برج بابل: الملصقات الانتخابية: رغبة الفوز في كنف الغموض التام

عناوين الحملة الانتخابية للمترشحين للرئاسية عديدة، المناظرات في وسائل الإعلام، الاتصال المباشر بالناخبين في جهات البلاد طولا وعرضا، المعلقات بأصنافها،

والفضاء السيبرني غير معزول عن هذا الحدث بل هو الفضاء الذي يحتمل كل عناوين المشهد الانتخابي توجيها وتعليلا يتراوح بين الجدية والتندر من أجل كسب التعاطف أو درء النجاح عن منافس.

نأتي إلى المعلقات الحضرية التي تنتصب على ناصية الطرق السيارة وفي مداخل المدن وشوارعها الرئيسية. ونأتي إلى قراءتها كنصوص انتخابية تكشف عن الشخص المترشح، عن توجهاته وعن الكيفية التي يريد أن يجلى بها صورته أمام المشاهدين وكذلك عن الإمكانيات المتاحة أمامه ليتملك الفضاء الحضري ويمضي عليه بصمته الشخصية وأيضا بصمته الانتخابية.

الملصقات الانتخابية للمترشحين للرئاسية ليست ملصقات حائطية، هي بالأساس معلقات أخذت وقتيا مكان المعلقات الإشهارية التجارية ومن السهل إزالتها بمجرد نهاية صلوحيتها الانتخابية. يحتاج المترشحون إلى هذه الملصقات من أجل الإغراء والتأثير والإقناع والحجاج عبر مغازلة المجال البصري للمشاهد. وضعت هذه الملصقات على ناصية الطرق آخذة في عين الاعتبار عيون الأشخاص وهم يقودون سياراتهم، هؤلاء ليس لهم الوقت الكافي ليقرؤوا برنامجا أو يتعرفوا على متقدم للانتخابات، لهم الوقت فقط للتمعن قليلا في صورته وفي الرسالة المصاحبة للصورة. الصورة هنا كأحد مصنفات التعبئة الانتخابية، وكجزء من حرب الصور المتداولة بين المترشحين.

خلافا للكلمات خلال مراحل التعبئة الانتخابية، تبدو صور المترشحين التي تظهر لنا في شكل معلقات غير قابلة للتغيير أو المواربة. خطب المترشحين، أقوالهم وتصريحاتهم المتعددة يمكن أن تكون متناقضة في كثير من الأحيان يمكن للمترشح أن يتدارك أمره في مناسبات تالية. يمكنه أن يصلح آداءه الخطابي في أول فرصة تلي مروره الضعيف في إحدى المناسبات الانتخابية. الصورة عكس ذلك تماما، إنها توضع مرة واحدة ولا يمكن تغييرها إلا في حالات نادرة، فهي ثابتة ترافقنا كل يوم إلى أن ينتهي الحفل الانتخابي. ونراها كما هي كل يوم ثابتة في مكانها إن لم يطرأ عليها أي اعتداء خارجي. تريد الصورة أن تثبت في أذهان من يراها، أن تلتصق بذاكرته البصرية، أن يستمتع بها كلما رآها إن هي أعجبته. ويمكن للصورة أن تعطي مفعولا معاكسا لما يريده صاحبها وحصل هذا في مناسبات عديدة لمترشحين كبار في بلدان عريقة في الديموقراطية. ولكن الصورة ليست وحدها، معها رسالة في شكل جمل قصيرة تختزل رؤية المترشح وفكره.

عند قراءة ملصقات المترشحين للانتخابات الرئاسية في تونس نقف عند ملاحظة أولى وهي أن أغلبها قد ورد في شكل «بورتريه» يغطي تقريبا حجم الملصقة مع مشهد خلفي متنوع الأبعاد وكلمات هي رسالة المترشح لناخبيه. الاختلاف الوحيد جاء في ملصقات المترشح نبيل القروي التي مثلت تواصلا لنفس السياق الذي ظهر به في المجال السياسي. محاطا بالفقراء من النساء والشباب في حالة عاطفية عفوية ارتكزت على العناق تعمدت الملصقة إخفاء الشخص أكثر ما يمكن مقابل إبراز الناخبين كجزء من الحملة. الناخبون أو فئة من الناخبين الذين يتوجه إليهم المترشح هم في الصورة شركاء في الحملة وفي المشروع السياسي. الرسائل المصاحبة للملصقات هي الأخرى منسجمة مع الخط الذي اختاره المترشح كالقطع مع الفقر أو مع الظلم بلهجة تونسية بسيطة.

ملصقات أخرى ظهر فيها المترشحون في مهمة الإنقاذ وهم الذين يقودون عملية الإنقاذ. نجد هذه الفكرة في ملصقات كل من المترشحين مهدي جمعة وحمة الهمامي والهاشمي الحامدي والصافي سعيد. هؤلاء جميعا وبتعبيرات لغوية مختلفة حملوا شخصيا مهمة فعل شيء ما من أجل إقناع الناخبين بقدرتهم على إنقاذ الوضع.
اختارت المترشحة عبير موسي رسالة تضمنت التأكيد على حماية المسار الديموقراطي والحريات. لقد اعتمدت المترشحة مرجعية ليست مما عرف عنها قبل الثورة وبعدها. ولكن خطابها الذي تميز بالحدة وبالإقصاء في الآونة الأخيرة جعل منها مترشحة يمكن ان تهدد المسار الديموقراطي. فجاءت هذه الرسالة كفعل تدارك وتعديل للبوصلة وهي في الان ذاته مغازلة انتخابية لناخبين من خزانات أخرى.

عملية التعديل جاءت أيضا في ملصقات المترشح عبد الكريم الزبيدي الذي ظهر لنا في مرات سابقة بصعوبات في الكلام جعلت الكثيرين يعتبرون الأمر مزعجا لمترشح لرئاسة الجمهورية غير قادر على التواصل الكلامي الجيد مع مواطنيه وهو ما دفع به إلى استدراك الأمر برسالة في ملصقاته تقول «الفايدة في الفعل موش في الكلام».

هناك ملصقات أخذت مرجعيتها من الحراك الثوري وهي ملصقة المترشح قيس سعيد التي كان شعارها الشعب يريد وهي إحدى عبارات قاموس 14 جانفي 2001 ونضيف إليها شعار المترشح سيف الدين مخلوف الذي يتحدث عن الكرامة دون أن ننسى ملصقة المترشح الهاشمي الحامدي ذات المضمون الإيديولوجي.

لم تكن الملصقات الانتخابية بشعاراتها ورسائلها المختلفة لتكشف عن مضمون سياسي واضح. أغلبها جاء كلاسيكيا معبرا عن شعارات مبهمة وغارقة في العمومية، ينقصها البعد الإبداعي من نوع الدولة القوية والدولة العادلة والثقة في المستقبل وتغيير الأوضاع وحماية الدولة وغيرها من الشعارات التي تتشابه برغم اختلافات العائلات السياسية للمترشحين. لا يمكننا من خلال الرسائل المضمنة في الملصقات الانتخابية تصنيف المترشحين حسب انتماءاتهم السياسية إلا في حالة واحدة أو اثنتين وهذا يقرأ على أن المترشحين غير منشغلين بهوياتهم السياسية والفكرية و الإيديولوجية و هم يخوضون غمار الحملة الانتخابية بقدر حرصهم على الفوز في كنف الغموض التام.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية