منبــر: في الذكرى السابعة لاستشهاده شكري بلعيد: «النبي» الأعــــــزل

بقلم: عبد المجيد المسلمي
( عضو بحركة تحيا تونس)
لقد كانت مسيرة الشهيد شكري بلعيد غنية و متألقة حتى أن كل جزء من أجزائها كان كافيا لملئ حياة شخصية سياسية مرموقة

و برأينا تشكل فترة حكم الترويكا و بالتحديد سنة 2012 إلى حين استشهاده ذروة العمل السياسي و قمة العمل النضالي للشهيد شكري بلعيد. و بدون ان نستنقص من دور القادة السياسيين الذين تصدوا للترويكا في تلك الفترة فإننا نعتبر أن الشهيد شكري بلعيد كان الأقوى و الأبرز و الأشد معارضة لنهج الإنحراف بالثورة. لقد كان زعيم تلك الحقبة دون منافس أو منازع. و سواء كان الأمر عن قناعة نظرية أو عن غريزة سياسية فلقد تلمس الشهيد مبكرا و قبل غيره بأشواط طويلة خصوصيات الوضع السياسي الناجم عن انتصار الإسلاميين في 23 أكتوبر 2011 و تلقى بتبصر و بعد نظر إيحاءاته و إشاراته الظاهرة و الخفية و تنبأ بالخطر المحدق بالثورة و بالوطن. هكذا اندفع الشهيد مثل البطل الأسطوري عاري الصدر و اليدين لا سلاح له سوى جرأته و قوة شخصيته و قناعاته الثورية يقاوم القوة الغاشمة القادمة من ليل العصور المظلمة و التي كانت تتحين الفرصة لإطباق سيطرتها على الوطن و على الثورة

• عدو الظلام..صديق الحياة
شكل انتصار الإسلاميين في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر 2011 صفعة قوية للقوى الديمقراطية و التقدمية بالرغم من أنها كانت في مقدمة القوى المنخرطة في الثورة و المساندة لها. أيقظ هذا الإنتصار لدى بعضهم حلم التمكين و الخلافة. و استخلص الشهيد شكري بلعيد مبكرا بان انتخابات 23 أكتوبر قد تكون الإنتخابات الديموقراطية الأولى و الأخيرة في بلادنا. و ان الإسلاميين يستعدون للسيطرة على مفاصل الدولة لسنوات طويلة كما صرحوا هم أنفسهم بذلك. بصورة موازية لمحاولة التمكن من أجهزة الدولة تحركت 3 أذرع رئيسية تستفيد من الوضع السياسي الجديد لتدعم سيرورة التمكين: ذراع فكري ممثل بلفيف من الدعاة الرجعيين الذي تقاطروا على بلادنا و تتمثل مهمتهم في غسل أدمغة التونسيين و التونسيات. و ذراع فاشية متمثلة بميليشيات «حماية الثورة» التي تعمل على قمع كل نفس معارض للترويكا فتهاجم اجتماعات الأحزاب و الجمعيات و تفسدها و ترهب المواطنين. أما الذراع الثالثة فتتمثل بقطعان الإرهابيين التكفيريين الذين اختصوا بالإغتيالات السياسية للمعارضين البارزين و لم يكن بالصدفة بان يكون الشهيد شكري بلعيد أقوى و أشرس معارض للترويكا ضحيتهم الأولى.
سوف يتوقف المؤرخون طويلا عند المجهود الخارق و الجبار الذي بذله الشهيد شكري بلعيد خلال تلك الحقبة الحالكة في معركة بطولية غير متكافئة ضد القوة الغاشمة. لقد انبرى يحشد المناضلين و المواطنين ضد هذه الديكتاتورية الوليدة و يشرح للرأي العام الأخطار المحدقة و ينظم الصفوف في جبهة ديمقراطية واسعة ضد الإستبداد و العنف الرجعي. لقد اكتشف الرأي العام الخارج لتوه بعد الثورة من كهف التعتيم السياسي والتضليل الإعلامي خطيبا مفوها و مدويا و مثقفا عضويا متشبعا و إنسانا رقيقا و حساسا و رجلا شهما و شجاعا. كان خلال تلك الفترة الحالكة شعلة من العمل و الحركية و النشاط يتحرك في كل زاوية و كل مكان يحارب قوى الإستبداد و الظلام على مدار الساعة حتى خيل للبعض بأنه يشتغل 30 ساعة في اليوم. و تساءل البعض الأخر عن مصدر الطاقة الغزيرة و الالهام الخارق و القوة الإستثنائية الذي يتميز به عطاء الرجل و تفانيه الامحدود. كانت سنة تساوي بالمنظار التاريخي عديد السنين في الزمن العادي وضع فيه الشهيد كل ما اختزنه لسنوات من طاقة خلاقة و فكر و ثقافة و إبداع و خطابة...عمل الشهيد شكري بلعيد على تعبئة أوسع الطاقات الشعبية ضد الإستبداد الذي سعت الترويكا إلى إرسائه و من أجل إطلاق الحريات التي ارستها الثورة داعيا إلى حل عصابات حماية الثورة و التصدي لقطعان الإرهابيين و منبها لخطر الإنزلاق الى مربع العنف و تنظيم مؤتمر وطني ضد العنف و كأنه كان يتنبأ بأنه سيكون أول ضحاياه. و قد بدا الشهيد في أيامه الأخيرة و في معركته البطولية النهائية وكأنه يسابق الزمن و يتحدى الموت.

• مؤسس الجبهة الشعبية
يمثل تأسيس الجبهة الشعبية في أكتوبر 2012من أبرز إنجازات الشهيد شكري بلعيد. فلقد كان من الأوائل الذين استوعبوا الدرس القاسي لانتخابات 23 أكتوبر. فالقوى الديمقراطية و التقدمية تكبدت هزيمة تاريخية نتيجة توجهاتها السياسية و الفكرية و ضعف علاقتها بالمواطنين و سوء تنظيمها و تشتتها. و في صيف 2012 و إلى جانب سيطرة النهضة على الحكم برز حزب نداء تونس كطرف سياسي جديد في مسعى مشروع لإحداث التوازن للمشهد السياسي المنخرم. كانت تغلب على هذا الحزب الجديد المتكون من خليط دستوري و يساري و نقابي التوجهات الليبرالية . لقد وعى الشهيد بحسه الإستشرافي و حصافة فكره و بعد نظره بأنه أن الأوان لتشكيل جبهة يسارية شعبية تمكن الطبقات الشعبية من أداة سياسية تقارع النزعة الهيمنية للترويكا و تواجه سياسات اليمين الليبرالي المحافظ.
هكذا انطلق الشهيد في لم شمل الشلل اليسارية والتقدمية على اختلاف مشاربها و صعوبة تجميعها و هو صاحب المقولة الشهيرة « نحن اليساريون تعلمنا لسنوات طويلة كيف نختلف و علينا الأن أن نتعلم كيف نتفق». ويشير مقربون من المشروع الأولي للجبهة الشعبية أنه لو لم يكن شكري بلعيد لما كانت الجبهة الشعبية.
لقد كان رهان الشهيد صحيحا بالمنظار التاريخي. فسرعان ما حظيت الجبهة الشعبية و فور تأسيسها بشعبية جارفة و أصبحت قبلة الديمقراطيين والتقدميين و ساهمت بصورة نشيطة في إحداث التوازن السياسي الضروري سواء خلال تأسيسها لجبهة الإنقاذ مع حزب نداء تونس و الحزب الجمهوري و حزب المسار وجمعيات و مستقلين أو من خلال مساهمتها النشيطة في اعتصام الرحيل الذي أسقط حكومة الترويكا و مشاركتها في الحوار الوطني. و تمكنت خلال الإنتخابات التشريعية والرئاسية ثم البلدية من أن تصبح رقما مهما في الحياة السياسية باعتبارها حزبا سياسيا ينحاز للحريات و للمساواة ويدافع عن الطبقات الشعبية.

• انهض شكري من قبرك....لقد أصابهم مس من الجنون
سوف يتألم الشهيد شكري بلعيد كثيرا في قبره و هو يرى تفتت الجبهة الشعبية و تلاشيها و هي أهم إنجازاته على الإطلاق. فلقد أصاب مرض الإنقسام و الصراعات و البحث عن المناصب ائتلاف الجبهة الشعبية. و هو الذي لعب دورا هاما في التوازن السياسي خلال الفترة الماضية كما تحملت كتلته البرلمانية مسؤولية المعارضة و تمكنت بالتحالف مع كتل أخرى من تحقيق إنجازات هامة. ذلك أن قيادة الجبهة الشعبية عجزت عن إحداث النقلة النوعية الضرورية على الصعيد التنظيمي و الصعيد السياسي حتى تتمكن من الإنفتاح و جذب قوى اجتماعية أخرى و الإستجابة لطموحات جديدة و متجددة و مختلفة للتونسيات و التونسيين. فمن لا يتقدم يتأخر بالضرورة. هكذا منيت فصائل اليسار بهزيمة نكراء في الإنتخابات التشريعية و الرئاسية و فسحت المجال لقوى شعبوية و تيارات رجعية متطرفة لتصبح أرقاما مهمة و مؤثرة في الساحة السياسية. إن غياب تجمع يساري تقدمي في المشهد السياسي يمثل اختلالا خطيرا يجب إصلاحه بصورة عاجلة.
إن شكري بلعيد لا يزال حيا ورسائله لا تزال راهنة : تجميع القوى اليسارية و التقدمية في تونس من أجل الدفاع عن الحريات و المساواة و الديمقراطية و تحقيق مطالب الجماهير الشعبية في الشغل و الحرية و الكرامة الوطنية.
و من يكرم الشهيد..يتبع خطاه

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا