منبــر: من الأمن و السلامة الى.. الطمأنينة

بقلم توفيق بوعون الخبير الأمني
تخضع حياة المنظومة الأمنية إلى نفس القوانين التي تحكم طبيعة الكائنات الحيّة، تولد ثم تنمو و تزدهر فتموت لتصبح غير قادرة على العطاء.

المنظومة الأمنيّة هي جملة من الوسائل و الآليات التّي تشتغل وفق برمجة مسبّقة و تخضع إلى تراتيب و تفاعلات عديدة، هدفها توليد مادّة واحدة: هي الأمن.
يمكن أن نتحدث عن الأمن في مفهوم العام أي بمعنى المحافظة على العيش في ظروف خالية من المخاطر والتهديدات طالما لم نعرّض أنفسنا عمدا أو جهلا لما من شأنه أن يضع حياتنا في خطر.
فإن توفرت جملة من الاحتمالات المعنوية أو المادية التي تعتبر خرقا لقواعد السلامة في إطار عمل ما، يعرّض الإنسان نفسه حتما إلى قدر وافر من المخاطر يفضي في أغلب الأحيان إلى احداث ضرر بذاته أو يضع نفسه في مربع الخطر.
«فالذي يقود سيارة دون رخصة سياقة في حالة سكر بالليل وفي طريق مظلمة ضاعف لنفسه أربعة مرّات امكانية القيام بحادث مروريّ».
وبقدر ما يراكم الإنسان المخاطر فإنه يطرح جانبا المحاذير، و يكسر القواعد ، وبقدر ما يلغي شروطا أمنة يضاعف امكانية وقوعه في منطقة الخطر و الضرر بذاته أو بغيره.
والحالة تلك في صياغة المنظومة الأمنية، و بنفس النظرة الهندسية الواجبة لمقاومة الجريمة، يتم وضع قواعد المخططات الأمنية وفقا لضبط المخاطر و توصيف المحاذير الممكن اختراقها مما يؤدي الى وقوع الضرر. يكمن سرّ نجاح و سلامة المنظومة الأمنية في قدرتها على التصدي للمخاطر والتهديدات التي تواجهها و في طاقة تأقلمها مع الواقع الاجرامي ودرجة التوقي من الجريمة بما يضمن الامن والسلامة معا.
وعليه فان تجاوز نتائج المنظومة الأمنية من بسط الأمن والسلامة الى تحقيق الطمأنينة مرتبط بقدرة مهندسيها على رسم أهداف واضحة المعالم و قياس التحديات الواجب رفعها مع الأخذ بعين الاعتبار لجملة الإمكانات البشرية و المادية الموضوعة تحت تصرّف أصحاب القرار .
كلّ هذا لنتوقف عند ضرورات المنظومة الأمنية و مدى تلاؤمها مع الواقع المعيش عموما.
تهترئ المنظومة الأمنية عندما تصبح عاجزة عن تحقيق أهدافها التي رسمت لها لتصبح غير قادرة على التأقلم مع محدثات الجريمة و تطورها.
إن الهدف الأرقى للعمل الأمني هو تحقيق الطمأنينة أي الاعتلاء في سلم الإنجاز والتفوق على تحقيق الأمن - La Sécurité- و تجاوز مسألة فرض شروط السلامة La Sureté لأكثر من ذلك :أي الى نشر الطمأنينة La Quiétude ، و الفرق في ذلك كبير و مرتبط أصلا وأساسا بالإحساس البشري، فحيث يكتفي الحيوان بالأمن حينما يؤمّن نفسه و قوته و سلالته من الخطر ،يمكن أن يرتقي إلى تحقيق سلامته الجسدية و ذلك باتخاذ شكل أو لون أو رائحة أو عضو يوفر له سلامة مستدامة ،لكنه يعجز في الحين نفسه عن إدراك مفهوم الطمأنينة الذي يتجاوز ببعيد مسألة الأمن والسلامة.
تعجز الكائنات الحية غير الانسان عن استيعاب مسالة الطمأنينة (La Quiétude ) و ادراكها في حين أنها قادرة على فهم و استيعاب مسألة أمنها و سلامتها ،و يتفرّد الإنسان بهذا الإدراك ،ادراك مرتبة طمأنينته، و له في ذلك قياس أرقى و أجود من سلّم قياس الأمن و السلامة.
يلتمس البشر أمنه بقياس بيولوجي مرتبط أساسا بهجمة الخوف عليه و الفزع و الجزع التي تربك جسمه، فيختلج القلب بين الأضلع و يشعر الإنسان بهبوط حرارته ويتصبب العرق البارد في مواضع غير معتادة، يسلّم المرء وعيه بحالة الأمن طالما كان خارج إطار الهلع أو الخوف المادي أو المعنوي و يقيس البشر سلامته بقدرته على رفع التحدّيات المادية ويتجسّم ذلك في قيامه كل صباح سالما و بدون أوجاع فيدرك و بصفة إرادية أنه قادر على مواجهة يومه.
و العكس في ذلك أن يصبح الإنسان غير قادر على الجهد او أن يفقد حاسة من حواسه أو به و جع فيدرك فورا وبطريقة لا إرادية أنّ سلامته منقوصة و يدخل في مربع القلق.
و يمكن أن يتمدد إدراكه بالقلق إلى إحساسه بالأمن فيرتبك و يدخل في مربع الخوف و الهلع و يفقد جزئيا و لمدّة محدودة قدرته على التركيز ويعسر عليه اتخاذ القرار المناسب حتى تتهيأ له الظروف ليهدأ و يفكر و يتخذ صواب القرار.
كل ذلك قدّمناه لنبيّن الفرق بين الأمن و السلامة وتلازمهما أحيانا و ليس وجوبا فيمكن أن تكون آمنا و لكن تحفّ بك ظروف غير سليمة كأن تقوم بالرياضة نهارا مع الأتراب ولكن على تضاريس غير معبّدة فتعرّض نفسك حتما إلى مخاطر الانزلاق ممّا يعرّض سلامتك للخطر بالرغم عن انّك امن..
أمّا عن الدرجة الأعلى من الأمن و السلامة وهي درجة الطمأنينة فهي حالة نفسية وفكرية و ادراكية معا، يرتقي إليها الإنسان عندما تتوفر له ظروف الهناء أي عندما تنعدم مهددّات الأمن و تتضاعف شروط السلامة ليس فقط، بل تسري في النفس قناعة الرّخاء المستدام.
تقاس الطمأنينة بدرجة الوعي بأن الأمن مهيمن على المخاطر و أنّ شروط السلامة محترمة في أدقّ معاييرها و أن الوقت و الزمن متفاعلان في نفس الاتجاه لكي ينعم الإنسان ببرهة في حالة رخاء و هناء عقلي.
و لئن كانت أوّل افرازات الأمن تحرك الإنسان فإن السلامة تفرز نشاطه و حيويته في حين يتجاوز افراز الاحساس بالطمأنينة الحركة و النشاط و الحيوية إلى الخلق و الإبداع و تقويم الذّات و مراجعة النفس لمضاعفة شروط استدامة الطمأنينة.
كيف يمكن تحقيق الطمأنينة ...
بقطع النظر عن الجانب الروحاني و الرومنسي و الّذي لا يمكن ان يستقر في الذّات البشرية بدون الأمن و السلامة فإنّ تحقيق الطمأنينة يجب أن يكون الهدف الأسمى للمنظومة الأمنية و عليه، لا يمكن الارتقاء إلى تحقيق هذا الهدف من دون توفير الأمن و السلامة معا.
إنّ إحساس النّاس بانعدام الأمن هو في الأصل شعور بعدم الطمأنينة (أي أنّ الإنسان لا يستطيع الاسترخاء و لا يمكن أن تأخذه غفوة) و هو ناتج عن استحالة الاسترخاء و عليه تصبح الغفوة ممنوعة و الغفلة مصدرا للقضاء المبرم !كذلك الإحساس بعدم الطمأنينة حقيقة غالبا ما يعبّر عنه مجازيّا بالقلق و لكنّه في الأصل ناتج عن انعدام شروط السلامة ضارب الخوف الناتج عن انعدام الأمن ليدخل الإنسان في حالة من الذّعر المتواصل تربك ردود أفعاله و تفقده التركيز وتذهب السيطرة على مشاعره. ان الإحساس بعدم الطمأنينة هو ادراك لانعدام الأمن ضارب عدم توفر شروط السلامة وبصفة متواصلة في الزمن. «كالتّجوال في الظلمة في مكان مقفر ليلا و في محيط مجهول وغير معروف»
إنّ تحقيق الطمأنينة يشترط تحقيق الأمن و السلامة معا لمدّة مسترسلة مع توفّر نفس الأركان اي الامن و السلامة لكل ما يشغل بال المرء: كعرضه/ و ماله/ و أبنائه/ و شغله/ و قوته/ وصحّته/ و قدراته/....
كل منظومة أمنية ليست ناجحة بالضرورة و ليس شرط وضع المنظومة الحمائية كافيا لتحقيق الأمن ، لان ذلك مرتبط بمدى استيعاب الهندسة الأمنية لجملة من القواعد الرياضيّة و العلمية الواجب اعتبارها عند صياغتها لضمان قدرتها على التأقلم و التمدّد أو الاستقواء لمواجهة المخاطر، ثم درئها ، ثم تحقيق القدرة على التوقي منها .
فالقبض على المجرم بعد قيامه بالجريمة نتيجة ايجابية وعكسها هو اي عدم القبض على المجرم أمر سلبي ، ولكن الأحسن من ذلك هو ردع المجرم و ابراز القوّة النظامية والمدنية الكافية لردعه واقناعه بعدم قدرته على القيام بالجريمة.
كما ان مخالفة مرتكب حادث المرور أمر واجب قانونا لأنّ عدم مخالفته يحدث خللا في مسألة العدالة و انصاف الضحيّة الذي تعرّض إلى الحادث، و ذلك أمر يعتبر إيجابيا أن تسلّط العقوبة على مرتكب الحادث و لكن الأمر يختلف من الناحية الاجتماعيّة ، ذلك ان معاقبة مرتكب الحادث عقوبة سالبة للحريّة أو عقوبة مالية لا يمكن بحال من الأحوال أن يردّ للضحيّة ما سلب منه من جرّاء الحادث، والخسارة مضاعفة للمجموعة الوطنية: افتقاد للطرفين و تمويل عقاب الجاني زائد انعدام مساهمة الضحيّة فيما كان يؤديه من عمل لذاته أو لسربه.
الأحسن من ذلك طبعا هو الوقاية من هذا الحادث و أن لا يسجن المخالف و لا يهلك الضحيّة.
كما أن الإطاحة بمروّج المخدّرات أمر إيجابي و القبض على المستهلك هلاك له مرّتين، و لكن الأحسن من ذلك هو وضع المنظومة الامنية الكافية لردع و تخويف المروّج فيعدل عن ذلك مما يجفّف منابع المستهلك فييأس من ذلك.
تلك هي مقاييس نجاعة العمل الأمني ،فبقدر ما تنجح الخطط الأمنية في نقل الخوف من ملعب الضحيّة إلى مرمى الجاني تحقق شروط دخول المجرم في مربع الخوف، و بقدر ما تنجح المنظومة الأمنية في فرض شروط السلامة بالقوّة المدنية القانونية تعين المواطن على مغادرة منطقة القلق إلى منطقة الأمان.
ان استدامة التوقي من مخاطر الجريمة مرتبط بتحيين احداثيات الاجرام و التعرّف على خصوصياته و التأكد من نقاط ضعفه و نقاط قوّته، ذلك أن الجريمة كائن حي ،كالأمن كائن حيّ يتخاصمان في كل لحظة ، يعملان في نفس المكان و الزمان و يجتهدان كل لماربه من أجل نفس الإنسان.
ففي حين يرتكز محور قوة الجريمة حول السرعة والمباغتة و الغلظة يتمحور ضعف الضحيّة حول الاسترخاء والبطء و عدم التهيؤ و خلاء الذهن، كما ان الجريمة قادرة على إعادة التشكّل في اجناس متعدّدة والحال ان الضحيّة وحيدة تعيد نفس التصرّف كلّ يوم في نفس القطار وذات المحطّة و الشارع والحيّ والمنزل.
لذلك لا يمكن أن يتغلّب الأمن على الجريمة من دون منازعتها في ملعبها و استباقها في الزمان و توظيف القوّة المدنيّة اللازمة لمنعها من التشكّل و إعاقة حركتها وشلّ نشاطها. إن هندسة المنظومات الأمنية لا بدّ أن تأخذ بعين الاعتبار احداثيات الجريمة لتستبق وقوعها باستعمال وسائل الرّصد المسبق و الاستشعار عن بعد و لتحقق الوقاية اللازمة وتمكن النّاس من مغادرة مربّع الخوف إلى مربّع اللّا خوف ومن الخروج من حالة القلق إلى حالة الاستقرار.
«لا تكون الغلبة الاّ للأقوى، الأقوى يطرد الضعيف من المكان و لا يتيح له البقاء بنفس المربّع».
عندما تضبط مقاييس نجاح الأمن بصفة علمية و تعدّل عقاربه على معدّلات الوقاية و منع وقوع الجريمة، ينتصر الهدوء على القلق و يغلب الأمان على الخوف ،وإن استطاعت المنظومة تكرار ذلك في المكان و الزمان و لو لمدّة وجيزة ولكن متجدّدة يسري الإحساس بالطمأنينة و تنتعش النفس بالحركة و النشاط و تعوّد الذّات على الجرأة، تطرد الخوف ويصبح المواطن عاملا من عوامل تقوية الأمن.
ان ادامة الطمأنينة لزمن متواصل غير متقطّع و لا مضطرب يمكن أن يؤسس لبناء الثقة بين المواطن و الأمن ويعقد العزم على الإيمان بقدرة الأمن و يضعف حظوظ وقوع الجريمة و يشلّ حركتها و يجعلها غير منتصرة و لو إلى حين ،حتّى تسترجع الأمّة عافيتها وتطمئن الانسان على حاله و أحواله وتصبح النفس اكثر من امنة و اكثر من سالمة.. لتصبح النفس المطمئنّة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا