برج بابل: عندما تحلّ بيننا الانتخابات... وتذهب

يتندّرُ التونسيون بكونهم قد أدمنوا على الانتخابات. ماذا نفعل بأيام الآحاد التي أصبحت رتيبة، علينا العودة إلى طقوسنا القديمة.

حلّت بيننا وسكنت وجداننا وتفكيرنا ثمّ تركتنا وذهبت في حال سبيلها على أن تعود لنا في سنوات قادمة هذا إذا لم تعد إلينا بعد أشهر قليلة. عشنا على إيقاعها ما يقارب عن الشهرين وجعلتنا نكتشف أنفسنا من جديد، يسار سياسي في طريقه إلى الأفول وتيارات جديدة صنعت لنفسها موقعا في المشهد، وجوه صاعدة وأخرى سيلفّها النسيان، والديموقراطية تبحث عن التجذر أكثر فأكثر.

ذهبت الانتخابات ولم تذهب، تداعياتها ماثلة أمامنا، لقد قالت لنا هذا ما يحتاجه التونسي وما يرنو إليه. الانتخابات -دوما- مفتاح لقراءة ما يحصل، إنها تقول لنا ما يخفى عن التوقع وتقول لنا هذه أزمتكم وتقول لنا ما لا نرغب في رؤيته أمامنا أو نرغب في تناسيه. الانتخابات فاضحة بكل المقاييس لأنها تعاقب بهزيمة وتعاقب بنصف هزيمة وتعاقب بانتصار أيضا. ولهذا كلّه ليست حدثا عابرا، أدمن عليها التونسيون إلى الحدّ الذي جعلهم يتساءلون أين سيضعون سباباتهم في الآحاد الموالية.

قالت لنا الانتخابات أن الشباب لازال متوجسا من المشاركة ومن الذهاب إلى صناديق الاقتراع. التصورات غير الحقيقة، لم تكن الانتخابات الأخيرة انتخابات شبابية كما يعتقد الكثيرون، الأرقام ضعيفة وتتأكد الفرضية التي تقول أنه كلما تقدمنا في السنّ كلما ذهبنا للإدلاء بأصواتنا. الشباب يشارك بمقتضيات أخرى وبإرادات مغايرة يريد أن يكون ماسكا بزمام الأمور. لم يعد الشباب يرضى بغير مشاركة يختارها ويربط معها علاقة ودّ ويعاينها ويستمدّ منها معنى لوجوده ويحاسب نفسه عليها ويتركها عندما يشاء. هذه هي الأشكال الجديدة للالتزام وللانخراط في الشأن العام. مشاركة سائلة بديلا عن المشاركة الحديدية التي تفرض الانضباط والمحاصرة. يتوق الشباب إلى أن يكون بفردانيته ضمن شبكة وليس تابعا داخل منظومة.

قالت لنا الانتخابات أيضا أننا بحاجة إلى قيم وإلى معايير تكون بوصلة التعاقد الاجتماعي. أخلقة السياسة، أخلقة الاقتصاد وأخلقة المعاملات بكل أنواعها. لمَ هذا الطلب الاجتماعي على القيم والمعايير؟ في حالات اللايقين الصعبة يبحث الناس عن ملاذ، عن قلاع يحتمون بها. القيم والمعايير تبدّد مخاوفهم وتصنع لهم المعنى وتزيل عنهم ألم الفراغ. فالمجتمع لم يعد كما كان في السابق مُوجها مباشرا للسلوك المجتمعي.

قالت لنا الانتخابات أن العواطف جزء من الديموقراطية. الديموقراطية ليست فقط قواعد للتعامل الإنساني باردة ومعقلنة. لا تحتاج البشرية إلى العقل فقط كما سادت الفكرة منذ قرنين أو أكثر بقليل. اكتشفنا الآن أن الأحاسيس تشكل العلاقات السياسية بين الأفراد وبين الدول. وبالعواطف يمكن أن يفوز شخص ما بالانتخابات ويمكن أن يكون برنامجه الانتخابي في جزء كبير منه برنامجا قائما على توزيع العواطف لا على توزيع برامج التنمية، فمقولات الإهانة والاعتبار وتقدير الذات والانصات والاعتراف هي مقولات انتخابية مثلها مثل العدالة الاجتماعية ومقاومة الفقر والبطالة والتوازن التنموي بين الجهات وهذه المقولات لم تغب عن انتخابات تونس الأخيرة. هي مقولات انتخابية قادمة من البراديقم الثقافي ومركز ثقلها الفرد الذي يعيش في اللحظة الراهنة مشاكله الاجتماعية على أنها إخفاقات شخصية.

قالت لنا الانتخابات أيضا أن اليسار السياسي في تونس في وضع حرج. لم يستطع أن يقنع انتخابيا وخرج من المنافسة دون الظفر بشيء. وكونه لم يقنع انتخابيا فإن هذا مرتبط بخلل في قراءة التحولات وفي تحديد نمط الطلب الاجتماعي وكيفية رصده والاستجابة إليه. هل فهم اليسار السياسي أن مقولاته لم تعد تفي بالغرض؟ وهل فهم أن مقولة العمال والفلاحين مثلا لم تعد تعني شيئا في سياق أصبحت فيه الهويات الفردية أكثر حضورا من الهويات الطبقية.

فهذا العامل لم يعد ينظر لنفسه كجزء من طبقة عاملة مضطهدة بل أصبح ينظر لنفسه كفرد منشغل بمشكلاته المختلفة وعليه إيجاد حلول لها. وهل فهم اليسار السياسي أن البراديقم الاجتماعي والاقتصادي ومقولاته المعروفة لم يعد معه فقط فهم ما يدور حولنا. منذ بداية الألفية دخلنا في براديقم ثقافي مقولاته الكبرى هي الهوية بمختلف تفريعاتها وهي عودة الفاعل في شكله ومضمونه الفرداني وهي كذلك الشبكة التي أصبحت بديلا عن المنظومة وهي علاوة على هذا كله مقولات تنتبه أكثر فأكثر إلى مجالات جديدة إيكولوجية، حقوقية وأخرى مهتمة بالأقليات وبالفئات المهمشة مهما كان مصدر تهميشها ومضمونه. ربما تكون هذه الانتخابات فرصة لليسار كي يعيد قراءة ما يدور حوله من تحولات عميقة وهذا في حدّ ذاته مشروع جدير بالاهتمام.

تأتي الانتخابات وتذهب ولكنها لا تذهب لمن يستخلص منها الدروس من السياسيين. أما فيما يرتبط بالعلوم الإنسانية والاجتماعية فإن الانتخابات مُختبر لا مناص منه لفهم ما يحدث حولنا...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا