كواليس النات: أين نحن من الديبلوماسية الرقمية ؟

بقلم: محجوب لطفي بلهادي
باحث مختص في التفكير الاستراتيجي
شاءت الأقدار أن يتصادف نشر الجزء الأول من المقال مع رحيل أب الديمقراطية الناشئة وعميد الدبلوماسية التونسية بلا منازع

الرئيس الباجى قائد السبسي.. فإلى روحه المرحة والزكية أُهدى هذه الورقة البحثية !
المطلب الثانى : الدبلوماسية الرقمية من التبخيس الى التثمين !

من الجحود والعدمية بمكان الادّعاء بأنّ لا وجود لدبلوماسية رقمية على الإطلاق، ومن المغالطة والإجحاف أيضا أن نُحمّل هذا الطّرف أو ذاك تدنّى الفعل الدبلوماسي الرقمي عموما، فالمجال يتسع لأكثر من فاعل وللمجتمع المدني الحيّز الأوسع للتأسيس لدبلوماسية رقمية تونسية فاعلة ومؤثرة...
فى بلد المفارقات بامتياز أين سجّلت "الجينات الاحتجاجية الرقمية" للمجتمع المدني حضورا قويا للتأسيس لمرحلة ما بعد 14 جانفى 2011 نعاين اليوم باندهاش واستغراب شديدين بأنّ ملفّ الدبلوماسية الرقمية فى بلد السبعة ملاين فايسبوكى ليس فقط مغيبا تماما عن دائرة التداول والبحث بل انه يُمارس بالوكالة من قبل جحافل من الجمعيات ومراكز التفكير والأحزاب لصالح العديد من المنظمات غير الحكومية المنتصبة فى تونس التى نجحت بتفوق فى تحقيق اختراق جيوسياسى للمجتمع المدني والسياسي التونسى باستخدام ممنهج لسلاح الدبلوماسية الرقمية...

أيضا من المفارقات الحاملة لعلامة م م ت أن مجتمعنا المدني يُعدّ من المجتمعات الأكثر تجذّرا وحيوية فى مجاله الاقليمى -القاري والمتوسطي- حيث يرجع ظهوره الى أكثر من قرن من الزمن، تاريخ تأسيس المدرسة الخلدونية أواخر القرن التاسع عشر قبل ان يشهد بُعيد منعطف 14 جانفى 2011 المُزلزل أكبر عملية تناسل جمعياتي بطريقة التلقيح الاصطناعي، إلاّ أن هذا العمق التاريخي المتفرّد لم يساعد كثيرا لأسباب عدة على إرساء دبلوماسية رقمية وطنية برؤى وآليات مستحدثة تعمل على التسويق الذكي للمنتج الانتقالي التونسى طيلة الثماني السنوات الأخيرة وما ترتّب عن ذلك من إخفاق كبير فى تحويل الجدل الدائر خلف جدران المكاتب المغلقة حول المسائل المجتمعية الكبرى والحسّاسة على غرار "اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق" المعروفة أكثر بمختصر ALECA وغيرها الى المنتديات الافتراضية الكبرى داخل الفضاء الاوروبى عبر ممارسة دبلوماسية الضغط الرقمية lobbying digital للدفاع عن المصالح الحيوية للمجتمع التونسى بمختلف قطاعاته...

وبما أن الطبيعة تأبى الفراغ فان العديد من المنظمات الغير حكومية لدول شقيقة وصديقة عمدت الى إغراق السوق التونسية بعروض مجتمعية مغرية تُغذيها من ألفها الى يائها أموال متدفقة تُصرف على قاعدة مدى ملاءمة المشاريع المحلية المُقترحة مع توجّهات وأولويات الجهة المانحة، وتُدير حركة أشرعتها منصّات رقمية مُحكمة التصميم فى تواصل شبكي حيني مع مختلف مكونات المجتمع المدني والسياسي التونسى، إدراكا منها بمحورية التكبلوماسية Techplomatie فى خلق رأى عام محلى واسع حليفا لتوجهاتها قادرا على التأثير فى دوائر صناعة القرار السياسي بالبلاد...

حراك رقمي حثيث قابله وهن شديد من جانبنا، وإلا كيف نفسر غياب خطط دبلوماسية رقمية ذكية من الحجم الثقيل تتضافر فيها جهود الجميع - مختلف مكوّنات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة - تهدف الى تسويق سياسي بقيمة مضافة عالية لعملية التداول السلمي السلس والقياسي للسلطة التي حصلت عشية يوم عيد الجمهورية .. تداول مؤسساتي سريالي - بالنظر لتعقيدات المشهد الانتقالي الذي شارف على السقوط - حدث بعد سويعات فقط من لحظة الإعلان عن وفاة أب الديمقراطية الناشئة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، جدير بالتدوين بالأحرف الذهبية فى كتاب "غينس" للأرقام القياسية والتدريس فى أعرق أكاديميات العلوم السياسية والعلاقات الدولية فى العالم، وكفيل - ان عرفنا كيف نستفيد منه- بأن يمنح لديمقراطيتنا المتعثّرة فرص للتوثّب والتألق من جديد فى عصر يحتل فيه الصّيت الافتراضي e-réputation مكانة خاصة فى عالم المال والاقتصاد... ألم يكن من الحريّ اليوم ونحن فى قلب موسم سياحي واعد أن نُسرع قبل فوات الأوان بإطلاق حملة رقمية فى الغرض على كافة المنصات والمواقع والمدونات والبوابات المؤثرة

فى عالم الواب 2.0 ؟
أمّا بخصوص حقيقة وجود دبلوماسية رقمية رسمية ببلادنا من عدمه فالآراء تختلف من مقاربة الى أخرى...فى مطلق الأحوال علينا أن نُقرّ بأن للخارجية التونسية موقعا رسميا وصفحة فايسبوك وحساب تويتر على الشبكة ممّا يسمح فى الحدّ الأدنى من رصد معالم دبلوماسية رقمية فى طورها الجنيني لا غير، بوّءها بالكاد سنة 2016 الرتبة 97 عالميا فى مجال الدبلوماسية الرقمية وفق تصنيف Digital Diplomacy Review الذي يعتمد على المقاييس الخمس التالية :

1 - الحضور فى الواب La présence sur le web

2 - تخصيص الصفحات والحسابات
La personnalisation des pages et comptes sur les réseaux sociaux

3 - التحديثاتLa mise à jour

4 - الالتزامL’engagement

5 - الدبلوماسيةLa diplomatie

فى حين أنه وفق نفس التصنيف احتلّت جنوب افريقيا الرتبة 51 ومصر 63 وأثيوبيا 76 ورواندا 80 وكينيا 82...
مما لا شك فيه، أن تصميم موقع واب أو فتح حساب او صفحة على الشبكة تُشكّل شروطا ذاتية ضرورية ومؤكدة للتواصل الرقمى لكن تبقى غير كافية بالمرة لبناء صرح دبلوماسية رقمية تونسية فاعلة قادرة على تتويج مسار الصحوة النوعية التى عرفتها دبلوماسيتنا الرسمية منذ أكثر من أربع سنوات...
فالتأسيس لدبلوماسية رقمية مؤثرة بمواصفات تونسية-تونسية ممكن ومتاح جدا ان تم الاشتغال أكثر على النقاط التالية :

أ - على المستوى الهيكلي/الوظيفي
- التفكير الجدي فى إحداث خطة مستشار مكلف بالدبلوماسية الرقمية Un conseiller chargé du numérique صلب وزارة الشؤون الخارجية بصلاحيات محدّدة المعالم منها تمثيل تونس لدى عمالقة الواب فى العالم les GAFA & les BATX ومختلف المؤسسات الدولية والإقليمية المتخصصة فى الشأن الرقمي، والعمل على تشجيع وإسناد الفاعلين فى مجال التجارة الالكترونية ببلادنا e-commerceعلى اقتحام الأسواق الإفريقية بحكم انضمامنا لأكبر التجمعات الاقتصادية الإقليمية الإفريقية CEDEAO & COMESA ومصادقتنا على اتفاقية "منطقة التبادل الحرّ القاري" ZLEC (للعلم فان تونس تحتل المرتبة الأولى مغاربيا فى مجال التجارة الالكترونية والرابعة على الصعيد الافريقى).

- تكثيف الدورات التحسيسية والتكوينية داخل أروقة "المعهد الدبلوماسي للتكوين والدراسات" حول مبحث الدبلوماسية الرقمية بإشراف خبراء فى "السوشيال ميديا" فى انتظار استكمال مشروع "الأكاديمية الدبلوماسية" وما سيوفره من فضاءات ومرافق لوجستية متطورة.

- تصميم منصّة للتكوين عن بعد Plateforme e-Learningفى مجال الدبلوماسية الرقمية موجّهة أساسا للدبلوماسيين المعتمدين بالخارج.

- تحسيس المصالح المعنية بالإدارة الالكترونية بالإسراع فى رقمنة الوثائق الإدارية المنصوص عليها بالزّاوية المخصّصة E-services من الموقع الرسمي للوزارة مما يمكن المواطن التونسى من الاستلام والتسلّم الفعلي للوثيقة عن بعد دون الحاجة للتنقل الى السفارة أو البعثة الدبلوماسية.

- مزيد التفكير فى إثراء الموقع الرسمي بتصميم نوافذ تفاعلية جديدة تعنى بعرض آخر المستجدات الوازنة على الصعيد الدولي وأخرى تؤثث لزيارات افتراضية لأبرز المواقع التاريخية بالبلاد.

ب - على المستوى التقني/التسويقي:

- مواكبة أفضل للتصميمات الحديثة لمواقع الواب الأكثر ملاءمة لمحركات البحث والهواتف الذكية التى تُعرف بالمواقع السريعة الاستجابة أو بالانكليزية Responsive Web Design (RWD) بما يسمح بتصفّح محتويات المواقع بأريحية تامة بقطع النظر عن الوسائط المستخدمة (حاسوب، هاتف جوال، لوحة رقمية الخ ) وبتيسير عمل محركات البحث الى حدّ كبير، فالمواقع السريعة الاستجابة le web responsive على عكس التصميمات الأخرى تتوفر على دينامية داخلية تسمح لها بالتأقلم السريع مع الجهاز الذي يتم التصفح من خلاله دون الحاجة للقيام بعمليات التكبير Zoom أو غيرها ...

- الحرص على إخضاع الموقع الرسمي للوزارة وصفحاتها على الفايسبوك والتويتر الى سلسلة من التدقيقات الدورية وفق مؤشرات متعارف عليها فى مجال "السوشيال ميديا".

- الاستفادة القصوى من قوة الرمز "هاشتاغ" # فى توسيع قاعدة التفاعل والانتشار فى عالم منصات التواصل الاجتماعي عند وضع استراتيجيات الدبلوماسية الرقمية موضع التنفيذ .

- الخ
حزمة من النقاط قابلة للتطوير والتجسيم لمجتمع يتنفس أكسيجين الويفى بامتياز ودولة وطنية ذاع صيتها بفضل دبلوماسية الآباء المؤسسين...
كلى ثقة بأنّ ربيعا دبلوماسيا تونسيا يلوح قريبا فى الأفق!

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية