انتخابات رئاسية بنكهة الفايسبوك... (الجزء الثاني والأخير)

بقلم: محجوب لطفي بلهادي
باحث مختص في التفكير الاستراتيجي

بعد أن تعرضّنا الى الصناعة الفايسبوكية لرؤساء الولايات المتحدة الأمريكية في القسم الأول من المقال، سنخصص هذا الجزء للتطرق الى واقعنا الفايسبوكي عشية الانتخابات الرئاسية لرصد ما يحمله هذا المشهد من خصوصية والى أي مدى يمكن أن يؤثر في نتائج الانتخابات ؟
ان كان هناك إجماع شعبي لا يستحق تفويضا خاصا من «رجال الإفتاء الدستوري» فى بلادنا على درجة السقوط الايتيقي المٌدوّي لما يٌكتب ويٌنشر على أعمدة صفحات الفايسبوك في علاقة بالاستحقاق الرئاسي.. وان كانت هناك مفارقة تجاوزت جميع المفارقات أنّ ذات الجموع - في قسم واسع منها – الحاملة لشعار أخلقة الفضاء الافتراضي تمارس نفس طقوس القذف والقصف الفايسبوكي في أبشع صوره ...

قد تخوننا أحيانا الشجاعة للاعتراف بأن سقوط الخطاب الفايسبوكي الى هذا الحد متوقع جدا باعتباره - شئنا أم أبينا - جزءا لا يتجزأ من بنية قاموسنا التواصلي اليومي والمرآة العاكسة له.. فمن منا ينكر حقيقة أن ما يتم التفوّه به في الفضاءات العامة أو الخاصة لا يخلو من شحنة سوقية مبتذلة أو من إيحاءات جنسية في أفضل الحالات ؟ ألا يٌشكّل الفضاء الفايسبوكي المسكون بحسابات وهمية وكتائب إلكترونية سرية امتدادا لثقافة الموازي التي تتحكم اليوم بالعقل الجمعي للعديد منا ؟ فان كان الجواب بالنفي، كيف نٌوصّف تدفّق الأموال التي تٌغدق بسخاء كبير دون حسيب أو رقيب لهذا المرشح أو ذاك ان لم يكن شكلا من أشكال «التكنطير» المٌقنع متخذا من الفضاء الرقمي «مغارة علي بابا» في نسختها الحديثة...

1- خصوصية متفسخة في طورها النفعي / الغرائزى
في خطّ مواز تماما عن التجربة الرئاسية الأمريكية التي بلغت مستويات متطورة من التلاعب الفايسبوكي بإرادة الناخبين عبر تسريب كمّ هائل من بيانات المستخدمين الخصوصية ثم الاشتغال عليها بإتّباع مناهج علمية (نماذج رياضية واختبارات سوسيو-نفسية) خدمة لهذا المرشح أو ذاك فان الخداع الفايسبوكي عندنا لم يتخط بالكاد النصف السفلي من أجسادنا قبل عقولنا شعاره الأوحد «تٌورّي نٌورّي» أو حرب الملفّات القذرة ...

على بعد أمتارا قليلة من تاريخ الاستحقاق الرئاسي، يتسنى تصنيف الفاعلين على سطح الأزرق الفايسبوكي الى خمس مجموعات :
صنف أوّل محدود التأثير يتكوّن من فاعلين اتيقيين communautés éthiques أصحاب حسابات وصفحات فايسبوك بصدد إدارة نقاش سياسي راق مع أصدقائهم ومعارفهم حول الإشكالات الحقيقية التي تعترض المسار الانتخابي الراهن وكيفية تجاوزها...

صنف ثان يتمثل في الصفحات الرسمية للشخصيات المرشحة للرئاسيات، في عمومها تفتقر الى الاحترافية في التسويق الانتخابي ...
صنف ثالث يتشكّل من كتائب فايسبوكية تعمل للحساب الخاص، تنضبط لجهات حزبية أو مراكز نفوذ بعينها، تنتهج في معظمها تكتيكات التوجيه والتشكيك الرخيص في سمعة خصومها السياسيين...

صنف رابع يتألف من كتائب الكترونية تعمل لحساب الغير، نجومها مجموعات من المرتزقة المأجورين، تشتغل وفق قاعدة من يدفع أكثر ...
صنف خامس وأخير يٌوفر الحاضنة والرافعة الحقيقية لمختلف الكتائب الفايسبوكية، يتكوّن من جموع الفايسبوكيين العاديين الذين بحكم ضعف ثقافتهم الرقمية يساهمون عبر آليات الإعجاب J’aime والمشاركة Partage في تحقيق الانتشار الأوسع للأخبار الزائفة Fake news...

تشتغل المجموعات الفايسبوكية الملثمة groupes cagoulés الواردة بالصنف الثالث والرابع أكثر على التقنيات التالية:
إغــراق المنصة بآلاف الحســابات الوهمية les faux profils التي تتكفل بشكل احترافي بنشر الأخبار الزائفة Fake news وفيديوهات ووثائق منها المٌسرّب ومنها المٌفبرك  لضرب المرشح/العدو في مقتل...
الاعتمــاد المكثـف عــلى الصّفحات المٌموّلة les pages sponsorisées من الخارج في خرق واضح لقواعد التمويل الانتخابي، علما بأنه من المتاح تمويل هذه الصفحات بالدينار التونسي عبر وكالات إشهار شريطة ان لا يتجاوز سقف التمويل الانتخابي المعمول به...
التوظيف الواسع عبر الاستخدام المكثف لرمز الهاشتاغ  # للتدوينات الصادمة أحيانا والوضيعة أحيانا أخرى لعدد من الأشخاص ممّن أصطلح على تسميتهم بقادة الرأي من جامعيين وصحفيين مشهورين وفنانين...

2 - حدود التأثير الفايسبوكي على نتائج الانتخابات
يبدو في الظاهر أنّ البيئة المجتمعية التونسية مهيأة أكثر من غيرها لتحقيق اختراق فايسبوكي غير مسبوق قد يٌغير وجهة الانتخابات بالكامل وذلك بالاعتماد على المؤشّرات التالية:
- على الصعيد النفسي، يٌمكننا التسليم - فيلحظة صدق مع أنفسنا - بحالة التماهي التام بين الذهنية الفايسبوكية المراوغة والبروفايل الجمعي الزئبقي المتقلّب التي تتسم به الشخصية التونسية عموما. ..
- معدّلات اندماج رقمي intégration numérique عاليّة مقارنة بمحيطنا الاقليمي تتمظهر بالخصوص في عدد مستخدمي الفايسبوك في بلادنا البالغ سبعة ملاييـن و300 ألف منهـم 56 ٪ ذكور و44 ٪ إناث  مع نسب تغطية للجيل الرابع للاتصالات محترمة Taux de couverture 4G تتجاوز 62 ٪، ومعدل ارتباط بالشبكة عبر الهواتف الذكية Taux de pénétration via mobiles الأولى افريقيا...

- غياب إطار قانوني منظم للجريمة الإلكترونية على غرار التشريعات المقارنة (مشروع قانون مكافحة الجرائم المتعلقة بأنظمة المعلومات والاتصال مازال قابعا في رفوف مجلس نواب الشعب ) ممّا شجع على انتشار الظاهرة وتفاقمها...
أما في العمق فالمسألة تختلف تماما.. فلئن توفّرت للثقافة الفايسبوكية في بلادنا العديد من المقوّمات الذاتية لتحقيق اختراق كاسح  إلا أنها تصطدم بتقلبات وأعاصير الزمن الانتقالي l’ère transitionnelle المركّب والمعقّد لدولة لم يكتمل بناؤها المؤسساتي بعد.. تديرها مراكز نفوذ متعددة فى صراع مفتوح ومحموم على السلطة.. فيكفي أن يحدث شيء  في الأثناء  حتى تتغير المعادلة الانتخابية بالكامل  ليبقى الفايسبوك نكهة الانتخابات الرئاسية القادمة لا غير...

انتهى

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية