منبر: إصلاحات ضرورية للديمقراطية التونسية

عبد المجيد المسلمي (عضو بحركة تحيا تونس)

أظهرت الإنتخابات الماضية عدة نقاط ضعف في التجربة الديمقراطية التونسية و خاصة في مسارها الإنتخابي. و نعتبر أنه من الضروري الإشتغال

منذ الآن على جملة من الإصلاحات و فتح حوارات معمقة حولها حتى يتسنى التفكير فيها في متسع من الوقت و إنضاجها و تحويلها إلى مشاريع عملية جاهزة للتطبيق.

التصويت على الأفراد في دوائر انتخابية صغيرة
في سنوات 2011 و 2014 و 2019 تمت الانتخابات التشريعية حسب نظام القائمات في 27 دائرة انتخابية في الداخل ( تعادل عدد ولايات الجمهورية) وفي 6 دوائر في الخارج. و هي دوائر انتخابية في الداخل شاسعة جغرافيا ( بمعدل 6000 كلم مربع للدائرة الواحدة) و كثيفة في مستوى عدد الناخبين بحوالي 300 ألف إلى 400 ألف ناخب. منذ انتخابات المجلس التأسيسي سنة 2011 كان الهاجس الرئيسي للنخب السياسية تأسيس وترسيخ دور الأحزاب كرافعات أساسية للديمقراطية التونسية الناشئة. و لكن التجربة الانتخابية في الثلاثة مناسبات الماضية أظهرت أن النائب كان في غالب الأحيان بعيدا عن ناخبيه و شبه معزول عنهم مما أحدث فجوة كبيرة بين النائب و الناخبين و ولد أزمة ثقة في البرلمان من طرف عموم المواطنين. علاوة على أن وجود دوائر انتخابية كبيرة بحجم الولايات يخدم مصالح أصحاب المال و النفوذ الذين بمقدورهم تغطية كافة أرجاء الولاية خلال الحملة الانتخابية و هو ما لا يستطيعه أصحاب الإمكانيات المالية المحدودة.

من الضروري في رأينا أن يكون التصويت في المستقبل في دوائر انتخابية صغيرة ( حوالي 30 ألف إلى 40 ألف ناخب) أي تقريبا نائب عن كل معتمدية. و من الضروري عندها أن يكون التصويت على الأفراد سواء أكانوا مستقلين أو مرشحين من طرف أحزابهم. و هذا النظام المعمول به في فرنسا مثلا يمكن من تقريب النائب من الناخبين و يسهل تفاعلهم معه ورقابتهم عليه. كما أنه لا يتطلب تمويلا كبيرا من المرشحين مما يحد من نفوذ المال السياسي كما كان الحال في المناسبات الإنتخابية السابقة. كما أنه يمكن من تمثيل جميع المعتمديات في البرلمان عكس ما هو حاصل الآن.

و يمكن تطبيق هذا النظام الجديد ( التصويت على الأفراد في دوائر انتخابية صغيرة) في انتخابات المجالس الجهوية التي هي بمثابة البرلمان الجهوي وقد تكون بمثابة تجربة مخبرية للإنتخابات البرلمانية القادمة. و إذا ما تم تم التوجه نحو هذا النظام فإنه من الضروري تقديم تصور أولي استباقي لتقسيم البلاد إلى 250 دائرة انتخابية متساوية و هي عملية فنية ليست بالسهلة و تتطلب وقتا و مجهودا كبيرين ولا يجب تركها إلى أخر لحظة كما حدث في السابق.

التصويت على دورتين في الإنتخابات التشريعية
من النتائج التي افرزها النظام الإنتخابي الحالي المتميز بالنسبية و الذي طبق في المناسبات الثلاث الماضية إفراز كتل برلمانية صغيرة عاجزة عن الحكم بمفردها و مضطرة إلى التحالف مع كتل أخرى للحصول على أغلبية و هو ما يجعل من تشكيل الحكومة أمرا صعبا كما يجعل من استقرارها أصعب مع كل نتائجه السلبية على بلاد تتميز بهشاشتها الإقتصادية و الإجتماعية. لقد كان النظام الإنتخابي المرتكز على النسبية ضروريا في المراحل الأولى من الإنتقال الديمقراطي حتى لا يتمكن حزب واحد من الانفراد بالحكم. و لكن و مع ترسيخ التجربة الديمقراطية التونسية قد يكون من الضروري اعتماد نظام الدورتين في التشريعية. فإذا فاز أحد المرشحين ( مرشح فردي) بأكثر من 50 بالمائة من الأصوات فإنه يفوز مباشرة بمقعد في البرلمان. و إلا فإن الحائزين على المرتبة الأولى و الثانية يترشحان لدورة انتخابية ثانية لتحديد الفائز بالمقعد. و يمكن هذا النظام الإنتخابي عبر آلية التحالفات في الدور الثاني من إفراز طرفين كبيرين في البرلمان فيكون طرف منهما في الحكم و طرف أخر في المعارضة مما يجعل نظام الحكم أكثر سلاسة و أكثر صلابة.

تفعيل «القانون الإنتخابي» ليوسف الشاهد
يعترف الجميع بأن تعديلات القانون الإنتخابي والتي يمكن تسميتها بقانون «يوسف الشاهد» والتي صادق عليها البرلمان في جوان 2019 مثلت تعديلات في الإتجاه الصحيح و كان هدفها «أخلقة» الحياة السياسية و إضفاء المزيد من الشفافية على العملية الانتخابية و خاصة في ما يتعلق بالتصريح بالمكاسب و إبراء الذمة مع إدارة الضرائب و الخلو من السوابق العدلية و الالتزام بقيم الجمهورية و نبذ العنف والتعصب و مقاومة الإرهاب. ونعتبر انه من الضروري إحياء هذا القانون من جديد بعد تحيينه لأنه يعد رافعة أساسية لمزيد الشفافية و أخلقة الحياة السياسية

التقليص من عدد المقاعد المخصصة التونسيين بالخارج
هنالك 18 مقعدا مخصصة للتونسيين بالخارج الذي يمثلون جسما انتخابيا بما يقارب 700 ألف ناخب. نظريا هذا من حقهم كسائر المواطنين التونسيين. ولكن التجارب الانتخابية لسنوات 2011 و 2014 و خاصة 2019 أثبتت ضعف نسبة مشاركتهم في الانتخابات و التي لا تكاد تتجاوز 10 بالمائة. لا شك أن الأمر لا يتعلق بعدم تعلق التونسيين بالخارج بمشاركتهم في الانتخابات. و لكن تشتت الجالية التونسية و بعدها عن مراكز الإقتراع يمثل عوائق موضوعية تجعل مشاركتها غير فعلية. إضافة الى ذلك من الضروري تقييم أداء النواب عن الجالية التونسية و هل تمكنوا فعلا من مواكبة النشاط البرلماني حقا أم بقي الأمرنظريا بحتا. لقد أصبحت انتخابات الجالية التونسية في الخارج تقريبا غير ديمقراطية إذ بإمكان نائب في الخارج أن يتحصل على مقعد ببعض مئات الأصوات في حين أن زميله في الداخل مطالب بالحصول على بضعة ألاف من الأصوات لنيل منصب في نفس البرلمان. و هذا ليس بالعدل و لا من الديمقراطية. لذلك نعتبر أنه من الضروري الحد من عدد نواب المواطنين في الخارج و ربما الإقتصار على 5 أو 6 دوائر في أكثر البلدان الأوروبية كثافة للتونسيين مثل فرنسا و إيطاليا.

تقنين تمويل الأحزاب من طرف الدولة
من أخطر النواقص في الحياة السياسية في تونس غياب تمويل الدولة للأحزاب. ولذلك تلتجئ الأحزاب لا بل ترتهن نفسها بتمويل أصحاب المال. ولم يعد خافيا على أحد تلك المقايضات التي تمت بين بعض الأحزاب و رجال المال لترؤس القائمات الإنتخابية على قاعدة أعطيني رئاسة القائمة أعطيك تمويلا.. في البلدان الديمقراطية المتقدمة يرتبط تمويل الأحزاب بعدد المقاعد المتحصل عليها في البرلمان وفي المجالس المحلية كعربون اعتراف من المجتمع بقدرة تلك الأحزاب على تأطير المواطنين وانغراسها في أوساطهم. فالإستثمار السياسي جزء من الإستثمار في العملية التنموية بصورة عامة. وقد كان هذا روح قانون تمويل الأحزاب الذي تقدمت به الحكومة في 2017 و الذي عرض على الأحزاب للحوار حوله و قوبل بالرفض آنذاك و يبدو أنه مازال ملقى بين الرفوف. و من الضروري و قبل المواعيد الإنتخابية القادمة الإسراع بتقنين تمويل الأحزاب للحد من تأثير المال الفاسد على الحياة السياسية

منع النشاط الخيري على الجمعيات
لقد مثل فتح مجال العمل الخيري أمام الجمعيات منذ الثورة بوابة للجمعيات الأجنبية و الأحزاب السياسية لإستغلال فقر المواطنين و احتياجهم للتأثير السياسي عليهم خاصة و أن مرسوم الجمعيات أتاح لهم النهل وبدون حدود من التمويل الداخلي والأجنبي.

وليس سرا على أحد أن حزب قلب تونس وجمعية «عيش تونسي» استغلا هذه الثغرة وحولا وجهة العمل الخيري إلى عملية واسعة من الزبونية السياسية clientélisme politique وعملا على استغلالها سياسيا.

ففي بلادنا حيث تمثل نسبة الفقر نسبة هامة ( أكثر من 20 بالمائة) يمثل السماح للعمل الخيري للجمعيات منفذا لتسرب المال السياسي الفاسد ليتلاعب بعوز المواطنين و احتياجهم و يتحيل عليهم عن طريق العمل الخيري. و بالتالي من الضروري تنقيح مرسوم الجمعيات و التنصيص على منع العمل الخيري على الجمعيات. و يمكن التفكير في أنشاء هيئة وطنية مستقلة لجمع التبرعات ذات البعد الخيري و توزيعها على المستحقين بعيدا عن كل استغلال أو توظيف سياسي داخلي أو أجنبي.

هذه الأفكار شخصية و لا تلزم بالضرورة حركة «تحيا تونس»

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا