كواليس النات: الإستراتيجية الوطنية للأمن السيبرني 2020 - 2025 : وثيقة للنسيان ! - الجزء الثاني والأخير -

بعد ان خصّصنا القسم الأول من المقال الى عرض مختلف التشوّهات الشكلية التي اعترت « الإستراتيجية الوطنية للأمن السيبرنى 2020 - 2025 «

يتّجه هذا الجزء مباشرة الى مواطن الضعف والقصور المضاميني للوثيقة مع اقتراح مقاربات بديلة قد تأخذ طريقها في يوم من الأيام ان تخلصّت دوائر القرار من «سندروم التوحّد الانتقالي» التي تسكنها...
ب- أوجه قصور فظيعة على مستوى المضامين

1 - توطئة أم كلمة افتتاحية ؟
على نقيض ما تضمّنته توطئة «الإستراتيجية الوطنية للأمن السيبرني» من عموميات نصادفها فى طالع كل «كلمة افتتاحية» من قبيل «يشهد العالم تطوّرا سريعا ومكثفا لاستعمال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات فى جميع المجالات ...وقد أفرز هذا التطور التكنولوجي مفاهيم جديدة ومتغيرة... وعليه وتبعا لمداولات مجلس الأمن المنعقد فى 05 جويلية 2018 تم بعث فريق عمل...» تتقاطع عدد من الاستراتيجيات المقارنة الرائدة حول صياغة توطئة موائمة للحالة السيبرنية لكل بلد، تحتوى على مدخل تمهيدي موجز - مؤيّد بمؤشّرات إحصائية مختصرة - لأبرز التهديدات والاختراقات المسجّلة خلال السنوات الأخيرة.. فالمخاطر والتهديدات والتحدّيات السيبرنية تختلف من تجربة الى أخرى باختلاف البيئة الخصوصية لكل مجتمع .. فالتحدّيات والتطلّعات الفرنسية - إحدى مرجعيات الوثيقة - من منظور الأمن السيبرني شديدة التمايز مع نظيرتها التونسية .. فالفضاء الأوروبي التي تنتمي إليه يدفعها دفعا الى تخصيص محور يٌعنى بالسّياسات الفرنسية فى مجال الأمن السيبرني الاوروبي، كما أن نضج التجربة الفرنسية فى المجال يسمح لها بان تتطلع إلى تحقيق الريادة على المستوى الدولي فى حين ان الحديث عن «تحقيق الرّيادة فى المجال الرقمي...وتحقيق الأسبقية إقليميا ودوليا» (انظر الهدف الرابع من نصّ الإستراتيجية موضوع المقال) يٌعدّ ضربا من ضروب الفانتاسما والضحك على الذقون فى ظل واقع رقمي وطني يتميز بالتشعّب المؤسساتي لمنظومة الأمن السيبرني وفوضى عارمة ومخيفة فى مستوى استخدام مواقع التواصل الاجتماعي وما رافقها من استفحال للجريمة الالكترونية مع غياب كامل لرؤية مستقبلية تحقق على الأقل «الحدّ الأدنى المضمون رقميا « Le smig digital ...
تجنبا لمثل هذه البدايات المتعثرة مستقبلا فانه أضحى من المستعجل التحرر من وهم عقدة تفوق العقل التونسي فى مجاله العربي الافريقى والالتفات بكثير من التواضع إلى التجارب العربية الرائدة، نعم الرائدة فى مجال الأمن السيبرني على المستوى الدولي كالتجربة العٌمانية والإماراتية والسعودية.. فالتجارب الفرنسية والكندية على أهمية الاستئناس بهما فإنها تستند الى خلفية تاريخية صلبة وقاعدة رقمية متطورة جدا غير متجانسة إطلاقا مع واقعنا الرقمى الهزيل...

2 - منهجية مشوّشة دون خيط ناظم :
- على مستوى الرؤية
من الأبجديات الأولى أن تستند الاستراتيجيات مهما كانت طبيعتها الى رؤية واضحة طموحة تتجه نحو المستقبل لا يشوبها الاضطراب أو الخلط المفاهيمي، من خلالها تتمكّن جميع الأطراف الفاعلة في العملية من استيعاب الرّهان الأساسي التي يتوجّب الاشتغال عليه وفق أهداف كبرى قابلة للتحقيق...
لكن يبدو جليا أنّ من وضع هذه الوثيقة كان له رأي آخر مغايرا تماما من خلال تنصيصه فى الرّكن المخصّص للرؤية « أن تكون الدولة التونسية قادرة على التوقى من التهديدات السيبرنية والصمود فى وجهها بالاعتماد على القدرات الوطنية، وقيادة الفضاء السيبرنى الوطني وإدارته، ودعم الثقة الرقمية، وتعزيز التعاون الدولي، وتحقيق الريادة فى المجال الرقمى» فى حين انه كان من الأصوب والأنجع معا اختزال الرؤية فى كلمات مفاتيح كبرى تتناغم مع الحالة السيبرنية الخاصة ببلادنا على غرار «العمل على إرساء بيئة رقمية آمنة، صلبة، ومتطوّرة»...
ومن المثير للاستغراب والاستهجان معا ان نفس مٌحدّدات الرؤية التى تضمنتها الإستراتيجية المذكورة نجدها تتكرر فى الباب المخصّص للأهداف مما يعكس منسوب التشويش المنهجي التي بلغته هذه الوثيقة في الخلط بين الرؤية والأهداف !
- على مستوى الأهداف
بالعودة الى نفس الوثيقة، تهدف «الإستراتيجية الوطنية للأمن السيبرني 2020 - 2025» الى :
1 - قيادة الفضاء السيبرني الوطني وإدارته...
2 - التوقى من التهديدات السيبرنية والصمود...
3 - دعم الثقة الرقمية...
4 - تحقيق الريادة فى المجال الرقمي...
5 - التعاون الدولي...
بالنظر للأهداف المعلنة بالوثيقة وتراتبيتها يمكننا التساؤل عن مدى استجابتها لمتطلّبات الحالة السيبرنية التونسية التي بلغت فيها التهديدات والاختراقات عبر شبكات التواصل الاجتماعي أوجّها خلال الانتخابات الأخيرة والمرشّحة بفعل «انترنت الأشياء» أن تمتدّ بشكل خطير الى المنشات الحيوية والخصوصيات الفردية على حد السواء.. وبالتالي ألم يكن من الحريّ إعادة صياغة الأهداف الكبرى على قاعدة رؤية استراتيجية واضحة لا لبس فيها وليس اعتمادا على «وصفة أهداف جاهزة» غير قادرة على الفعل والتغيير...
فى نفس السّياق، نقترح للتداول والتطوير سلسلة من الأهداف الكبرى فى مجال الأمن السيبرني علّها تٌشكّل مٌنطلق لصياغة مشروع وطنى للأمن السيبرني يتسم بالواقعية المتبصرة والجدية :
- الهدف الأول
توفير حماية مستدامة للبني التحتية الرقمية للدولة والمنشات الحيوية بتعزيز القدرات البشرية فى المجال للحدّ من هجرة العقول المتخصصة فى الأمن السيبرنى
- الهدف الثاني
وضع منظومة نشطة للرصد واستشعار التهديدات والاستجابة للحوادث والهجمات السيبرنية وفق مقاربة وقائية/استباقية
- الهدف الثالث
إرساء إطار قانوني وتنظيمي شفاف ومتطور كفيل بدعم الثقة الرقمية وتعزيز التعاون الدولي فى مجال الأمن السيبرني
- الهدف الرابع
تعزيز ثقافة الأمن السيبرني بإدماجها فى المناهج التربوية وتكثيف حملات التحسيس ودورات التكوين والتدريب
- الهدف الخامس
إرساء شراكة ثلاثية نشطة ومٌبدعة بين القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع المدني فى مجال الأمن السيبرني
فى نهاية المقال، نحن بالتأكيد حيال وثيقة اقرب منها - في أفضل الأحوال - لإعلان النوايا الحسنة فى مجال الأمن السيبرني، لا علاقة لها بالقواعد الأولية المتعارف عليها فى بناء الاستراتيجيات.. دٌوّنت على عجل عملا بالمثل التونسي المتداول: «عندكشي عندي»!

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا