الرفاق حائرون

ماهر حنين
حيرة اليساريين قبل أيام من يوم الاقتراع الرئاسي مضاعفة فهم قلقون علي أنفسهم اليسارية وعلي عائلتهم الأوسع المسماة

عادة العائلة الديمقراطية الحداثية وذلك تحت ضغط الحاجة القديمة المتجدّدة لاستبعاد الإسلاميين الخطر الأبرز وربما الأوحد عند البعض والحاجة المستحدثة للتصدي لصعود الشعبويات المدوّى . ذروة هذا الرهاب اليساري تكمن في الخوف من هزيمتين الأولي لليسار رغم جليل عطائه والثانية للحداثيين مما يضع النهضة علي طريق منبسطة للتّمكن من مؤسسات الحكم من رأسها الجمهوري الي قاعدتها المحلية والبلدية .

هذا الهوس اليساري ليس مبالغا فيه وهو حقيقة لا مفر من الاصداع بها لان اعلان الحق حتي لو كان مزعجا واجب أخلاقي كما علمنا كانط غير ان فتح باب قول الحق كانطيا أي دون مواربة ودون مجاملة سيحيلنا الي ما هو أبعد من اللحظة الراهنة والي ما هو أبعد من الأجراء الإنتخابي .

قصة اليسار مع الانتخابات عموما والانتخابات الرئاسية تحديدا لافتة للانتباه فهذا اليسار تقدم ببطء شديد نحو الفكرة الديمقراطية و دنيا الانتخابات بل أن قطاعات هامة منه لم تقترب يوما قبل 14 جانفي من هذا الواقع الملموس متهمة المنخرطين فيه بالمتخاذلين عن خط التغيير الثوري فلا سنة 81 ولا 89 ولا ترشح محمد علي الحلواني سنة 2004 ولا المرحوم أحمد إبراهيم 2009 كان يعنيهما الترشح فالنتائج معلومة والمشاركة لن تغير شيئا والمهم أن تستمر المقاومة و أحيانا الحياد السلبي حتي يسقط النظام. في مقابل ذلك لم تنجح محطات المشاركة اليسارية السابقة عن الثورة في تكثيف دروس الميدان وعسره لدي من شارك وتعددت مسارات الحلول الفردية وعاد التشظي و التشتت وتفرقت السبل اكثر من مرة , لان منعرج التحول من الطوباوي الي الواقعي لم يقطع ومنعرج المرور من الإيديولوجي الي السياسي تعذّر علي العديدين وتلمس الطريق من السيرة الذاتية الي المشروع الجماعي لم تنجز عند كثيرين

اليوم كف الجميع تقريبا عن القول بمثل هذه الاطروحة العازفة من شرعية الصندوق . وصارت المشاركة مسالة حيوية والمعركة الانتخابية معركة مصيرية , هذا التحول الذي حملته الثورة حتما لم يتوقف عند القناعة النظرية بل تعدى ذلك الى المشاركة الفائضة في كل المحطات الانتخابية كما لو كان اليسار يكتشف المشاركة بما هي لذة في حدّ ذاتها أيا كانت النتائج و أيا كان الأداء وأيا كان الهدف , وكما أن الفعل الانتخابي حركة من أجل الحركة ومراوحة في نفس المكان .

لا أحد يملك اليوم المرجعية المعيارية الكاملة الصلاحية للحسم في الموقف اليساري الأسلم . كلنا اليوم يساريون تجريبيون وهذا لا يعفينا من المسؤولية وهو يوزع بيننا جميعا وبشكل ديمقراطي حق المشاركة في البحث عن أنفسنا الشريدة واقتسام كلفة الهزائم .
السؤال المعتاد اذن لم لم يتفق «الرفاق القادة» ولم أصروا على شتاتهم وشتات ناخبيهم ؟ والجواب المعتاد هنا هو حب الزعامة ,

الاكتفاء بهكذا جواب لا يحل المشكلة هناك حتما جرعات متفاوتة من حب الذات لدى هولاء القادة ولكن للمسألة وجوه أخري لا بد ان ندركها وان نعلنها بشجاعة ووضوح فتجليات الأزمة لم تعد مخفية وهي لا تقتصر علي حب شخص للظهور أو حب آخر لاعلان نفسه قائدا أوحدا مدى الحياة

أولى وجوه ضياع اليسار هنا ترتبط بالأزمة الشاملة لليسار العالمي وخاصة الأوروبي حيث ترافق سقوط اليقينيات اليسارية في الفكر والسياسة و التنظيم منذ ماي 68 ثم منذ التسعينات مع حيرة اليسارات العالمية و دفعها الي ابراز ريبيتها و هشاشتها و قابليتها للتكيف, وهي حيرة عبّر عنها مفكرون و مناضلون من داخل البيت اليساري ومن خارجه , وهو ما لم نشهده في ديارنا اذ واصلت بعض تنظيمات اليسار تشبثها النصي بأفكار قديمة وغير وظيفية , ما يعيشه اليسار العالمي من تشكل فكري جديد في زمن العولمة حول قضايا العدالة المناخبية وحقوق الأقليات و قيمة المشترك لا يبدو له اليوم صدى في صناديق الأفكار الجاهزة لدي جزء من يسارنا , مخاضات يسارات العالم الفكرية يقابلها سكون كسول عندنا .

الوجه الثاني للمعضلة هو غياب تصور نظري حول معني الديمقراطية التمثيلية وحدودها في بلانا وفي العالم . لن نربح نحن معشر اليسار في قادم السنوات الانتخابات : تلك حقيقة سوسيلو جية و أنتربولوجية يدركها جل اليسارين في سرّهم, ولكن لا يبنون على أساسها استراتيجية سياسية و انتخابية تضبط الحجم التمثيلي الذي يستطيع اليسار بلوغه و الأرضية الفكرية والقيمية التي يتقدم عليها و موقعه في المجتمع وعلاقته بالدولة أي بدوره في الحكم وفي المعارضة. اقتسام هذه القناعة الموضوعية يجلي مناطق الغموض ويمنح اليسار طاقة فعل جديدة كأقلية لا يسكنها الأكتئاب بسبب النمو المستحيل لحجمها الانتخابي حتي تكون قوة ممثلة انتخابيا وشعبيا بل تكتسب ضربا من الأتراكسيا لانها ميزت بين ما هو بيدها وما ليس بيدها ولا تملك تغييره , ارتباط المال بالاعلام و التوظيف الاقتصادي والسياسي للصورة و أسبقية القوي المحافظة في التحكم في الجسم الاجتماعي . وسياقات البناء الهش والمتعثر للمؤسسات الديمقراطية لا تمنح اليسار أسبقية تفاضلية اليوم انتخابيا. ولكن تمثيليته الانتخابية كأقلية داخل مؤسسات الدولة تمنحه جسور تواصل مع داخل المجتمع تتجاوز حدود من صوّت له .

المشكل الثالث في تونس اليوم وهو ناتج عن المشكلين السابقين هو اغتراب وعينا اليساري بسبب الانكسار بين مجالين مجتمعيين مجال المجتمع المقاوم والمحتج والغاضب هو مجتمع شتات تحركه مطالب حيوية بدءا بالماء و الدواء و لقمة العيش والاجر الاّئق وقد تحركه جذوة الكرامة و مطلب الاعتراف , وحتي رغبة جامحة في في تحدي الثالوث المحرم الدين والجنس والسياسة, هذا المجال غريب عن يسار تقليدي تربي علي ثنائية الحزب و النقابة وعلى رفض المتعدد والسائل والمرن والحيني والمجال الثاني هو مجال مجتمع الناخبين الذاهبين طوعا لانتخاب من استقر عليه رأيهم و الذاهبين محاكاة لغيرهم و ثقة فيهم والمحمولين ككم من الأصوات نحو صندوق الاقتراع لمنح صوتهم بمقابل في الدنيا قبل الآخرة .

المال و الاعلام و أساليب الدعاية الركيكة و المبتكرة واستعصاء زرع ثقافة الديمقراطية في تربة عنيدة اذن تجعل هذا المجتمع الانتخابي عصيا على اليسار .

هذه الحيرة الأصلية تجعل بعض اليساريين يبحثون عن أواصر ودّ أحيانا سرية مع مجتمع لا ينتخب أو لا ينتخبهم بالضرورة هو مجتمع الاحتجاج و أحيانا أخري عن تطبيع مع نواميس مجتمع الناخبين ومن يصنع رأيهم في مجتمع المشهد , هكذا يتحول المرشح اليساري للرئاسية اليوم الي باحث عن أصوات المهمشين و عن رضي من يخشي ويزدري المهمشين ليدخل في دوامة تناقض خانق فيغدو اليسار مخاطب للجميع دون ان يخاطب أحد . قد ينجح في موقف ما ويفشل في آخر ولكنه يبحث عبثيا عن ادراك غاية لا تدرك . هي غاية إرضاء الجميع ,

تلك هي اذن مداخل ممكنة لفهم حيرتنا فالبعض منا يستحثنا لتأجيل البحث عن كياننا وحتي التخلي عنه والتصويت لمن يقطع الطريق علي من لا نريد دون ان ندقق النظر في من هو هذا الذي لا نريد , لا شيء أوكد اليوم من دولة قوية فدون هكذا دولة لا ديمقراطية ممكنة . التصويت المفيد مرّة أخري يشغل شعب الديمقراطيين دون تمييز و الحرص علي ابراز هوية يسارية اليوم ترف فكري لا يليق لنا . وبعضنا يريدنا ان نصوّت لاعلان القطيعة مع الماضي هي قطيعة جيل وقطيعة أسلوب تفكير وقطيعة شكل حتي ندشن مرحلة جديدة نبني فيها يسارا آخر, آخرون يؤمنون بالتصويت الوفي لمن ثابر و عضّ على النواجذ أيام الجمر

باستثناء مفاجأة سارة سيكون كل مرشحي اليسار الأربعة خارج الدور الثاني وسينتظر أنصارهم حصيلة كل مرشّح و ترتيبه داخل الصف اليساري , هذا الهدف الصغير يزيد في غضب الناخبين والمسكونين بالقلق الحداثي قبل القلق اليساري وهو اليوم مكمن عقدة مزدوجة عقدة الحق في أن يكون لليسار «أناه» وقائده أو قادته وناخبوه وشعبه وعقدة الواجب التاريخي في حفظ دولة الاستقلال ودرء كلّ خطر يهدّدها .

أمام لائحة المرشحين وأمام صندوق الاقتراع سيتبعثر جمعنا مرّة أخري من منّا سيختار أن يصوّت للدولة لأننا لم نصبح مجتمعا ولن نصبح مجتمعا الا بالدولة سيختار بعضنا الآخر في هذا الدور الأول اسما يساريا بدافع القلب أو العقل أو بهما معا , ما يعنينا بعد ذلك دورنا الأبرز في الانتخابات التشريعية ثم الدور الثاني للرئاسية, لندخل مرحلة جديدة جزء من ملامحها جليّة بعد لعل أبرزها هي تمثيلية اقوى للوبيات الفساد والمال في قلب البرلمان, كتلة وازنة موزعة بين عدة أحزاب تعود الي الجذر التجمعي, وحظور إسلامي قد يخسر بعض قوته لكنه باق ويسار غير مؤثر,

فرضيتان ممكنتان لليسار قبل نهاية هذا العام الأولي تبدو مستبعدة وهي قبول قادته ومرشحيه لتأجيل النظر في طموحاتهم لسنة 2029 و اطلاق عملية تقارب و توحيد جديدة تضع برنامج و هياكل تنظيمية و آليات ديمقراطية داخلية , وترسم حدود القرابة مع حلفائه المفترضين الفرضية الثانية هي التقدم بتصور ورؤية جديدة لجعل مجالات الفعل البساري والفعل الاجتماعي و الاحتجاجي و الفكري منقتحة علي بعضها مما يقوي البيئة التمكينية لقوي اليسار و يحيي آمالاها . فالمشكل الذي ينتظر الحل ليس تقبّل جزء من التونسيين لأفكار اليسار فهذا ممكن بل في جعل الكيانات الوسيطة الحزبية و النقابية و المدنية اليسارية حاضنة و مولّدة لراي عام انتخابي و لجسم انتخابي , وفي جعل مجالات الفعل متقاربة لأنّ فرض الذات في المعركة الثقافية و الأيديولوجية لا يحتاج ضرورة وفقط ثورة صندوق الاقتراع بل ان نعقد العزم علي الفعل .

ما يستوجبه الفكر الحرإستئناسا بدولوز غواطاري هو فعل التأسيس لما ينقصنا وما ينقصنا اليوم هو فعل المقاومة ما ينقصنا هو الابداع سواء أتعلّق بادراك الدور الجديد للجمهور أي للمتعدد والمختلف والمتنوع او المتعلق بالبحث عن تشكل المشترك مثل هذا الابداع المزدوج الذي يحمي اليسار من عزلة قاتلة ومن التخلي ان يكون هو نفسه .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية