برج بابل: جمهورية العربدة في كل مكان

هل دخلنا في مرحلة جديدة يمكن وصفها بالعربدة في كل مكان؟ هل نحن في جمهورية العربدة؟ وهل أصبحت العربدة السمة

المميزة للفعل السياسي في تونس؟ تعني العربدة وهي ثقافة وذهنية وسلوك عدم الالتزام بالقواعد التي تؤسس للفعل السياسي، ولكن الأمر لا يقتصر على الفعل السياسي دون غيره، إنها حالة عامّة. هي شكل من الانفلات العام الذي بموجبه لا يقع الاحتكام إلى أية صيغة من التحكيم مقبولة ومتفق عليها. والعربدة هي ذلك التمترس وراء المصالح ووراء الرغبة في الاستحواذ عليها دون موجب حق. وهي فرض أمر واقع بكثير من العنت دون مراعاة شروط التفاوض. هي في الأخير عدم القدرة وعدم الاستعداد للقبول بقواعد الديموقراطية وقواعد الالتزام بالعيش المشترك.

ليست العربدة فقط ما يحدث هذه الأيام في مجلس النواب من تصعيد بين فرقاء سياسيين على خلفية تصريحات متبادلة. هذا ليس سوى المستوى الأول من العربدة والذي يمكن تجاوزه باتفاقات وبوساطات من هنا وهناك. العربدة عامة في تونس، الكل يُعربد والعربدة عربدات. إنها كامنة في جلّ المؤسسات، في الإعلام وفي الإدارة وفي المؤسسات الاستشفائية وفي المدارس وعلى الطرقات وفي غيرها من المؤسسات الحيوية الإنتاجية والخدماتية وتصبح العربدة هنا تلك الفوضى التي لا تأتي فقط لفقدان الخبرة بل تأتي من الرغبة في الاستحواذ على القرار أو الاستحواذ على المصالح والامتيازات مهما كان الثمن.

لكم أن تتخيلوا شخصا أو مجموعة أشخاص يعربدون في مؤسسة استشفائية لأنهم لم يحصلوا على معلومة أو على خدمة مستحقة. ولكم أن تتخيلوا أيضا عربدة وليّ يطالب بحق يعتبره شرعيا في مؤسسة تربوية. الأمثلة على العربدة وأشكالها عديدة ولكن ما وراء العربدة هو العنف بكل ألوانه وما وراء ذلك بالأساس هو تهاوي مؤسسات الدولة.

ولكن العربدة مخفية أيضا لا نراها كما نرى الخصومة في البرلمان، إنها العربدة الناعمة، عربدة دون ضجيج والتي تأكل اقتصادنا وموازناتنا المالية، هي ذلك الإفلات من إرجاع المال العمومي الذي تم اقتراضه من الدولة ومن بنوكها دون أي شعور أخلاقي بضرورة تسديدها. وهي تلك الألاعيب والصفقات التي تنهك الاقتصاد وتعطله خدمة لمصالح فئات ضيقة دون غيرها. وهي فئات في شكل شبكات استبدت بالسلطة ودخلت في دواليب الدولة عبر الديموقراطية والانتخابات.

العربدة أيضا في مناطق الإنتاج أي في تعطيله تحت مسميات عديدة هذا إذا كان هناك إنتاج حقيقي. الإضرابات العشوائية بسبب أو بدونه والتي أضحت السمة المميزة لأغلب القطاعات الإنتاجية جعلت تأخرنا في مادة الفوسفاط مشارا إليه بالبنان بين منافسينا الدوليين. إنها العربدة العامة التي تجعل شركات وطنية عريقة توظف الآلاف دون أن نعلم بالضبط ما الذي يفعلونه سوى الحصول على راتب شهري علاوة على ساعات إضافية وهمية.

ويبقى الفضاء الأزرق الفضاء الافتراضي لعربدة دون كلل. عربدة السباب المتواصل والإشاعات والأخبار الزائفة وانتهاك الأعراض. لأن العربدة تكون حين تستبدّ بنا ثقافة عدم قبول الآخر وعدم القدرة على إدارة الاختلاف. إذ يُظهر منسوب العنف على شبكات التواصل الاجتماعي أن طاقة الإقصاء لا تزال تتحكم في العقول وفي التصرفات وهو ما يتيح لنا النظر في كيفية إرساء ديموقراطية بهذا الكمّ من العربدة الافتراضية.

العربدة أيضا في تفاقم القطاع الموازي في كل شيء تقريبا. أينما حللت تجد العرض الموازي بجانب العرض الشكلي، وتجده أكثر حضورا وإغراء، فارضا نفسه على الجميع مستغلا في أغلب الأحيان لأجهزة الدولة. الاقتصاد الموازي يهيمن بعربدة واضحة على مفاصل الدولة، يدخل السياسة من بابها الكبير ويفرض على الجميع الأدوات الضرورية لعدم المساس بمكاسبه دون مساءلة وعقاب. والدولة مطالبة بإنهاء هذه العربدة بالقانون وبتطبيقه على الجميع، ولكن الأمر ليس بالسهولة التي نعتقد.

عندما نلتفت من حولنا نجد العربدة في كل مكان، لقد أصبحت ذهنية سائدة عوضت ذهنية الخوف والاستكانة في زمن سابق، نجدها لدى التجمعات المهنية التي تريد تمرير مصالحها قبل المصلحة العامة ونجدها في وسائل الاعلام عندما يكون الخط التحريري مجندا بالكامل خدمة لجهة دون أخرى، ونكاد نجدها لدى الجميع دون استثناء، في الملاعب وفي الساحات العامة وفي وسائل النقل وغيرها.

يمكن لهذه العربدة العامة أن تُثني الناس عن الاعتقاد في الديموقراطية وفي الحرية، وفي سبيل إنهاء هذه العربدة هناك من يطرح التخلي عن الانتقال الديموقراطي ولكن الديموقراطية في جوهرها هي العمل والقدرة على الحدّ من هذه العربدة. إن ما وقع في البرلمان ليس إلا الوجه الظاهر والبسيط من حالة العربدة في كل مكان..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا