قــــراءة في دلالات التنافس على رئاسة الجمهورية

بقلم: ماهر حنين
الآن وقد صرنا نعرف كلّ المترشحين المتنافسين على رئاسة الجمهورية بعد شطب الهيئة المستقلة للانتخابات لأكثر

من سبعين ترشحا غير جدي وغير مستوفى الشروط، يحقّ لنا التوقّف لقراءة رهانات هذا التّنافس الانتخابي الذي حوّله موت الرئيس الرّاحل الباجي قائد السبسي إلى الاستحقاق الأهمّ والمحدد لموازين القوى الانتخابية القادمة.

بداية ورغم تواصل السّجال حول صدقيّة وأخلاقية التّزكيات، نعتبر أن تعدّد المترشحين الممثلين لليمين والممثلين لليسار ومن كل الجهات ومن مختلف الأجيال علامة على تحرر الحياة السياسية , بل عنوان استبطان للمساواة بين كل المواطنين الساعين إلى الاحتكام إلى الشعب وإلى الناخبين. فالسلطة في الأنظمة الديمقراطية لا تُؤبّد ولا تُوّرث ولا تُنتزع بالقوة بل تتأسس على مبدإ الإرادة العامّة عبر صندوق الاقتراع، فنحن نخوض الاستحقاق الانتخابي الخامس منذ 2011 تحت إشراف هيئة مستقلة وفي ظلّ قوانين ديمقراطية وبحرص عال على احترام دستور الجمهورية الثانية. وإننا، من هذه الزاوية، نقطع رغم الهنات خطوات واثقة في اتجاه ترسيخ التعددية والتداول على السلطة.

من اليسير تصنيف المترشحين اليوم وفق العائلات الإيديولوجية والسياسية لنقول بأن من بين المترشحين شعبويون يمينيون، وإسلاميون من مذاقات مختلفة، وتجمّعيون، وليبراليون، ويساريون، وديمقراطيون راديكاليون، وهو لئن كان تصنيفا غير خاطئ فإنّه لا يكفي لفهم تعقيدات حياتنا السياسية وتحّولاتها الراهنة في تونس اليوم.

المشكل الجديد الذي تطرحه هذه الترشحات المتعددة يختلف، هذه المرة، عن سياقات ما بعد اعتصام الرحيل وانتخابات 2014. وبعد الشغور الذي أحدث الرئيس الراحل الذي تمكّن تحت ضغط الخوف من جمع شتات «خصوم الإسلاميين», أصبح الأمر يتعلق بالتساؤل عن العلاقة بين فسيفساء الترشح كمشهد رائج وحقيقة الواقع السياسي أي حقيقة الحركية السياسية في البلاد، والتساؤل عن طبيعة الخلافات والصراعات بين المتنافسين. فهل في تعدّد الترشحات عنوان حيوية فعلية لحياة سياسية نشطة ميّزت السنوات الخمس السابقة، وهل يكفي القول بأنّ حب الزعامة يفسّر وحده تقدّم نصف المترشحين المتشابهين لخوض السباق متنافسين؟

هنا نقف أوّليا عند علامتين أّوّلهما أن موسم الانتخابات في انفصال عمّا جرى طيلة السنوات المنقضية. فالمسألة الاجتماعية التي احتلت قلب الحركة الاحتجاجية بأشكالها المتعددة ومطالبها القوية المتعلقة بالقدرة الشرائية، والتشغيل، والخدمات العمومية، ومحاربة الفساد، و معاناة الجهات الفقيرة, ليس لها سوى صدى ضعيف في لوحة المترشحين وهي ليست محور الصراع الأول الذي يخترق المجتمع الانتخابي المنشغل بهاجس قوة الدولة، والأمن، وتغيير النظام السياسي، والحرب الباردة بين الإسلاميين والعلمانيين.

ثانيهما، أن النّموذج التفسيري التقليدي الذي يقابل الحكم بالمعارضة غير وظيفي لفهم المنافسة الانتخابية القادمة , على قاعدة رصيد سنوات حكم لمن حكم ورصيد سنوات معارضة لمن عارض . فمرشحو المعارضة مشتتون، متخاصمون، ومرشحو تحالف الحكم مبعثرون يخوضون المنافسة غير متضامنين بل متناحرين. هذا الاضطراب وهذه الفوضى ليسا محض صدفة ولا يفسران فقط بقصر التجربة الديمقراطية التونسية التي لم تستقر بعدُ على أسس راسخة قانونية، ومجتمعية، ومؤسساتية، وثقافية.

من المهّم هنا قراءة لوحة المرشحين من زاوية العلاقة بين التنافس على الحكم والتمثيل الاجتماعي للمترشحين أي من زاوية صراع المصالح بين المتنافسين الساعين إلى تملك أدوات الحكم. فالدولة والمجتمع ليسا كيانين منفصلين بحدود قانونية وهياكل وسيطة، إذ أن الدولة بقدر ما تكون ممثلة لجزء من المجتمع دون غيره تبتعد عن العدالة وتضعف شرعيتها. وبقدر ما تتوّسع تمثيليتها للمجتمع تتعزّز شرعيتها .

في قراءة أولى نتبين الحضور اللاّفت لدائرتين من النخب الصاعدة منذ 2011 هي دائرة نخب الثروة من رجال المال والأعمال من أصحاب كبار المؤسسات أو ممن تحوم حولهم شبهات فساد وتهرب ضريبي، ونخب التكنوقراط، من الخبراء خاصة، في مجالات تسيير المؤسسات وإدارة المشاريع. ولعلّ المهم في هذا التصنيف هو طابعه غير النمطي لأنه يخترق التصنيفات التقليدية (إسلامية/علمانية/دستورية) ويحل محلّها. فالمرتكزات الفكرية والرؤى المجتمعية لدى هذه النخب ضعيفة القيمة وتكاد تكون منعدمة إذ هم لايبالون بالديمقراطية كعمق فلسفي وكمشروع حضاري وإنساني.

فمن بين المرشحين من عالم المال والثروة بورقيبيون معّدلون، وإسلاميون ، أيقظتهم العولمة على ما في الرأسمالية من منافع شتّى غير محرّمة بالنص، ومفسدون في الأرض مفلتون من العقاب، في حين أنّ من بين المرّشحين من عالم التكنوقراط رجال دولة سابقون وليبراليون دخلوا عالم السياسة حديثا بعد مسيرات مهنية ذهبية يفتخرون بها خاصة حين تكون في الخارج. يبقى أنّ الجذر المشترك بين هذين الصنفين من النخب المتنافسة هو رفضها للسياسية في عمقها الفلسفي والأنتربولوجي والأخلاقي و إعادة تعريفها باعتبارها لا تليق بغير الأثرياء والناجحين في إدارة المؤسسات وهندسة التسيير من خريجي المدارس العليا. فخطابهم يقوم على فكرة أنّ عصر السياسية كفكر وقيم أخلاقية وفلسفة اجتماعية وحسن تدبيرالحياة المادية والروحية والاجتماعية للبشر قد ولّى وحلّ محلّه عصر النجاعة والتفوق الفردي.

إنّ الديمقراطية عند أغلبهم ليست قيمة نناضل من أجلها وننتزعها كاستحقاق، ونزرعها بصبر في وعي الناس , الديمقراطية بعد الثورة هي فرصة «استثمارية» للثروة والكفاءة.

من هنا تتحوّل ثقافة الأعمال، بما هي قوة استثمار، وقوة عرض، و منافسة ربحية من جهة وثقافة الكفاءة والتفوق الفردي لدى التكنوقراط من جهة أخرى إلى الحقل السياسي فتسيّجه وتطرد منه عموم المواطنين بل تحولهم إلى سلبيين.
التشريح الأدق للعلاقة بين النخبة، والقوة، ونعي قوة التأثير وقوة الحشد وقوة الاستفادة من التمثيلية التي يمنحها الناخبون في الاستحقاق الانتخابي القادم يضعنا أمام فرضية القول بخمسة تجليات لهذه العلاقة.

فمع صعود خطاب الثورة المضادة الرافض لمنعرج 14 جانفي والدّاعي إلى العودة إلى ما قبل هذا التاريخ، نسجّل تواصل تأثير النخبة الاسلامية المحافظة رغم التصدّعات التي تعرفها باتجاه تعبيرات أكثر ليبرالية، وهي مازالت قادرة علي جلب عناصر قوتها من الحضور الفاعل في الحقل الديني والمسجدي والدعوي والخيري، في حين تنهل النخب الدستورية الإصلاحية جميعها من معين الموروث البورقيبي ومن التيار الإصلاحي عموما وهو التيار الذي لا ينكر الثورة ولا يريد لها ان تذهب إلى أبعد من حركة تصحيحية جذرية لدولة الحزب الواحد القمعية، أمّا عن نخب التكنوقراط من ذوي الياقات البيضاء فيستمدون قوتهم مما يعدونه الإدارة العلمية للدولة والاقتصاد وفق قوانين إدراة المؤسسات وبحدّ أدنى من الأيدولوجيا. بينما تؤمن نخب الثروة والمال بأن سوق السياسة لا تختلف عن سوق البضائع والخيرات إذ هي عرض وطلب وكلفة وتوظيف جيّد للموارد.

كل هؤلاء المتنافسين ينطلقون من دوائر طبقية ضيقة ولكنهم يستهدفون كل الناخبين بخطابهم، سلاحهم في ذلك الإثارة وتقنيات الاتصال والزّبونية، والنظّر إلى الناخبين على أنّهم أفراد وكمّ وليسوا طبقات , وهو ما يوّجه فعل تصويت الفئات الشعبية نحو من لا يمثلها سياسيا .

ما يزيد من سيطرة هذه الاتجاهات ضعف التمثيلية السياسية لنخب أخرى أو لفاعلين آخرين من دوائر طبقية مختلفة من الطبقة الوسطي المهترئة وصغار المنتجين والكسبة والطبقات الفقيرة والمهمشين، فجزء هام من الفاعلين الاحتجاجيين مسكونون بمطالبهم الفئوية والحينية أو لا يؤمنون بالعملية الانتخابية وحركات الاحتجاج لا تثق في الصيغ التمثيلية التقليدية للديمقراطية فهم إما أناركيون وطوباويون أو عازفون قرفا من حقل سياسي طافح بالفساد و الرّداءة أو محبطون بلا فضاء يجمعهم ويشعرهم بقوتهم فدرجة تسييس الحركة الاحتجاجية لا تزال ضعيفة والبرجوازية الصغيرة العلمانية تصّوت تحت ضغط الخوف كلّ هذا يؤدي الي تقلص قدرة الديمقراطية علي تمثيل مصالح طبقية متضاربة ويضعف بالتالي شرعية الدولة .

هذا التّجلي الجديد للمنافسة السياسية بعد الثورة يبدو أنه حرّر سياسيا وانتخابيا، بضرب من المفارقة، الأثرياء ونخب الطبقة الوسطي العليا بعد ثورة أطلقها الفقراء والمعدمون في تأكيد على أن زمن النضال قد ولّى وأنّ من يستحقّ ثقة الشعب في إدارة شؤون الدولة هم الخبراء أو رجال الأعمال ممّن أثبتوا كفاءتهم سابقا. لا ديمقراطية دون برجوازية. هذه حقيقة تاريخية ! ولكن شرط أن تكون هذه البرجوازية ليبرالية حقا، قوية في نزاعها ضد قوى الشدّ الي الوراء. أمّا حين تكون هشّة، مرتبكة، ضيّقة الأفق، فإنها لا تبني ثقافة ديمقراطية بل تصنع مشهدا ديمقراطيا مصطنعا قابلا للانهيار لكونه سطحي وإقصائي. ولا ديمقراطية دون إدماج القوي الاجتماعية المختلفة و المتصارعة تلك حقيقة تكشف عن مأزق الديمقراطية التمثيلية .

لذلك فالصّعود المستمر للساسة الجدد من عالم المال والتكنوقراط لا يزال لضعف أساسه الفكري مرتبكا أمام استمرار التقابل بين خط الدولة المدنية الديمقراطية ومشروع الدولة الدينية وخط التقابل بين رؤية الدولة العادلة ورؤية الدولة التسلطية. فهذه الرؤية الأخيرة تريد أن تعيد الى الوعي الجمعي أن التسلطية، ومركزة السلطة، وقوة قبضة الدولة، هي ضمانات الأمن والاستقرار والرفاه الاقتصادي , ومن ثمة فالثورة لم تجلب غير الفوضى والجريمة والتسيّب. وليس للفقراء أمام أولية الدولة حلّ سياسي جذري ولا شيء آخر أمامهم سوى الصبر على مشيئة الأقدار أو انتظار موجات الإحسان.

خاتمة هذه الملاحظات تعني أن المنافسة الانتخابية والسياسية الرئاسية –المؤثرة في مصير الاستحقاق التشريعي– ستنحصر أساسا بين قوة الرصيد الثقافي والديني للإسلامين، وقوة المال السياسي الموظّف، وقوة النزعة الجديدة للخبراء، وتيار عودة الدولة القوية.

إذا ما نظرنا الي هذه المنافسة من جهة العلاقة بين السلطة السياسية و الطبقات الاجتماعية لنسأل هل سيكون الصراع المركزي هذه المرة حول تحقيق أهداف الثورة وتواصل مسارها ؟ فإننا نقف على حقيقة مرّة مفادها أنّ تيار الثورة أو تيار استكمال مسارها السياسي والاقتصادي والاجتماعي لا يبدو موحّدا ولا حتى متضامنا ليكون منافسا جديا على رئاسة الجمهورية ونيل ثقة الناخبين لأنّ جسور العلاقة بجسمه الاجتماعي والانتخابي ضعيفة، وحلقة الربط الأساسية لهذا الجسم لبناء التواصل بين الطبقة الوسطى والطبقات الشعبية والفقيرة مفقودة اليوم، وسرديته المشتركة غائبة، فضلا عن أن الأدوات التنظيمية والدعائية والتعبوية غيرناجعة . فما العمل ونحن لا خيار لنا آخر سوى أن نختار، وأن ننتخب؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا