حديث الفرد: لمّا سقط عن وجهي القناع

في شتاء مضى، في يوم أحد، في آخر العشيّة، كنت وعائلتي عائدا من كاب زبيب وقد شدّني إرهاق وتعب. بعد عناء في سياقة سيّارة

أكلها الزمن، ها أنا، قريبا، أحطّ الرحال. في حيّ النصر، حيث بيتي، كانت هناك أضواء للجولان. عشيّتها، لم أر الأضواء. قل، رأيتها ولم أتوقّف. حرقت الأضواء. كنت عشيّتها منهكا، منهارا... في كاب زبيب حيث أملك أرضا صغيرة كلّها أشجار وأزهار، كنت وأفراد عائلتي، نأتي أشغالا كثيرة، طوال النهار. تمشي زوجتي وخديجة إلى البيت تنظّفانه من الغبار ثمّ تعدّان لنا أكلا شهيّا. أذهب أنا وابني محمّد لصون الأرض، لتنظيف السواقي، لقطع ما اعوجّ من الأغصان. طوال الصباح وفي الظهيرة أيضا، ترانا لا نتوقّف. نكدح كدحا. الفلاحة لغير الفلّاحين شدّة وعذاب. في تلك الأرض، لنا نحو خمس أشجار برتقال وبعض أشجار زيتون وشجرة تين ورمّان. خوفا من اللصوص، كنت أستبق الأحداث. ها أنا في الصباح، أتسلّق الأشجار. أنظر في كلّ غصن. أجمع ما كان طازجا أو يكاد من البرتقال... لمّا تغرب الشمس، نجمع ما كان من متاع. نقفل الأبواب ونسدّ كلّ المنافذ ونعود إلى تونس منهوكيّ القوى. يشدّنا تعب وخواء...
***
في ذاك المساء، كانت الطريق شاغرة، لا دابّة فيها تسير ولا بشر يمشي. كنت أسرع السير حتّى أنتهي من يوم عذاب. فجأة، من زاويّة ظلماء، خرج عليّ شرطيّ، نزل عليّ كصاعقة من السماء. لعنت الأرض والسماء وقلت: «من أين أتى هذا الإبليس؟ أين كان؟» أوقفت السيّارة كما أمر. اصفرّ وجهي. أصابتني بهتة. لعنت نفسي والإنس والجان. ها هو يأتي إليّ بخطى ثابتة. ها هو ينظر في السيّارة وفي ما كان فيها من متاع ومن عباد. بعد التحيّة، دعاني أن أمدّه بالأوراق، بجميع الأوراق. أن أمشي وإيّاه إلى حافّة الطريق، إلى الأمام. نظر الشرطي بدقّة في الأوراق. لا نقص ولا خلل في الأوراق. بعد تمعّن وإمعان، رفع الشرطيّ رأسه قليلا. نظر إليّ وقال وكلّه عزم وقرار: «أنت تعلم يا أستاذ لماذا أوقفتك. أنت تعلم خطر حرق الأضواء». كنت ساكتا، في خشية، كطفل أمام مؤدّب الكتّاب. أنا أحرقت الأضواء وأعلم ما سوف يكون من خطيّة وعقاب. أضاف الشرطيّ، بعد صمت ونظر وكلّه ثقة وإمعان: «بعد ما أتيت من حرق للأضواء، لك حرّيّة الاختيار يا أستاذ. عليك أن تختار بين محضر ومحاكم أو 20 دينارا تدفعها الآن؟» نزل عليّ السؤال صاعقة. أعدّت في رأسي السؤال. تنفّست من الأعماق. شدّني بعض ذهول. بقيت صامتا. ماذا عساني أقول؟ ها هو يعيد عليّ نفس السؤال. عليّ أن أختار بين محاكمة أو دفع 20 دينارا. أفقت من غفوتي. انتهيت من حيرة طالت. أنا الآن أعلم عاقبة ما أتيت من حرق للأضواء. سؤال الشرطيّ واضح. عليّ أن أجيبه. أن أختار بين عذاب جهنّم وعذاب النار. نظرت إليه مليّا. مرّرت يميني على جبيني. أنا في حيرة. ما كنت حقيقة في حيرة. الاختيار عندي واضح. يجب أن أدفع رشوة. السؤال عندي: كم يجب أن أدفع؟ هنا يكمن الإشكال. سوف أدفع ولكن لن أدفع 20 دينارا. هذا مبلغ هامّ. حان وقت البيع والشراء. نظرت في السيّارة ورأيت زوجتي من بعيد تتابع الحوار. طال الحوار. بعد شرح وتوسّل واستعطاف حصل الاتّفاق. قبل الشرطيّ بمبلغ عشرة دنانير. ربحت نصف الرشوة. أنا والشرطيّ الآن أخوان. هي قسمة عادلة. له نصيب ولي نصيب...
أعطيت المال للشرطيّ. قبض الشرطيّ المال. دفع به إلى جيبه مسرعا وقال وفي عينيه فوز وفي صوته إكبار: «كما ترى يا أستاذ، أنا أقدّر الأوضاع وأتفّهم الأحوال. أنت أستاذ وأنا أحترم الأساتذة فهم من يعلّم النشء وهم من يسهر على تربيّة الأجيال. فاذهب يا أستاذ وانتبه ولا تحرق مستقبلا الأضواء فهذا خطر عليك وعلى ذويك وعلى كافّة الناسّ». وأضاف وكلّه حرص واطمئنان: «نحن هنا في حمايتك وحماية الناس وحرق الأضواء، كما تعلم، خطر على حياة الناس». لم أشكر الشرطيّ عمّا ادّعى من احترام. أخذت أوراقي وعدت إلى السيّارة مطأطأ الرأس، فيّ همّ وحنق. فيّ أيضا بعض فرح وانتصار. تمّ الإفراج عنّي بأخفّ الأضرار رغم ما كان من ابتزاز. مرّة أحمد الله وأشكره ومرّة ألعن نفسي ورجال الأمن والعباد...
***
لم تنته الحكاية. عدت إلى السيّارة مثقل الخطى. في الباب، وقبل أن أمتطي السيّارة، سألتني زوجتي وأظنّها رأتني أمدّ للشرطيّ مالا: «هل أعطيت للبوليس رشوة؟» قلت: «نعم، أعطيته 10 دنانير». قالت وكلّها استنكار: «كيف؟ أعطيت رشوة؟ أنت أعطيت رشوة؟» قلت بصوت فيه حسرة وانكسار: «نعم أعطيت رشوة، وكما ترين أنا مكره بعد أن أحرقت الأضواء. ليس لي اختيار. إما أن أدفع 20 دينارا أو أن تصادر أوراقي وأمشي إلى القضاء. أنا اخترت أخفّ الأضرار. ولولا رحمة من الله وما كان بيني وبين المتعوس من بيع وشراء لدفعت ضعف المال». غضبت زوجتي وعاتبتني وأعطتني درس وعظ وإرشاد. قالت إنّي بما أعطيت للشرطيّ من مال دعّمت منظومة الفساد وإني بما دفعت دون وجه حقّ ساهمت في تفشّي الرشوة في البلاد. كان عليّ وأنا الأستاذ أن لا أنزلق في مثل هذه الممنوعات. كان عليّ أن لا آتي، أمام أطفالي الصغار، مثل هذه المطبّات...
كانت فرصة لزوجتي حتّى تشدّني من رقبتي، حتّى تخرج روحي وتقطع أنفاسي. هي فرصة لتخرج ما أخفت في صدرها من غضب، منذ زمان. كذلك هي زوجتي. تسكت دهرا وإن انطلقت في العراك، لن يوقفها أحد من الناس. حينما تغضب زوجتي ويرتفع صوتها إلى السماء، أسكت أنا. أطأطئ رأسي. أسمع ما تقول من كلام حتّى يشدّها تعب وتنتهي من الكلام. أراها تصيح، تعيد نفس الحجج بنفس المفردات، مرّات ومرّات. زوجتي طاحونة كلام. أتركها تقول وتعيد العتاب. إن عارضتها، إن قلت كلمة، تزداد غضبا وصراخا...
بتّ ليلتها في كدر، نادما عمّا أتيت من فعل سواد. أسأل نفسي كيف أعطيت رشوة. كيف أصبحت المساند الرسمي لمنظومة الفساد؟ هل أنا حقّا من الفسّاد؟ نعم، بما فعلت أنت فاسد وما تدّعيه من استقامة ومن حسن أخلاق هو كذب ونفاق. هو ذرّ للرماد. بما أعطيت من رشوة، سقط عن وجهك القناع. أظهرت لزوجتك ولأطفالك ما كان فيك من وهن ومن خور بان. زوجتي محقّة. بما دفعت من رشوة، أتيت منكرا، حراما. بما فعلت، أنا مساهم في منظومة الفساد. هل أنا أستاذ، أعلّم الأجيال نظافة اليد واستقامة اللسان؟ هل أنا مواطن أمشي على الصراط؟ بقيت الليل أوّله في حيرة، في اضطراب. أسأل. أنظر في ما أتيت من فعل مشين وفي السبل لإصلاح ما كان فيّ من فساد. ثم هزّني نوم عميق ونسيت الدنيا وما كان في ذاك المساء من رشوة ومن عراك...
***
قضيت ليلتي في بعض اضطراب. شوّشت زوجتي فكري وزادت على ما كان في قلبيّ من ضيق وضياع. في اليوم الموالي، صباحا، مسكت بعزمي وذهبت أشتكي إلى رئيس مركز الأمن في المنطقة. يجب أن يعاقب ذاك الشرطي البائس. يجب أن أثأر لأخلاقي. ها أنا في مركز الأمن بحيّ النصر2، في البهو، أنتظر. بعد ساعة أو أكثر، دخل رئيس المنطقة إلى مكتبه مسرعا. دخلت خلفه مسرعا. بعد التحيّة اللائقة بالمقام، قدّمت نفسي ووظيفي وحكيت له كلّ الحكاية. كان الرجل يسمعني، مطأطأ الرأس، وفي عينيه تعب ونعاس. هل هو يسمعني؟ لماذا هو في شبه نعاس؟ لعلّه القلق؟ لعلّه الإرهاق؟ لمّا أتممت حكايتي، ضحك رئيس المركز، بل ابتسم وبحبح وعلى كرسيّه استوى وقال: «متى حصل هذا؟» قلت: «البارحة مساء في ذاك المكان». قال: «هل لك شهود على ما تدّعي؟» قلت: «لا. المكان خال والظلام شبه عامّ». قال وفي عينيه بعض من النوم وبعض من الانتصار: «كيف يمكنك الإثبات؟ كيف التدليل على ما ذكرت من اتّهامات؟ هذا عيب. مستقبلا يا أستاذ وقبل تقديم الشكاوى، تثبّت في ما تقول من كلام. فبغير الشهود لن تقبل دعواك. في ما أرى أنت تتّهم باطلا العباد». انتفض رئيس المركز واقفا وفي وجهه غضب. انتفضت خلفه واقفا وفي وجهي بهتة. خرج هو من مكتبه. غادرت أنا مركز الأمن مطأطأ الرأس، خائبا. أسأل نفسي عمّا قاله رئيس المركز من كلام وكيف «أنّي أتّهم باطلا العباد». هل أنا كذّاب؟ هذه حقيقة ما جرى وهو يعلم أنّي صادق وما ذكرته هو عين الصواب. يا له من رئيس مركز تعيس، متعوس. ليتني لم آته ولم أحدّثه في ما كان. كم أنا سخيف، غبيّ. ناقص حجّة وشهود عيّان...
عدت إلى البيت موجع القلب، مكسور الجناح. حكيت لزوجتي ما كان لي من حديث مع رئيس مركز الأمن. لم ترض زوجتي بما أتيت من مساع وقالت: «اللوم بعد القضاء بدعة. لن تنفع اليوم شكواك. انتهى الأمر وحصل ما كان. كان عليك أن لا تعطي رشوة وأن تتحمّل التبعات. كان عليك أن لا تفعل. لكنّك فعلت وأعطيت رشوة ونسيت المبادئ والأخلاق...»
منذ يومين أو أكثر وأنا في كدر. فيّ ندم، فيّ عذاب. إلى متى سيتواصل هذا الندم والعذاب؟ متى أنتهي وأطوي الصفحة وأمشي إلى أشياء أخريات... في المطبخ، كنت وزوجتي، في صمت، نشرب قهوة. كلّ في مكانه. رفعت رأسي. نظرت إلى زوجتي وفي عينيّ عطف واستعطاف. طلبت منها معذرة لما أتيت من سواد. بعد تأمّل، قالت زوجتي وفي صوتها بعد انشراح: «الله غالب. أنت دوما، على عادتك، تأتي غرائب وممنوعات ثم تندم بعد فوات الأوان... المهمّ أن تكون أدركت ما فعلت من سوء وأن تكون هذه المرّة الأخيرة مع الرشاوى». زوجتي محقّة. يجب أن أنتهي مع الرشاوى. هذه هي المرّة الأولى والأخيرة أعطي فيها رشوة. لن أعطي مستقبلا رشوة. الراشي والمرتشي هما الاثنان فسّاد. في جهنّم، باقيان. تأكلهما نار عذاب... هل هذه هي المرّة الأولى والأخيرة التي فيها أعطيت رشوة؟ ماذا قلت؟ ما هو السؤال؟ دعني أتذكّر. لا أتذكّر. لا أدري. نسيت. إنما الحياة نسيان. هيّا بنا نقطف وردا وأزهارا...
قال الشرطيّ: «بعد ما أتيت من حرق للأضواء، لك حرّيّة الاختيار يا أستاذ. عليك أن تختار بين محضر ومحاكم أو 20 دينارا تدفعها الآن؟»

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا