برج بابل: دولة الكاتناشيو: هل حان وقت اللعب المفتوح؟

الكاتناشيو أسلوب لعب في كرة القدم. ابتدعه السويسريون وعرف أكثر عند الإيطاليين. إذا حولنا الكلمة إلى اللغة العربية تعطينا القفل أو فعل إغلاق المنافذ.

هو أسلوب حمائي فيه تكتل كبير في الدفاع إلى حين استدراج المنافس ومباغتته في الظهر. وعند استعمال الكاتناشيو بمهارة كبرى تنتهي في الأغلب نتائج هذا الأسلوب بعدد قليل جدا من الأهداف. تغيرت أساليب اللعب في كرة القدم منذ ظهور الكاتناشيو الإيطالي مع فريق مغمور مع نهاية أربعينيات القرن الماضي إلى أن طبقه أنتار ميلانو أواسط ستينيات القرن الماضي. ولكن مع كل ذلك بقي الإيطاليون خاصة منعوتين بأنهم الأقدر على إتيان هذه التطبيقة الكروية.

لا يهمنا الكاتناشيو كأسلوب لعب فقط. يهمنا أيضا كأسلوب حياة وكطريقة في التعامل مع الأشياء. هو في الأخير ثقافة تكشف عن رغبة في التعامل بحذر مع الانفتاح، في غلق المنافذ أكثر ما يمكن وفي اتباع سياسة حمائية قوية. تأتي ثقافة الكاتناشيو في سياقات الخوف والحذر وانعدام الثقة بالنفس وتأتي هذه الثقافة في ظل غياب روح المبادرة وفي ظل غياب الجرأة الكافية لمواجهة الذات ومواجهة الآخرين.

كيف تكون سياسة دولة سياسة كاتناشيو؟
يكون ذلك عندما تتبع هذه الدولة سياسة حمائية في كل المجالات. تغلق أغلب المنافذ أمام التغيير وأمام الانفتاح وتصرّ في الآن ذاته على مراقبة كل رغبة في التجديد. تمسك دولة الكاتناشيو بكل مفاتيح اللعبة، فهي لا تقبل المنافسة ولا تتيح الفرص إلا في الحدود التي تضبطها وتراقبها بذهنية هي أقرب إلى الخوف من فقدان الشيء.
لقد اتبعت الدولة التونسية منذ الاستقلال سياسة حمائية كبيرة، بدأتها بسياسة التعاضد وأردفتها بقوانين وإجراءات لا تتيح لأي كان حرية التصرف إلا تحت رقابتها. وحتى مع سياسة الانفتاح التي بدأتها الدولة التونسية مع سبعينيات القرن الماضي لم تتخل عن رغبتها في غلق المنافذ أمام روح المبادرة، لأن مركزية الدولة أقوى في كل الأحيان من ثقافة اقتصاد السوق الذي أخضعتها دوما تحت رقابتها. إن اقتصاد السوق تحت وصاية دولة الحدّ الأقصى لا يمكن أن يضفي إلى تحرير المبادرة ولا يمكن أن يضمن استقلالية الفاعل الاقتصادي وذلك بحكم الإجراءات والتشريعات المكبلة. ولهذا لا زلنا في منوالنا التنموي نقتصر أساسا على ما تعطيه لنا أشجار الزيتون وحقول القمح وعراجين النخيل وما في الأرض من ثروات.

إشترك في النسخة الرقمية للمغرب

اشترك في النسخة الرقمية للمغرب ابتداء من 25 د

هناك اذا كاتناشيو اقتصادي لا يستفيد منه إلا من كان لديه حظوة لدى الدولة وهذا ما يفسر ضعف المشاريع الاقتصادية الشبابية ويكشف أيضا تعثر تشكيل أجيال شابة من الفاعلين الاقتصاديين بالرغم من الخطاب الرسمي للدولة الذي ما انفك يؤكد استعداده للتعامل مع مستجدات الاقتصاد العالمي ولكنه في المقابل لا يفعل شيئا مثيرا لتأكيد هذا الاستعداد. فالشباب المبدع الذي يمكنه أن يصنع مستقبله باستقلالية عن دولة الحدّ الأقصى لا يزال ممنوعا من استعمال تطبيقة التحويل المالي الإلكترونية « باي بال» ولا يزال بهذه السياسة الحمائية غير قادر على أن يستثمر قدراته، فالدولة بهذا المعنى هي المسؤولة على بطالته.

لا تقتصر دولة الكاتناشيو على غلق المنافذ أمام شبابها في الاستثمار بل تغلق أمامه المنافذ كل رغبة في الحراك، في التجربة وفي الانتقال من حال إلى آخر. إنها تريدهم قابعين في وضعية واحدة وعليهم أن يتصرفوا حيالها نجحوا أو أخفقوا. فنظام التدريس الجامعي مثلا يكشف بلا تردّد على هذا النموذج الحمائي الصارم، فالطالب الذي يريد أن يجدّد تجربته الدراسية تحت أي عنوان يُجابهُ بقوانين نافذة تمنعه من أي حراك جامعي ممكن. هذا علاوة على أن الجامعة في حدّ ذاتها منغلقة على نفسها لا تريد فتح الأبواب أمام المجتمع المدني وأمام القطاع الخاص وحتى أمام التجارب الجامعية الدولية. إذ يستكين الطالب وراء شيخه ويتصرف كمريد دون أن تكون أمامه فرص للتجريب وبناء استقلاليته.

نحن إزاء عالم يبحث فيه الأفراد عن مواقع تثبت أكثر فأكثر أنهم ممسكون بمصيرهم صانعون لها فتدفعهم هذه الحالة إلى اقتفاء أثر الفرص الممكنة لتحقيق ذلك. يجربون ويستفيدون من تجاربهم وتمنحهم الفرص إمكانيات كبيرة لاكتشاف ذواتهم ومواجهة صعوبات الحياة ومتطلباتها. ولكننا في المقابل نغلق المنافذ أمامهم على جميع المستويات تقريبا و لهذا لا نستطيع في سياق الانتقال الديمقراطي إلا التفكير في فتح المنافذ، والخروج من خط الدفاع نحو لعب مفتوح يتيح المنافسة الخلاقة ويتيح ضمانات لاستقلالية أكبر للأفراد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا