التهميش والفوارق الاجتماعية،أمراض العصر العربي

عرف العالم تصاعد الحركات الاجتماعية وعودة الجذور الثورية في عديد البلدان وفي جهات كثيرة من العالم .

وقد انطلقت هذه الثورات الجديدة من بلادنا في بداية جانفي 2011 لتشمل الكثير من البلدان في العالم العربي وأوروبا وأمريكا اللاتينية وأمريكا الشمالية وآسيا.

وترجع هذه الثورات والانتفاضات إلى 3 أسباب أساسية وهي تراجع الديمقراطية وانغلاق الأنظمة السياسية وتواتر الأزمات الاقتصادية وحالة التهميش وتصاعد الفقر إلى جانب غربة النخب وابتعادها عن الفئات الشعبية مع تصاعد العولمة.

وقد حضيت هذه العناصر بالكثير من التمحيص والدراسة والبحث لفهم الأسباب العميقة لهذه الثورات وانعكاساتها على الاستقرار السياسي في العالم . وتعتبر المسألة الاجتماعية وبصفة خاصة قضية تصاعد الفوارق الاجتماعية من المسائل التي شهدت الكثير من الاهتمام لتصبح إحدى القضايا الحارقة في النقاش العام على المستوى العالمي – وقد انطلق هذا الاهتمام مع النجاح الكبير لكتاب الاقتصادي الفرنسي الأول طوماس بيكتي (Thomas Piketty)تحت عنوان «le capital au 21émé siècle» أو «الرأسمال في القرن الحادي والعشرين» الذي صدر سنة 2013 والكتاب الجديد الذي صدر منذ أسابيع تحت عنوان «capital et idéologie» أو «الرأسمال والايدولوجيا». كما يجب الإشارة إلى كتاب Branto Milanovic احد أهم المختصين في العالم في قضايا التفاوت الاجتماعي بعنوان «Inégalités mondiales» أو «التفاوت العالمي» الصادر سنة 2019 في طبعته الفرنسية .إلى جانب هذه الكتب صدرت العديد من البحوث والدراسات التي أكدت على تصاعد الفوارق الاجتماعية على المستوى العالمي لتصبح هذه المسالة محل اهتمام ومتابعة كبيرين عند الباحثين والمختصين ولتشكل إحدى التفسيرات للانتفاضات والثورات في العالم.

ولئن حضيت اغلب جهات العالم بالدراسات والبحوث،فإن مسألة الفوارق الاجتماعية لم تلق نفس الاهتمام والبحث في المنطقة العربية . إلا أن هذا النقص والغياب بدأ يعرف شيئا من التقلص بعد صدور دراسة هامة منذ أيام قامت بها اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة لشرق آسيا أو الإسكوا والتي مقرها في بيروت بالشراكة مع مؤسسة منتدى البحوث الاقتصادية والذي مقره القاهرة في مصر.

وتعتبر هذه الدراسة أول عمل بحثي هام لدراسة الفوارق الاجتماعية في المنطقة العربية وستفتح الباب واسعا أمام الباحثين والاقتصاديين للخوض في هذه المسالة الهامة والتي أسهمت في تصاعد الحركات الاجتماعية والتوارث في منطقتنا.

وأهمية هذه الدراسة لا تكمن فقط في كونها الدراسة المحاولة الأولى لفهم هذه الظاهرة والتي صدرت باللغة الانقليزية بعنوان «Rethinking ineguality in the arab countries» أو «فهم الفوارق في البلدان العربية» بل كذلك في خيارتها المنهجية. فقد اختار المشرفون على هذه الدراسة والتي مسحت 12 قطرا عربيا في أكثر من 300 صفحة الاعتماد على منهجية شاملة تأخذ بعين الاعتبار عديد الجوانب المتدخلة لفهم وقراءة ظاهرة التفاوت الاجتماعي في البلدان العربية . فلم تقتصر هذه الدراسة على البحث في التفاوت في الدخل بين الفئات الاجتماعية بل اهتمت بمسالة تكافؤ الفرص بينها وبصفة خاصة في عديد القطاعات الاجتماعية كالتعليم والصحة وتكافؤ الفرص بين المرأة والرجل.

والى جانب هذا الخيار المنهجي الهام فإن أهمية هذه الدراسة تكمن كذلك في نتائجها الأساسية . وهنا نود التوقف على ثلاث نتائج أساسية حملتها هذه الدراسة والتي تهم : واقع التفاوت الاجتماعي في البلدان العربية وأسباب هذا التفاوت والسياسات التي يجب ضبطها لوضع حد للفوارق الاجتماعية في المنطقة العربية.

النتيجة الأولى التي يخلص اليها هذا التقرير هي تزايد التهميش الاجتماعي والفوارق في المنطقة العربية في السنوات الأخيرة .كما يشير التقرير إلى أن المجتمعات العربية عرفت نموا اجتماعيا مهما مع دولة الاستقلال منذ ستينات القرن الماضي ساهم في الحد من الفوارق الاجتماعية وفي صعود الطبقات المتوسطة التي لعبت دورا مهما في تدعيم الدولة الوطنية وبناء مشروعيتها.

كما كان للتعليم والصحة دور مهم في تدعيم النمو الاجتماعي وتقليص الفوارق الاجتماعية من خلال إعطاء فرص وفتح مجال النمو الاجتماعي أمام الفئات الشعبية.

كان النمو الاجتماعي والمصعد الاجتماعي والحد من التفاوت الاجتماعي جوهر العقد الاجتماعي للدولة الوطنية في اغلب البلدان العربية .

إلا أن هذا المشروع بدا يشهد اختلالات كبرى منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي لتصبح المنطقة العربية احدى أهم المناطق في العالم التي عرفت تصاعد وتنامي الفوارق الاجتماعية . وتشير الأرقام التي قدمتها هذه الدراسة والتي أنتجها البنك الدولي إلى ان %64 من الناتج الوطني الخام يرجع إلى %10 من الأغنياء والطبقات الرأسمالية .

وفي نفس الوقت فإن %50 من المواطنين في أسفل السلم الاجتماعي يتحصلون على اقل من %10 من الناتج الخام في البلدان العربية .كما تشير أرقام البنك الدولي إلى أن %40 من المواطنين في وسط السلم الاجتماعي لا يتحصلون إلا على %30 من الناتج الوطني .

إلا أن إحدى النتائج المهمة لهذا التقرير أن حدّة التفاوت الاجتماعي في المنطقة العربية لا تقتصر على توزيع الدخل بل تشمل كذلك مسالة تكافؤ الفرص في الوصول والتمتع بالخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم .وتشير هذه الدراسة إلى أن تدهور هذه الخدمات الأساسية زاد من حدة وعمق الفوارق الاجتماعية في البلدان العربية ليجعل منها المنطقة ذات التفاوت الاجتماعي الأكبر في العالم .

دخلت المنطقة العربية مرحلة ما يسميه التقرير بفخ» عدم المساواة» لتصبح بعد مرحلة طويلة من النمو المتوازن إحدى الجهات ذات التفاوت الاجتماعي الكبير على المستوى العالمي .

أما النتيجة الثانية الهامة والتي قدمها هذا التقرير فتهم أسباب تفاقم الفوارق الاجتماعية في المنطقة العربية .وقد أكد التقرير في هذا الإطار على ثلاثة أسباب أساسية وهي سوق الشغل وتراجع إنتاجية العمل والسياسات الاقتصادية والعوامل المؤسساتية .ففي سوق الشغل يؤكد التقرير على تراجع قيمة العمل وبصفة عامة الإنتاجية والتي ساهمت في السنوات الأولى للاستقلال في ارتفاع مداخيل الطبقات الوسطى والشعبية .

أما في مجال السياسات الاقتصادية فقد أكد التقرير أن الأولوية التي أعطتها هذه السياسات للتثبيت الاقتصادي وللحد من عجز التوازنات الكبرى أو ما سماه (stabilisation focused macroeconomic pilicies) ساهمت بصفة كبيرة في تنامي الفوارق . فقد عملت هذه السياسات على الحد من عجز المالية العمومية من خلال الضغط على المصاريف الاجتماعية مما انعكس على الفوارق الاجتماعية .كما كانت هذه السياسات وراء تراجع أداء القطاعات الاجتماعية الأساسية كالتعليم والصحة مما نتج عنه تقلص تكافؤ الفرص بين مختلف الفئات الاجتماعية حيث ستتجه الفئات ذات المداخيل العليا إلى القطاع الخاص بينما ستبقى الفئات المتوسطة والشعبية رهينة الخدمات الرديئة للقطاع العام .

أما المسالة المؤسساتية فيشير التقرير إلى تراجع مؤسسات الدولة وتآكلها أمام صعود شبكات التهريب والفساد والتي تتطلب إعادة بناء مؤسسات الدولة ووضعها في خدمة المواطن .

يتعرض التقرير في جزه الأخير إلى السياسات التي يجب اتباعها من اجل وضع حد للتفاوت الاجتماعي والخروج من فخ الفوارق الاجتماعية .ويؤكد هذا التقرير على ثلاث مسائل أساسية وهي إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس شفافة من اجل إعادة الثقة للمواطنين وإعادة بناء العقد الاجتماعي وخاصة الخدمات الاجتماعية الأساسية كالصحة والتعليم وتصور نمط تنموي جديد يعتمد على التحول الهيكلي وعلى التكامل الإقليمي .

لقد فتح هذا التقرير باب البحث والتفكير حول مسالة أساسية وهي قضايا التهميش وتصاعد الفوارق الاجتماعية في البلدان العربية والتي لعبت دورا كبيرا في الحركات الاجتماعية وفي المرحلة الثورية التي دخلها العالم العربي منذ سنوات . ولابد من مواصلة هذا العمل البحثي لفهم هذه الظاهرة بأكثر عمق . وهذه البحوث ضرورية وهامة من اجل ضبط وصياغة السياسات لإعادة بناء العقد الاجتماعي في البلدان العربية ليكون أساس الاستقرار السياسي والبناء الديمقراطي .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا