حديث الفرد: في الكسل الشعبيّ

أنا كسول. أنت كسول. هو كسول... الكلّ في القطاع العام كسول. الكلّ في تقاعس. لا أحد في القطاع العامّ يبذل الجهد،

يعمل بجدّ. لا أحد يكدّ... لكنّ الكلّ في القطاع العام، يندّد، يحتجّ، يطالب. عمّال القطاع العامّ وموظّفوه، دوما غاضبون، حانقون. هم في قعود، مقصّرون، لكنهم دوما يطالبون بالمزيد من الفضائل، من الامتيازات.

لا يشبع أهل القطاع العامّ. دوما في احتجاج. دوما في إضراب. لا يبذلون من الحرص إلا قليلا. يأتون إلى الشغل بعد الأوان. يغادرونه قبل الأوان. ينتجون ما كتب الله. يعملون دون حزم وبلا إيمان... في القطاع العامّ، لا يشتغل الموظّف إلا ما تيسّر. هو يقتل الوقت. يتحدّث مع صحبه. يتجوّل بين المكاتب. يلتقط الأخبار. يزوّر. يناور. يبثّ الفتن. يضيّع جهده في مصارعة الرياح، في نصب الكمائن...

للجماعة في القطاع العام دور مهمّ. في القطاع العام، الجماعة عروة وثقى. هي عصابة ملتحمة. إذا اشتكى فرد اشتكى الجسم كلّه. في القطاع العام، القاعدة هي أنصر أخاك ظالما أو مظلوما. إذا مس واحد، ينتفض الكلّ كبنيان مرصوص...

الكلّ في القطاع العام كسول ومن طبع الكسول التذمّر. الكسول دوما يشتكي، يتذرّع. دوما يجادل، يحاجج، يتضرّع، يضيّع العمر في الترّهات. للكسول فكر مشوّش وفعل أسود. في المقابل، له لسان سليط وغيابات لا تحصى... كذلك، جاءت نتائج القطاع العام هزيلة، رديئة. كلّ القطاع العامّ هو اليوم في عجز. جلّه اليوم مفلس. يعلم الناس جميعا ما في القطاع العامّ من تعثّر، من سوء. لكن لا أحد يتحرّك. لا أحد يسعى للتدراك...

رغم ما كان من أجور وترقيّات وما كان من شغل قليل ومن عطل كثيرة، يؤكّد أهل القطاع العموميّ أنّهم يكابدون الأمرّين وأنّهم منهكون في شغل لا ينتهي وشغلهم عذاب أزرق. يقولون إنّ أجورهم لا تفي وحياتهم بؤس. يؤكّد الكثير أنّهم في الدرك الأسفل رغم ما يأتونه من إنتاج وبذل. يظنّ الكثيرون أنّهم عماد البلاد وهم القوى الحيّة. بدونهم تنعدم الحياة وتسقط السماء على الأرض. هم الموفّرون لما يحتاجه الخلق من ماء وخبز ومن هواء وأمن. بدونهم سوف يموت الخلق جوعا وغبنا. بدونهم، سوف تنعدم الحياة الدنيا...

في الإدارات، في الوزارات، في الجامعات، في الأمن، في مجلس النوّاب، في تونس الجوّيّة، في كلّ المؤسّسات العموميّة... استولى أهل القطاع العام على البلاد واستأثروا وتكبّروا. هم الفائزون بالفضائل وبالرخص وبما كان من امتيازا ومن منح. لأهل القطاع العامّ في البلاد ذراع وباع. هم أهل الحلّ والعقد. لهم الوظائف الكبرى والامتيازات ولأبنائهم التسهيلات والحظوة والشغل. مع الزمن، تمكّن العاملون في القطاع العامّ من رقاب العباد وهاهم اليوم في طمأنينة، يمسكون بالدواليب وبالمفاصل. يأمرون وينهون. يرتزقون بلا حساب...
***
أنا أيضا عبد محظوظ، مصان. أشتغل في القطاع العامّ منذ نحو أربعة عقود. مرسّم، مبجّل. في شغلي، أنا محصّن، مضمّن. لن يقدر على مسّي بشر ولن يسوء لي، بحول الله، حال. لا يهمّ ما أتيت من شغل وما كان من نتائج. لي دوما أجر قارّ وترقيّات موثوقة. لا شيء يكدّر عيشي. هي الحياة هنيئة. لا طرد في القطاع العامّ ولا فصل.

القطاع العامّ نظام فلكيّ مستقرّ. يدور على نفسه كما تدور الأرض على الأرض. قد يكسد السوق. قد تتغيّر الدنيا. قد تزلزل الأرض زلزالها وتنقلب الجبال على أعقابها وترى الناس، وجوههم مكفهرّة...، يومها يبقى وجه ربّك ذو الجلال والقطاع العام. يظلّ القطاع العامّ قائما، شامخا. فيه أجور موفورة وأرزاق موصولة...

لا يعرف القطاع العامّ زمانا. لا سوق فيه ولا عولمة. قد يكبو العالم ويصيبه كساد ولن يؤثّر هذا في القطاع العام. لن تشحّ موارده. هو دوما حيّ، يقظان. واثق الخطوة، مرفوع القامة، يمشي مرحا. لا يبالي. يأتيه الدعم كل عام... مال الدولة ماله. خزينة الدولة خزينته. في منأى عن كلّ ردّة أو وهن. في أمن وأمان... القطاع العامّ «خطّ أحمر» ولن يمسّ الخطّ الأحمر إنسان.
***
لماذا أهل القطاع العام في قعود، في تكاسل. لا تهمّهم جودة ولا يعنيهم إنتاج؟ آخذ مثالا... أنا أدرّس في الجامعة وكنت اشتغلت من قبل في السكك الحديديّة، لخمس سنوات... أنا أستاذ جامعيّ. أدرّس منذ عقود في جامعة عموميّة. في الجامعة، لا أبذل من الجهد إلا ما تيسّر. دروسي راحة ونعيم، يعاد. مع السنين، تعوّدت الشغل المريح. ذاك الذي لا تعب فيه ولا عناء. مع ما عشت من سكون، دبّ فيّ الوهن. شدّني القعود، يوما بعد يوم. في الشغل، كنت في طمأنينة، في أمان. لا أخشى طردا ولا زجرا ولا عقابا. كانت حياتي ، في الجامعة، راضيّة، مرضيّة. كلّها سكينة وراحة بال. لا رقيب فيها يراقب. أدركت الوضع منذ السنة الأولى. تبيّنت أمره. تيقّنت أن لا داعي للجهد وللاجتهاد وهذه أرض بلا عسس ولا حكّام. ها أنا أدرّس كما أشاء. أبذل من الجهد قليلا. أتغيّب أحيانا. أعبث أحيانا. لا أحد ينظر، يتابع. الكلّ من حولي، إدارة وأساتذة، شدّه نعاس. تعوّدت النعاس. شدّني النعاس. نسيت نفسي والجامعة وانطلقت في شخير وفي ضياع.

الحياة تعوّد. تعوّدت النوم وسكنني كسل وإهمال. مع السنين تجري، لم أبذل من الجهد إلا قليلا. غدوت مع الأيّام في تقاعس، في لامبالاة. مع العقود تجري، أصبحت طبلا خاويّا. حجرة من أحجار الرومان. تراجعت مداركي. انكمش عقلي. اندثرت كفاءاتي. أنا اليوم دينصور يمشي بين الأنام..

ليتني اشتغلت في القطاع الخاصّ واستغلّني الخواصّ ودفعوني قسرا إلى البذل، إلى العطاء. ليتني لم أشتغل في القطاع العام حيث سكنني التواكل وتقاذفتني الأيّام. ليتني اشتغلت في القطاع الخاصّ وأكرهت حتّى أسعى وأسعى فأدفع بمعارفي وأنهض بقدراتي. ليتني اشتغلت مع الخواصّ فأكدح وأرتقي. لو اجتهدت وكابدت لارتقت مداركي، لأصبحت اليوم أمتن قدرات... دخلت القطاع العام بحثا عن الضمانات فأقعدتني الضمانات. شدّني، مع السنين، نوم، عطّل فيّ البذل، أفسد فيّ الجهاد...
***
في الحقيقة، ما كل القطاع العام هو في تواكل، في تكاسل. ما جميع العاملين فيه هم في تقاعس، في لامبالاة. أظنّني بالغت القول. أظنّني أتيت تعميما مخلّا. في القطاع العام، رغم ما فيه من شوائب ونقائص، هناك من الرجال ومن النساء من يبذل الجهد ليلا، نهارا... في المقابل، ليس كلّ القطاع الخاصّ مثالا. فيه تحفيز وحرص ودفع إلى الأمام. قد تلقى أحيانا لدى الخواص بؤسا بليغا وسقط إنتاج. قد تلقى أيضا تسيّبا وإهمالا... في السنوات الماضيّة، في سنين التقاعد، شاءت الصدف أن درّست في جامعة خاصّة. ما رأيته فيها كان محبطا للعزائم. فيها تهافت بليغ على المال ورداءة في التنظيم وسقط في الإنتاج. أحيانا، أسأل إن لم يكن القطاع العامّ، في التعليم، في بعض الحالات، أفضل سيرا وإنتاجا.

ليتني اشتغلت في القطاع الخاصّ واستغلّني الخواصّ ودفعوني قسرا إلى البذل، إلى العطاء. ليتني لم أشتغل في القطاع العام حيث سكنني التواكل وأكلتني اللامبالاة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا