برج بابل: هل نحتاج حكومة الأقدر أم حكومة الأجرإ ؟

الجميلة للأجرأ هي مقولة بعض الذين يتجاوزون المتاح بحثا عن مدلولات جديدة للعلاقة بين المرأة والرجل.

تصحّ هذه المقولة في السياسة أيضا عند وجود الرغبة في إحداث تحول نوعي في إدارة الشأن العام. ويحاسب السياسي عموما على النتائج، وقد وُضعت الانتخابات للفصل في الأمر. ولكن القدرة وحدها غير كافية في سياقات معينة على تحقيق النتائج المرجوة. الذكاء في السياسة مطلوب كذلك ولكنه وحده غير مؤهل لإبهار المواطنين. وقد تكون الجرأة إلى جانب الخصال المذكورة نافعة للسياسي لأنها تضعه على المحكّ. تضعه في مواجهة ما لا يرغب فيه الناس عموما، فالجرأة هي تلك الخصلة التي يتمتع بها السياسيون الاستثنائيون وهم قلّة في عوالمنا.

الجرأة ليست حدها، بل يأتي معها الإبداع. السياسي الجريء والمبدع يُنقل الفعل السياسي إلى تخوم أخرى غير متوقعة. في الجرأة وفي الإيداع ثمة تفكيك واضح وصريح لمنظومات مهترئة لا يقدر عليها السياسي العادي ولا السياسي القادر. ولكن مقولتي الجرأة والإبداع في السياسة تحتاجان إلى شرعية قوية، إلى حضور غير مألوف في أذهان المواطنين وفي مخيالهم. السياسي الأجرأ هو من يقرأ السياقات قراءة متفردة، وهو من يقبل مصارعة طواحين الهواء بلا كلل.

لم يكن بورقيبة الأقدر بين أبناء جيله من السياسيين، بل كان الأجرأ من بينهم. لقد تجرأ على المنظومات التقليدية وفككها وألغى كل الشرعيات التي تنبني عليها. الجرأة على تبديد الثوابت وإلغائها كانت بوصلته في صناعة واقع جديد. لقد تجرأ على المؤسسة الدينية والمؤسسة العائلية وعلى موقع المرأة في المجتمع وتجرأ أيضا على التعليم التقليدي وحتى على اللباس وعلى الألقاب وعلى الحميمي بين الأزواج وعلى الهويات المختلفة. لم يترك شيئا تقريبا إلا وتجرأ عليه. لم يتجرأ فقط على هويته الشخصية وعلى موقعه السياسي ولهذا كان الحاكم المستبدّ.

هل نحتاج في سياقنا الحالي إلى حكومة الأقدر أم إلى حكومة الأجرإ؟ في السياسة عموما وفي الحكومات خصوصا تكون القدرة خصلة مطلوبة وهي الخصلة الأساسية التي يجب أن تتوفر. ما بعد القدرة أو الكفاءة هناك الجرأة وهناك الإبداع لتكتمل الصورة.

على ماذا ستتجرأ الحكومة إذا؟ بمعنى أخر ماهو برنامجها للجرأة؟ وماهو برنامجها للإبداع؟

الجرأة على الفساد من أعوص أنواع الجرأة. كيف ستفكك حكومة الأجرإ منظومة الفساد؟ هل أن لديها الجرأة المطلوبة؟ وماهي مستويات جرأتها؟ يكفي عند بعض الحكومات إعلان النوايا. وهذا لا يكفي. إن النوايا دائما موجودة وقد تنحصر فقط في كونها شعار سياسي أو عنوان لمرحلة أو لحكومة تريد الحصول على ثقة النواب للمرور. إن تفكيك منظومة الفساد لا تتبع فقط الفاسدين في مواقعهم المختلفة، إنها أيضا إرساء منظومات تشريعية تغلق على الفاسدين أو المترشحين المحتملين للفساد كل إمكانيات الولوج إلى هذا العالم. إن تفكيك منظومة الفساد يمرّ بالتأكيد بكشف مجموعات الضغط في كل هياكل الدولة بما في ذلك البرلمان وتضييق المنافذ أمامها ويمرّ أيضا بتوسعة النفاذ إلى المعلومة وإرسائها كثقافة مُواطنية.

يحتاج تفكيك منظومة الفساد إلى التفكير جديا في المنظومة القضائية وفي قدرتها وكفاءتها وفي الفرص المتاحة أمامها للعمل في ظروف مهيأة لمردودية عالية. ولكن تبقى الجرأة السياسية دوما هي المؤهلة لتطبيق القانون على الجميع وعدم الإفلات من العقاب. إن حكومة الأجرإ فعليا هي التي يمكن لها أن تعلن وبوضوح عن برنامجها في هذا الاتجاه وهي تعلم جيدا أن لذلك كلفة باهظة وهي مستعدة مع ذلك لتحمل نتائج هذه الكلفة.

هل تتجرأ حكومة الأجرإ على البدء في استلهام نموذج تنموي جديد؟ المسألة ليست بالهينة وكلفتها مثل كلفة تفكيك الفساد باهظة. هل تجرؤ الحكومة على إعادة تعريف القطاع العام وعلى إعادة موقعته في منظومة اقتصادية جديدة؟ وهل تجرؤ حكومة الأجرإ على تنويع الفاعلين الاقتصاديين والبدء في خلق جيل جديد منهم؟ هل تقدر أيضا على مواجهة عائلات اقتصادية تحتكر أنشطة اقتصادية بعينها وتقف أمام كل تشريع يفتح باب المنافسة للجميع؟

مجالات الجرأة عديدة إذ هذا هو سياقها، مثلما هو سياق دولة الاستقلال في بداياتها. الجرأة مصاحبة دوما لمراحل التأسيس التي تعني أيضا القطيعة مع المنظومات السابقة التي اهترأت ونفذ رصيدها. ولكن لا معنى لجرأة دون فكر سياسي إبداعي لأنها تتحول في هذه الحالة إلى عملية أقرب منها إلى انتحار سياسي. الإبداع حين يكون مقترنا بالجرأة يقدمان للثورة المعنى الذي تبحث عنه منذ تسع سنوات.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115