برج بابل: النادي الافريقي وجماهيره: تُصبحون على شغف

كرة القدم مفتاح فهم لما يحدث في أي مجتمع، هي ظاهرة اجتماعية كلية منتجة لتأويلات لا حدّ لها. وهي نشاط بشري يحفل بالتعقيدات

التي تجعله شأنا عاما يثير انتباه الجميع. وما يقع مع مناصري النادي الافريقي هذه الأيام مثير للاهتمام. دخل النادي الافريقي منذ مدة في أزمة مالية بمقتضاها أصبح مهددا في وجوده. والأزمة المالية تخفي بالأساس أزمة حوكمة بمعناها العام. جاءت الأزمة والنادي مقدم في قادم الأشهر على احتفالية مرور قرن على تأسيسه ما جعله مؤسسة موغلة في التاريخ وهو أحد عناوين المجتمع المدني في تونس المعاصرة مما ما يضاعف الشعور بعمق أزمته. تحرك المناصرون إذن من أجل المشاركة في إخراج ناديهم من أزمته المالية الحالية عبر تنظيم حملة تبرع سماها منظموها بـ«اللطخة».

استعمل مصطلح «اللطخة» أولا للتعبير عن حالة سياسية ويعني المصطلح سقوطا مدويا لمنظومة سياسية حكمت خلال الخمس سنوات الأخيرة عبرت عنها النسبة المدوّية التي حصل عليها المترشح قيس سعيد إبان الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية. وفي اختيار منظمي حملة التبرع لنفس المصطلح رغبة واضحة منهم في إسقاط رمزي لمنظومة حكمت النادي في السنوات الأخيرة وأوصلته إلى أزمة مالية لم يعرف مثيلا لها في السابق. وتفيد «اللطخة» أيضا قوة المشهد وقوة فاعليته وأثره حتى لا يكون حدثا عابرا في تاريخ النادي.

تتعدى المسألة في رموزها كونها مساهمة مالية، إنها تكشف عن حالة ديناميكية لمناصري النادي الذين يعيشون على إيقاع ناديهم في الملعب وخارجه فالنادي هويتهم الجامعة وهو عنوان وجودهم ومعناه. إن إنقاذ النادي من الانهيار هو إنقاذ لمعنى وإنقاذ لتاريخ وإنقاذ لمؤسسة. إذ لم تعد نوادي كرة القدم حكرا على مالكيها أو حكرا على من يديرها، فالمناصرون في كل أنحاء العالم يتدخلون بطرق مختلفة في حوكمة نواديهم ويفرضون أساليب تشاركية لإدارتها ويتصرفون كأصحاب حق في النادي. هناك نواد نجحت إلى حدّ بعيد في تنظم حوكمة رشيدة وهناك أخرى بقيت رهينة نزوات ومصالح من يديرها ومنها النادي الإفريقي في السنوات الأخيرة.

وجدت جماهير النادي الإفريقي نفسها أمام اختبار لا مثيل له هو اختبار التسمية أو اختبار الوصم واختبار الشغف أيضا. الوصم هذه المرة موضوع الاختبار هو « شعب الإفريقي». ويدلّ هذا الوصم على نوع من المناصرين لا حدود لهم في مناصرة النادي، يتميزون بأعدادهم الوافرة برغم سجل النتائج والتتويجات ويزداد تعلقهم بناديهم كلما مرّ بأزمة وهو ما جعل هؤلاء المناصرين يرتقون إلى مصاف شعب، والشعب لا ينهزم أمام التحديات. على مناصري النادي أن يثبتوا لأنفسهم وللأخرين أنهم بالفعل يستحقون هذا الوصم المفعم بالرموز وأنهم بفعلهم هذا قد ساهموا في أنقاذ ناديهم ولم يخسروا معنى وجودهم. ولكن اختبار الشغف هو الأصعب لأنه اختبار الوضعيات الحرجة وهو اختبار المداومة وطول النفس في التعلق بالنادي في حالاته المختلفة وفي سياق عالمي يتبارى فيه المناصرون في كل أنحاء الدنيا لابتداع طرق ذات مشهدية عالية في مناصرة نواديهم. المناصرون يتقدمون بخطى كبيرة للمشاركة في حياة نواديهم. وعندما تكون الهوية مجروحة يكون الشغف في أعلى درجاته.

لم تكن « اللطخة» مجرد حملة تبرع مالية لإنقاذ النادي من أزمته. إنها «لطخة» من أجل إرجاع هوية النادي التي فقدها. جاءت الأزمة عندما تمّ تحويل النادي بقوة مالية قادمة من بعيد إلى ناد أشبه بجسم مصطنع لم يأخذ في الاعتبار تقاليد النادي وفلسفته. لقد كان رهان هذا الجسم المصطنع سياسيا ورياضيا وماليا في نفس الوقت وهو رهان لم يكن بمقدور النادي تحمله لأنه ساهم في تشويه هويته وأعطاه ملامح جديدة لا يسمح بها السياق العام ولا تاريخ النادي. ومن هنا تأخذ « اللطخة» معناها فهي صورة للمال الشعبي المُواطني في مواجهة المال الفاسد، المتعنت والمصطنع.

تترك لنا « اللطخة» أسئلة جديرة بالطرح، ومن بين هذه الأسئلة تلك المرتبطة بحوكمة النوادي الرياضية في ظل سياق عام بدأت فيه الدولة غير معنية بشكل واضح بتمويل النوادي الرياضية كما كان الحال في السابق عندما كانت تزكية رؤساء النوادي من المهام الكبرى للدولة وعندما كان تمويل النوادي الرياضية خاضعا لرقابتها الصارمة. لقد أعطتنا « اللطخة» إمكانية أن يأخذ المناصرون مكانتهم في حوكمة النادي مثلما هو الحال في نواد عالمية كبيرة وهنا نواجه مرة أخرى المسألة الديموقراطية كضرورة لا مناص منها في تسيير النوادي الرياضية في تونس.

من الوارد جدا أن تنجح « اللطخة» في إنقاذ النادي الإفريقي من أزمته المالية الحالية، ولكن هل تنجح هذه « اللطخة» في أن تمنحنا إمكانية التفكير في نموذج جديد لعلاقة تشاركية بين النادي ومناصريه؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا