ما لك تبكين يا عزيزتي ونحن الآن في الجنّة؟ ألا ترين الملائكة من حولنا وهذه أنهار تجري وأطيار ترفرف؟ شدّ قلبي انشراح لم أعرف له مثيلا. شدّني انشراح قويّ. نسيت الدنيا. تذكّرت أيّام كان محمّد وخديجة رضيعين. ها أنا طيف خفيف. عصفور من الجنّة. تحملني الذكرى. أنا حسّ رقراق. أنا خيط ممدود يهزّه النسيم فيرقص نشوة... أعود إلى دار «السبيل». أترك الصبيّ في أحضان صبيحة. أنظر في الرضيع الآخر، هناك، في الغرفة الأخرى. ما أسم هذا الرضيع يا سيّدتي؟ اسمه «أيسر». أيسر، اسم غريب مثل اسمي. نظرت في الصبيّ أمامي. لم أكلّمه بعد لمّا انطلق أيسر يبتسم، يهتزّ، يدفع بيديه. هو في السنة الأولى أو الثانيّة من العمر. هو بهيّ ككلّ الرضّع. له شعر كثيف أسود. أنظر في ما كان في الغرفة من رضّع. أيسر يدعوني أن آخذه. دعني يا أيسر لحظة لأرى من كان في الأسرّة. لا يتركني أيسر. اقتربت منه قليلا. ازداد أيسر حركة وضحكا. هو ينتفض فرحا.

يريد أن ينهض أيسر. أن يشدّني. أن أحمله بين يديّ. بقيت في تردّد. لا أدري إلى أيّ من الرضّع أمشي. أيسر دوما يضحك. يشير إليّ. ينظر في عينيّ. يقفز. يبتسم دوما. قهرني أيسر. وقفت لجانبه، أنظر فيه. أمسك بيديه. بأصابعه العشرة. أبتسم إليه وفي قلبي دقّات مفزعة. أحيانا، أسرق النظر في الأسرّة الأخرى. صبيحة في مكانها. بين يديها رضيع يضحك. هي دوما تبكي. دموعها منهمرة. أنا لا أبكي. كنت في اضطراب، في وضع غريب، عصيب. هو الحسّ يسطو، يمسك بك من كلّ جنب. يصيبك عجز. ينتهي عندك الفكر. لا تتبيّن أمرا. أنت في عالم مغاير. أنت عبد مختلف. يجب أن أخرج من هنا توّا. يجب أن أنهي الزيارة وهذا دم في رأسي يغلي وفي قلبيّ انقباض يشدّ. خرجنا. تركت أيسر بين أيدي المرضّعة.

° ° °
خرجت من دار «السبيل» وفي فمي ابتسامة الرضّع. في عينيّ إشراقة أيسر. أنا فرح بملاقاة الرضّع. أنا مسرور، ممنون بما كنت عشت من متعة. أنا عبد آخر. ابعث من جديد. أنا صبيّ على الفطرة. أضحك. في صدري راحة وطمأنينة كبرى. ساعة مع الرضّع وها هو الفكر فيّ يتغيّر. ها هي الدنيا تنقلب قلبا. نعم، بفضل الرضّع وما لقيت من هناء ووداعة، عادت اليّ براءتي. استعدت فطرتي. تغيّرت. عادت بيّ الذكرى. رأيت أمّي تبتسم، تداعبني. تحملني بين ذراعيها. تشدّني من أصابعي بيديها. تذكّرت لمّا كنت طفلا. في ساعة من الزمن، انقلب فيّ الفكر.أنا مخلوق آخر. أرى الدنيا من زاويّة أخرى. ما كانت الحياة عصبا، عصيبا. ما كانت الحياة صراعا مرّا. ما كان البقاء في الدنيا للأقوى، لمن استأثر وكسب ذهبا وفّضّة.

ما كانت الحياة، كما خلتها، صراعا وشرّا... الحياة يا إخوتي حلوة. هي ابتسامة وسرور ونعمة. هي عطف وسكون ورحمة. في أعين الرضّع، لمن شاء من الخلق، لمن في صدره فؤاد يحيا وفي عقله بصر يضيء، الحياة هي نعيم وبهاء وفطرة. هي وداعة الصبية... ما كانت الحياة تهافتا ولا غنما ولا تنافسا منهكا. ما كانت الحياة حربا ضروسا والإنسان للإنسان ذئبا. الحياة بهاء ويسر. هي تعاضد. هي أخوّة. هي تسامح ووجد ورحمة. هي الرضا بما كان من شأن وبما سوف يكون من أمر...

كلّما شدّكم ضيق أو قلق، كلّما أردتم معانقة الشمس والقمر، كلّما أصابكم إرهاق أو وهن أو عضّتكم الدنيا، اذهبوا إلى دار السبيل واحملوا بين أيديكم رضيعا، ذكرا أو أنثى. هذه الحياة منتهيّة فابتسموا للناس جميعا وللصبية، للأثرياء ولمن حطّه الزمن، للنساء وللرجال، للمؤمنين وللكفرة... ابتسم وافتح قلبك واسعا للدنيا. عندها، سوف ينتهي ما كان في القلب من غمّ ولسوف ترى ماهيّة الحياة وماهيّة الدنيا. كلّما شدّكم ضيق أو ادهلمت في أعينكم الدنيا، زوروا يا إخوتي دار الجمعيّة التونسيّة «السبيل» وانظروا في وجوه الصغار وما في أعين الصغار من إشراق ودفء واصغوا إلى ما في قلوبهم من حبّ ورقّة. الحبّ يا سادتي بلسم. هو نعيم هو المقدّس...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا