يوميات ناخب (3) : في البحث عن الهوية المفقودة للقوى الوسطية الحداثية

ينتسب عدد كبير من المرشحين في الانتخابات الرئاسية والتشريعية إلى العائلة الوسطية الحداثية التقدمية ويؤكدون في برامجهم

وتوجهاتهم الفكرية والسياسية انتماءهم الى هذا الإرث الذي كان له التأثير الأكبر في تاريخنا السياسي المعاصر .ويتنافس اغلب هؤلاء المرشحين على توحيد هذه العائلة حول يافطاتهم لخوض الانتخابات ويؤكدون على مشروعيتهم في هذا المسار وعلى ضرورة التقاء منافسيهم حول برامجهم .

وبالرغم من هذه المحاولات فإن هذه العائلة تبقى مشتتة تسودها الخلافات والصراعات مما سيؤثر على نتائجها في الانتخابات . وهذا التشتت والانقسام هو في رأيي مؤشر على الأزمة العميقة التي تعيشها العائلة الوسطية والحداثية وانحسار تأثيرها بعد عقود من الهيمنة والسيطرة على المجال السياسي في بلادنا . ولئن نجحت هذه العائلة في كسب انتخابات 2014 من خلال نجاح حزب نداء تونس في كسب الانتخابات الرئاسية والتشريعية فإنها لم تتمكن من السيطرة على خلافاتها وتناقضاتها لتنتهي هذه العهدة الانتخابية بأزمات وانشقاقات كبيرة لعل من أهمها الصراع المفتوح بين رأسي السلطة التنفيذية أي الرئيس الراحل الباجي قاد السبسي ورئيس حكومته السيد يوسف الشاهد كما عرفت هذه الفترة الكثير من الانقسامات والانشقاقات في هذا الحزب لتخرج منه عديد الأحزاب الأخرى .

كل هذا التشتت والانقسام في هذه العائلة وعجزها على تقديم برامج هامة تعبئ حولها الناخبين في هذه الفترة الحبلى بالتحولات هو في رأيي مؤشر كبير على أزمة القوى الوسطية الحداثية في بلادنا بعد عقود من الهيمنة على الفضاء السياسي .

وسنحاول في هذا المقال الوقوف على بعض أوجه هذه الأزمة وتقديم بعض المقترحات لسبل الخروج منها .

لكن قبل الدخول في الأزمة الحالية لهذه القوى لابد من العودة إلى التاريخ لفهم أصولها وتصوراتها الكبرى . وتعود القوى الوسطية الحداثية إلى مرحلة الإصلاحات الكبرى التي عرفتها بلادنا في بداية الجزء الثاني من القرن التاسع عشر . وقد لعب المفكرون والنخبة السياسية دورا مهما في محاولة تغيير الوضع السياسي والاجتماعي للخروج من قرون التهميش والظلمات التي عرفها العالم العربي والإسلامي اثر سقوط الأندلس في 1492 وانتقال مركز الحضارة إلى أوروبا التي دخلت عصر الأنوار والثورات الكبرى منذ نهاية القرن الثاني عشر.

وقد كان للحداثة الأوروبية وعصر الأنوار تأثير كبير على النخب في البلدان العربية والإسلامية والتي حاولت اعتناق المشروع الأوروبي من اجل الخروج من الأزمة والانهيار الذي عرفته المجتمعات الإسلامية . فانطلقت الحركات الإصلاحية في عديد البلدان الإسلامية مثل الإمبراطورية العثمانية التي انطلقت في حركة كبيرة من الإصلاحات لتجديد النظام السياسي من خلال «التنظيمات» . كما عرفت مصر نفس المسار وقام محمد علي بإصلاحات كبيرة مست النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي .

وستعرف بلادنا نفس التأثير لتنخرط النخب في الحركة الإصلاحية وليقود مفكر و تلك الفترة ومن ضمنهم خير الدين وابن أبي الضياف حملة كبيرة ضد الهياكل البالية ومن اجل إدخال اصلاحات كبرى على النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي . وعرفت بلادنا في تلك الفترة حركية إصلاحية كبيرة مكنت من تبني وإدخال عديد المشاريع الكبرى . فتم تبني عهد الأمان سنة 1857 وسن أول دستور للبلاد سنة 1864. كما تم بعث المعهد الصادقي سنة 1875 الذي سيكون نقطة انطلاق أساسية لتحديث التصليح في بلادنا . كما تم خلق عديد الصناعات لتحديث الاقتصاد .

شكلت هذه الفترة والحركية الفكرية والعلمية والسياسية والاقتصادية التي أدخلتها قطيعة جذرية مع النظام السائد وستشكل نقطة انطلاق وبداية ظهور للمشروع السياسي الوسطي والحداثي في بلادنا .

كما ستكون أفكار هذه الحركة الإصلاحية أساس المشروع الفكري والسياسي للنخب السياسية . فافكار مدنية الدولة والحداثة والحرية والعدالة والمساواة وحرية المرأة ستصبح أساس المشروع السياسي التونسي ولتقطع مع عقود من التخلف والاستبداد .

ولئن نجحت الحركة الإصلاحية في إحداث رجة وقطيعة جذرية مع الإرث التقليدي المحافظ فإنها فشلت في تحديث المجتمع وإلحاقه بركاب الدول المتقدمة في نهاية القرن التاسع عشر . فستكون الأزمة الاقتصادية الخانقة والمديونية وراء إفلاس الدولة ودخول الاستعمار لتعيش بلادنا فترة جديدة تحت الهيمنة الاستعمارية التي ستضع حدا للمشروع الإصلاحي التونسي.

إلا أن هذا المشروع السياسي الوسطي والحداثي سيعود من جديد مع الحركة الوطنية والنخبة الجديدة المناهضة للاستعمار في بداية القرن العشرين . فأفكار مدنية الدولة والحداثة والمساواة وحرية المرأة سترجع بقوة في الخطاب العام لتشكل أساس برامج ورؤى الحركة الوطنية .

وسينجح هذا المشروع في الهيمنة على الفضاء الفكري والسياسي في بلادنا وتهميش الفكر التقليدي المحافظ وجعل الحداثة والمدنية أساس للمشروع السياسي في بلادنا خاصة بعد الحرب العالمية الثانية .

وستتأكد هذه الهيمنة اثر الاستقلال وانطلاق الحركة الوطنية في بناء الدولة الوطنية لتكون الأفكار والرؤى الوسطية والحداثية أساس عملية قطيعة واسعة مع المجتمع التقليدي وأفكاره المحافظة والموروثة من قرون التخلف والاستبداد . وستنطلق بلادنا في عملية تحديث واسعة النطاق ستشمل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

فستنجح دولة الاستقلال في بناء مؤسسات سياسية حديثة وقوية ستكون فاعلة لا فقط في بناء الدولة الوطنية بل كذلك في الخروج من المجتمع القبلي وبداية توحيد المجتمع حول مؤسسات الدولة الحديثة . كما نجحت الدولة الوطنية في تحديث الاقتصاد والقطع مع النظام الاقتصادي في الكولونيالي وبداية بناء مشروع اقتصادي وطني .كما نجحت الدولة الوطنية على المستوى الاجتماعي في بناء مؤسسات حديثة ستخرج التآزر الاجتماعي والتضامن من البوتقة الضيقة للعائلة والقبيلة لمجال أوسع ساهم في بناء مشروعية الدولة الوطنية .

لقد نجحت الدولة الوطنية بقيادة زعيم الحركة الوطنية الرئيس بورقيبة ورفاقه في نحت مشروع سياسي واجتماعي جديد قطع مع الإرث التقليدي وادخل بلادنا في المشروع الحداثي الكوني المرتكز على قيم الحريات والعدالة والمدنية والمساواة .وستساهم هذه النجاحات في تدعيم التيار الوسطي الحداثي في المجال السياسي ليبسط هيمنته وسيطرته . وسيتركز هذا المشروع على جانبين مهمين .الأول فكري وسياسي من خلال انخراطه في المشروع التحرري الكوني المساند لقيم العدالة والحرية والديمقراطية والمساواة.أما نقطة الارتكاز الثانية فهي العقد الاجتماعي الذي نجحت دولة الاستقلال في بنائه والذي ساهم في دعم مشروعيتها وانتقال مبدإ الانتماء من المجال العائلي والقبلي إلى مجال الدولة الحديثة .

إلا أن هذا المشروع سيشهد بعد هيمنة طويلة على المجال السياسي بداية هزات منذ نهاية سبعينات القرن الماضي لتتحول إلى أزمة مفتوحة مع بداية الألفية . وتعود أزمة المشروع الوسطي الحداثي وتراجع وانحسار هيمنته على المجال السياسي إلى ثلاثة أسباب رئيسية . السبب الأول يعود في رأيي إلى التراجع الكبير الذي عرفه هذا المشروع في هويته الفكرية والسياسية . فلئن كان هذا المشروع يركز على انخراطه فيقيم الحرية والديمقراطية الكونية فان ممارسات الدولة انتقلت إلى الهيمنة والاستبداد ورفض الآخر لتخلق هوة شاسعة بين المبادئ من جهة والممارسات اليومية من جهة ثانية .

أما السبب الثاني لازمة المشروع الحداثي الوسطي فتعود في رأيي إلى أزمة انفراط حبات العقد الاجتماعي الذي شكل أساس مشروعية الدولة الوطنية . فقد عجزت اغلب الحكومات منذ بداية الألفية عن بناء نمط تنموي جديد ووضع حد لآفة البطالة وفتح آفاق جديدة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية .

أما السبب الثالث فيعود في رأيي لظهور مشروع سياسي منافس وهو مشروع الإسلام السياسي والذي نجح في حشد القوى التقليدية والفئات المهمشة حول مشروع رفض ونقد المشروع السياسي الحداثي الوسطي .

وستلتقي هذه الأسباب لتجعل هذا المشروع يعيش أحلك فتراته وأزمة خانقة لم يتمكن إلى اليوم من تجاوزها وتدارك انعكاساتها السياسية والانتخابية .

ولم يتمكن هذا التيار من المحافظة على تواجده وتأثيره في الساحة السياسية إلا بفضل عاملين أساسيين . العامل الأول هو خنق الحريات والرفض والاستبداد الذي مارسته الدولة ضد التيارات الفكرية والسياسية المعارضة قبل الثورة . أما العامل الثاني الذي ساهم في بقاء هذه العائلة السياسية وفي فوزها في انتخابات 2014 فهو شعار محاربة الخطر الداهم للإسلام السياسي والخوف والهلع الذي أثاره من تغيير نمط المجتمع في بلادنا .

تعيش العائلة الوسطية الحداثية في بلادنا أزمة وجود ستكون لها انعكاسات سلبية على نتائجها الانتخابية على المدى القصير وستحد من تأثيرها في المجال السياسي على المدى المتوسط والقصير . ولابد لهذه العائلة من فتح مجال التفكير لاستنباط حلول وإجابات جديدة على مستويين هامين . المستوى الأول يخص الهوية الفكرية والإيديولوجية والتي لابد لها من مراجعتها لفتح مجال الحريات والمساواة فيها يخص المرأة والأقليات . كما لابد لهذه الهوية المفقودة أن تأخذ بعين الاعتبار المجالات الجديدة والتحولات الكبرى التي عرفها العالم في المجال الرقمي والطاقي .

أما المستوى الثاني من التفكير والتجديد الذي يجب أن تخوضه هذه القوى فيخص العقد الاجتماعي الذي انفرطت حباته منذ سنوات والذي يتطلب إعادة بناء نمط تنموي جديد يأخذ بعين الاعتبار التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي دخلها العالم في السنوات الأخيرة .

إلا انه عوض الخوض في هذه المسائل العويصة والمجهدة لتجديد هوية العائلة الوسطية والحداثية وبناء مشروعية جماهيرية وشعبية لها فان الغالب اليوم على هذه العائلة هو الضبابية الفكرية واغلب الطموحات الشخصية على البرنامج الذي من شانه توحيدها وتدعيم تواجدها في المجتمع .

إن التشتت الذي تعيشه العائلة الوسطية الحداثية هو نتاج للازمة العميقة التي تعيشها وعدم قدرتها على تجديد هويتها الفكرية ومشروعها السياسي . وللخروج من هذا التشتت والأزمة لابد لهذه العائلة من فتح مجال التجديد والتفكير من اجل بناء مشروع سياسي وفكري جديد يعيد الأمل للفئات والطبقات الاجتماعية التي انخرطت في هذا المشروع والابتعاد عن الأنانية السياسية والطموحات السياسية الشخصية القاتلة .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية