كواليس النات: هل أتاكم حديث القضاة/الرّوبوات ؟

عندما درسنا القانون بمختلف فروعه ومدارسه الفقهية، كان أساتذتنا يولون مكانة محورية لعملية تأويل القاعدة القانونية بالنظر لمدى تطابقها

مع الوقائع والمؤيّدات المضمّنة بالملف.. كما كانوا يردّدون على مسامعنا أنّ القاضي «الشّاطر» من ينجح في الكشف عن روح النصّ القانوني بالاستئناس بمختلف مصادر القانون من فقه قضاء وقواعد فقهية وعرفية ...

كما كنّا نحفظ عن ظهر قلب أنّ التنظيم القضائي في مادته المدنية او الجزائية يخضع إلى مبدأ التقاضي على درجتين – ابتدائي واستئنافي – ، وأنّ محكمة التعقيب – محكمة النقض في العديد من النظم القضائية المقارنة – تٌعدّ محكمة قانون، وأنّ تركيبة المجالس الحكمية تتراوح عموما بين التركيبة الفردية والثلاثية، وأن للنيابة العمومية دورا حاسما في إثارة الدعوى العمومية وممارستها..

كل هذا الصّرح المعرفي القانوني المتداول بين مختلف الأجيال منذ مئات السنين على طريقة «علم الوراثة الجيني» أضحى اليوم مهدّدا بالانهيار بفعل الرقمنة المغمّسة بجرعات عالية من «الذكاء الاصطناعي» من خوارزميات متناهية التطور وقضاة روبوات Juges robots تٌفكّر تماما كالإنسان في طور استكمال تكوينها الدماغي/العصبي عبر آليّات «التعلّم العميق» Deep Learning .. ومحاكم مستقبلية عبارة عن منصّات رقمية مأهولة بحواسيب جدّ متطورة Serveurs على غرار مراكز البيانات الضخمة Datacenter.. وجلسات ستٌسيّر وفق تسلسل خوارزمي مٌحدّد.. وأحكاما تصدر من دوائر روبوتية متخصصة..

ونيابة عمومية افتراضية تتحرّك وفق نظم الاستشعار عن بٌعد.. ومحامى يٌتابع ملف منوبه من خلال لوحة قيادة ذكية.. و«مجلس أعلى للقضاء» دون قضاة .. و«سلطة قضائية» هلامية تحرّك خيوطها مؤسسات رقمية كبرى تتحكم في مصير الأفراد والمؤسّسات وو...

قد يتبادر للذهن إننا بصدد حبك سردية من وحي الخيال العلمي او حيال مزحة فايسبوكية ثقيلة، قطعا لا ! فالمسألة في غاية الجدّية بل هي في طور التشكّل البنيوي فعلا...

مرّة أخرى يأتي الحدث/الاختراق من أستونيا – التى خصّصنا لها في السّابق ورقة بحثية – الوجهة الرقمية الأولى في العالم حيث أنه يتم الاشتغال الآن من قبل «وزارة العدل الاستونية» على وضع منظومة قضائية تستعيض القاضي/الإنسان الادمى بقاضي مختلف ينحدر من سلالة «الذكاء الاصطناعي» مٌتخصّص في فضّ النزاعات التى لا تتجاوز قيمتها 7000 أورو وذلك بهدف التخفيف من الكم الهائل للقضايا المنشورة أمام المحاكم، وتمكين القضاة وكتبة المحاكم من التركيز أكثر على النزاعات الأشد تعقيدا وتشعّبا.. فيما بعد تٌصدر هذه «الرّوبوات القضائية» أحكامها لفائدة هذا الطّرف او ذاك استنادا على تحاليل ذكيّة للنصوص القانونية والمؤيّدات والطلبات المودعة على منصة رقمية ...

إلا أن هذا المشروع الذي يبدو طموحا وجذابا للبعض، فانه يٌثير سيلا من الإشكالات والمخاوف ذات الطبيعة المركّبة منها:
1- في علاقة بالايتيقا القانونية
- كيف يمكن تنفيذ أحكام صادرة عن جهاز روبوتي لا نعرف شيئا عن طريقة اشتغاله ؟
2- في علاقة بميكانيزمات المحاكمة العادلة
- من يضمن أنّ المكتسبات الرّاهنة للذكاء الاصطناعي – لاسيّما إنّها لا تزال في خطواتها الأولى في مجال التعلّم العميق – كافية للقيام باستقراء سليم لوسائل الإثبات من قرائن ومؤيّدات مكتوبة الخ ؟
- من يضمن أيضا أن المكتسبات الراهنة «للقاضي الروبو» كفيلة بإجراء تأويل مٌعمّق للقاعدة القانونية ؟
- ما الدور الذي يمكن ان يلعبه مستقبلا محامي الأطراف المتنازعة في مواجهة قضاء خوارزمي لا يعترف إلا بالنظام الثنائي système binaire ؟
3- في علاقة بالبناء المؤسساتي للدولة
- هل يمكن للسلطة التنفيذية أن تٌذعن لسلطة رقمية خوارزمية شبه ميتافيزيقية؟
- وان تم ذلك، ماذا تبقى من «هرم كلسن» le pyramide de Kelsen الشهير و«نظرية فصل السلطات» لمونتسكيو ؟
ومن المفارقات، أن اغلب مواقف فقهاء القانون في شأن « القاضي الروبو» تتسم بالرمادية والتذبذب، فمن جهة يعتبرونه غير مؤهل بالقدر الأدنى لتأويل النص القانوني، ومن جهة ثانية يثمّنون الدور الذي يمكن ان يلعبه في مستوى الفصل في النزاعات الدنيا Les procès mineurs ذات القيمة المالية المحدودة بنص القانون...
ان ما يجرى اليوم على قدم وساق في مجال القضاء السيبرني Cyber-justice سواء في استونيا او بمختلف المؤسسات الناشئة او المخابر البحثية خاصة الكندية منها يؤشر من اقترابنا الى نقطة اللاعودة في يوميات «المرفق القضائي» الذي عهدناه، دونه ستسقط حتما باقي السلطات...
ومن الطبيعي اذا أن نتفهم توجّس العديد من الأوساط في العالم من بوادر هذا الانقلاب المؤسساتي الخطير الذي ان لم تتم السيطرة عليه في العاجل من خلال وضع «إعلان عالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي» مٌلزم لجميع الدول فان شبح الانهيار المؤسساتي الشامل قادم لا محالة...
في مطلق الأحوال، إن رغبت في استشراف سوسيولوجيا العلاقات المجتمعية المستقبلية بلغة الشرائح الالكترونية من جيل الذكاء الاصطناعي، وان أردت أيضا محاكاة المستقبل القريب بتهديداته وفرصه فما عليك إلا بزيارة «استونيا» المعبد الرقمي بامتياز للألفية الثالثة ...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا