برج بابل: انتخابات المعارك الصغرى

تحتاج الانتخابات الكبرى إلى معارك كبرى، وذلك لم يكن حال تشريعية 2019. فهي على النقيض من ذلك انتخابات معارك صغرى.

لا أثر يُدرك لبرامج تطرح تغييرا مهما تحتاج إليه البلاد في المرحلة الراهنة وفيما هو قادم. المعارك الصغرى هي معارك أفراد ومعارك مقولات لا استجابة فيها فعليا لطموحات الناخبين، هي أيضا معارك نرجسيات وأحقاد، هي انتخابات المعارك الصغرى أيضا في غياب الأفكار الجاذبة ولكن بحضور مكثف للظاهر، للصورة وللمُتجلي. يقف المتتبع للحملات الانتخابية عند ملاحظة أساسية هي أولا غيابها عن الفضاء العام وغياب النقاش الجدي حول المقترحات الجدية. لا أحد منا يعرف ما تخفيه الكتل السياسية التي ستحكم، وهل ان بوصلتها واضحة الشيء ممّا جعلنا نعرف فقط أسماء المنتصرين وانتماءاتهم السياسية دون أن نعرف بالتدقيق هوياتهم البرامجية، ودون أن نعرف ماهي إجاباتهم الواقعية عن أسئلة واقعية وهي الأسئلة الصعبة التي تنتظر الجميع.

إنها انتخابات المعارك الصغرى في ضعف مشاركة الناخبين التي لم تكد تتجاوز الأربعين بالمائة وهي نسبة تؤكد تراجع منسوب الثقة في العملية الانتخابية وفي السياسيين وفي المشهد برمته. والحزب الفائز بأكثر المقاعد في هذه الانتخابات وبالرغم من أنه مزهو بانتصاره إلا أنه في قرارة نفسه يعرف جيدا أن هذا النصر الانتخابي هو هدية مسمومة لأنه نصر قائم على معارك صغرى التي هي المدخل لأي تراجع. إنه الحزب المطالب بتشكيل حكومة متسعة الآفاق مع أكثر من خمسة أحزاب سياسية على الأقل. هذا الوضع الشائك سيدخلنا لا محالة في معارك صغرى وهي معارك الغنيمة الانتخابية. سيقال لنا كالعادة أن هذا الاتفاق وقع بناؤه على خلفية برامج وعلى خلفية رؤى للمرحلة القادمة وربما لما بعدها. ولكن - والتجربة تؤكد- ذلك سوف لن يكون هذا الأمر سوى الشجرة التي تغطي الغابة.

من المفترض أن يكون الابتزاز السياسي على أشده من أجل ترجمة الفوز الانتخابي إلى حكومة مستقرة، وسيكون نفس هذا الابتزاز السياسي للحزب الذي سيشكل الحكومة الثقافة السياسية التي على قاعدتها سيمارس الحكم في الخمس سنوات المقبلة. سندخل بالتأكيد في دوامة المعارك الصغرى دون الانتباه إلى ان البلاد تحتاج إلى وضوح الرؤية وتحتاج إلى اشخاص قادرين على التعالي من أجل تقديم الإجابات الممكنة لمرحلة من المؤكد أنها ستكون الأصعب من سابقاتها.

في انتخابات 2011 وانتخابات 2014 كنا أمام معارك كبرى بالرغم من الهنات التي صاحبتها، معارك حول الهوية عند تشكيل الدستور ومعارك حول النظام السياسي الأفضل الذي سينظم الحياة السياسية. وكنا أيضا أمام مآزق عدّة وقع حلها بالتوافق وبالحوار الوطني إلى أن أتتنا مقولات هيبة الدولة التي حسمت إلى حدّ بعيد اختيارات الناخبين في تشريعية 2014 والذين كانت نسبة مشاركتهم إيجابية إلى ابعد الحدود بما انها وصلت إلى سبعين بالمائة. وبالرغم من كل هذا فإن المعارك الصغرى هي التي تفسد في كل مرة أي توجه نحو تجويد الحياة السياسية وتجويد مقترحاتها للخروج من الأزمات. المعارك الصغرى هنا هي معارك فاقدة للمعنى، هي معارك خارج الحقل السياسي وهي معارك يمكن على صغرها أن تؤدّي إلى تفكيك حزب بأكمله، وعندما يتفكك الحزب تتفكك معه المقولات التي أنبنى عليها أو أنها تفقد عند الناخبين سحرها وجذوتها.

كي نستعيد الحقل السياسي بما يليق به كحقل يؤسس لديموقراطية ناشئة من المهم أن نحول المعارك الانتخابية من معارك صغرى غير ذات معنى إلى معارك كبرى حول برامج ورؤى وتوجهات يكون وراءها فاعلون على قدر عال من الفهم الذي يجعلهم قادرين على التعاطي مع مشكلات جديدة بطرق وأساليب ومقاربات هي الأخرى جديدة. والناخبون في أية ديموقراطية كانت لا تشرّفهم المعارك الصغرى كي يشاركوا في أي استحقاق انتخابي...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا