علاقـات هيمنة وهواجس أمن أو عـن مــاذا يبحــث الخمينـي والأردوغـــاني عند العــرب؟

بقلم: علي الجوادي
يمتد الوطن العربي على مساحة تبلغ 13.488مليون كيلو مترا مربعا، وهي الثانية عالميا بعد مساحة روسيا.

ووصل مجموع سكان الأمة العربية إلى نحو 415 مليون نسمة حاليا، مقابل 300 مليون نسمة مطلع العام 2004(متوسط معدل النمو السنوي 2.13 %)، وهو الثالث عالميا بعد الصين والهند. ويحتوي الوطن العربي، الممتد من المحيط إلى الخليج، على اثنين وعشرين ولاية، عفوا«دولة»: منها 10 أقطار في شمال وشرق القارة الإفريقية والبقية في جنوب غرب آسيا.

وفي المحيط الجغرافي العربي، ثمة جيران يشكلون، منذ الزمن البعيد، تحديات خارجية بالغة الخطورة لوجود ومستقبل نظام الأمن الجماعي العربي. وتتمثل هذه التحديات في الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية بكل من فلسطين والجولان السورية وجنوب لبنان، والاحتلال الأسباني لمدينتي سبتة ومليلية المغربيتين، والاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث«طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى». أضف إلى ذلك أن امتلاك الكيان الصهيوني للسلاح النووي وسعي إيران إلى تطوير برنامجها النووي يشكلان تهديدا خطيرا لأمننا القومي العربي.

وطننا العربي الكبير له حدود جغرافية مشتركة مع 9 دول إفريقية، إضافة إلى تركيا وإيران: فالبلدان العربية الواقعة في إفريقيا تحيط بها من الجنوب والغرب كل من إريتريا وإثيوبيا وتشاد وأوغندا وزائير وإفريقيا الوسطى والنيجر ومالي والسنغال. وفي آسيا العربية نجد الأقطار الخليجية السبعة وهي البحرين وقطر والكويت وعمان والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والعراق تجاورها الجمهورية الإسلامية الإيرانية من الشرق، أما تركيا فهي تحيط بكل من العراق وسوريا من جهة الشمال. ومن بين دول الجوار لأمتنا العربية، توجد دول مسلمة وتلتقي مع أقطارنا العربية في التاريخ والتراث الحضاري المشترك، ودول غير مسلمة، ودول حديثة الولادة، ودول تعاني من الإهمال السياسي وعدم الاستقرار، ودول كبيرة من حيث المساحة والسكان ومهمة من حيث الإمكانات والقدرات، وأخرى مهمة من حيث الأهمية السياسية الإقليمية والدولية وتنتمي إلى تكتلات سياسية وعسكرية كبرى.

وتبدو تركيا وإيران من أكثر دول الجوار حضورا في التفكير الاستراتيجي العربي. وهما الأكثر قدرة على اختراق النظام الإقليمي العربي والتأثير في أولوياته، خاصة وأن موازين القوى تميل بشكل واضح لصالحهما في ظل الضعف العربي الذي ازداد وهنا منذ غزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق عام 2003. لقد تمكنت إيران وتركيا، كل منهما بأسلوبه المختلف، من استغلال ضعف العراق السياسي والعسكري، والاستفادة القصوى من الضعف السياسي العربي الرسمي، لتعظيم الفائدة من المستجدات الإقليمية والعالمية المتلاحقة منذ مطلع الألفية الثالثة قصد تحقيق أكبر قدر من التمدد في الشأن العربي. تركيا وريثة الإمبراطورية العثمانية، وإيران الفارسية مرجع نظام ولاية الفقيه، لهما نوازع هيمنة ولهما طموحات سياسية في الزعامة الإقليمية على حساب الأقطار العربية، ويتصرفان من منطلق قناعة أن الوطن العربي جزء من نطاقهما الجيو سياسي والجيو اقتصادي الحيوي!؟ وكيف لا، والحال أن الوطن العربي يتحكم في طرق التجارة العالمية بين أوروبا الغربية وآسيا عبر التحكم في قناة السويس والبحر الأحمر وبحر العرب، علاوة على تحكمه في نحو 25 % من إنتاج النفط العالمي بطاقة إنتاج تقارب 25 مليون برميل يوميا. زيادة عن مخزون أراضينا العربية المقدر بحوالي 65 % من احتياطيات النفط لمنظمة أوبك، وتحت أراضينا أيضا ما يوازي 30 % من إجمالي احتياطيات الغاز الطبيعي العالمي. أضف إلى ذلك، أن الناتج المحلي الإجمالي لمجموع الأقطار العربية يحتل المركز الثامن عالميا، حيث ارتفع هذا الناتج المحلي الإجمالي إلى حوالي 2.5 مليار دولار بأسعار السوق خلال العام 2018 بعد أن كان في حدود 0.8 مليار دولار في العام 2003.

ويرى المؤرخون والباحثون أن جذور أجواء عدم الثقة بين العرب وإيران تعود إلى العهود البائدة. وبقيت هذه الهواجس الأمنية تجاه الفرس ونواياهم الكامنة حيال العرب حتى بعد ظهور الإسلام. وفي العصر الحديث تجلت أطماع إيران عبر محاولات بسط النفوذ والسيطرة على المنطقة العربية منذ عهد نظام الشاه الذي سعى على مدار السنين إلى تعزيز نفوذ طهران في منطقة الخليج العربي من خلال لعب دور الشرطي الإقليمي للولايات المتحدة معتمدا على قوة بلاده العسكرية وعلاقاتها الوثيقة مع واشنطن. وحتى بعد قيام الثورة الإسلامية وسقوط نظام الشاه عام 1979 اتبع النظام الخميني نهج سلفه في المنطقة عبر منطلقات جديدة وبأساليب مختلفة، فموقف الخمينيين تجاه قضية احتلال جزر الإمارات الثلاث«طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى» من طرف نظام الشاه في مطلع سبعينات القرن الماضي ما زال غير قابل للتغيير. بل ما انفك نظام ولاية الفقيه يعمل، منذ مطلع ثمانينات القرن الـ 20، على تصدير الثورة الخمينية إلى الأقطار الخليجية وبلاد الشام، علاوة على تحريض العصابات الشيعية في البلدان العربية وتأليبها ضد أنظمتها. ووصل الأمر إلى حد تأليب حماس غزة على السلطة الفلسطينية، ما كرس خلافها مع فتح وعمق القطيعة بين الضفة وغزة. وتفسر أيضا أزمة الثقة بين إيران ودول الجوار العربية بحرص طهران على تبني برامج تسليحية متطورة وطموحة تفوق متطلبات الدفاع بالتزامن مع إجراء مناورات عسكرية شبه دورية، مناورات تغلب على الكثير منها سمات الهجوم المثير للقلق كالتدريب على غلق مضيق هرمز أو استهداف سفن وموانئ لدول الجوار المشاطئة. ومنذ بضعة أسابيع يرى المحللون السياسيون أن إيران فشلت في إدارة المعركة الدبلوماسية مع السعودية بشأن ناقلات النفط، مما جعلها تحاول لعب أوراق أخرى في محاولة لخلط الأوراق مع واشنطن من خلال مظاهرات متزامنة في مدن عراقية وإيرانية تهاجم الولايات المتحدة قصد جذب التعاطف الشعبي العربي عبر شعارات قديمة تقوم على استثمار الملف الفلسطيني، وأحرقت بالأمس القريب عناصر شيعية عراقية موالية لإيران«العصائب وأحزاب الله والنجباء» أعلاما أمريكية. ويبرز من وراء هذه التحركات رهان الإيرانيين على العراق ليكون أرض المواجهة مع إدارة الرئيس ترمب في سياق إستراتيجية تقوم على الحرب بالوكالة وإبعاد المواجهات عن الأراضي الإيرانية.

أما تركيا الإسلام السياسي والتي تبدو وكأنها تستعيد بعض الذكاء الخبيث، دون أن تدق الباب أو تطل بوجهها من النافذة، دخلت مباشرة في ركب ودعم قافلات الإخوان للسيطرة على دواليب الحكم في الأقطار العربية التي شهدت خلال السنوات الأخيرة انتفاضات شعبية ضد أنظمة القمع والفساد. حتى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي محا بصاعقة كهربائية فورية إخوان أردوغان في مصر الناصرية، ويؤكد عديد المراقبين حول المشهد الليبي أن المشير خليفة حفتر يقود معارك متقدمة لإخراج إخوان أنقرة من طرابلس. تركيا الإخوان ستبقى في الذاكرة الشعبية العربية الشيطان الكبير الذي سمح بدخول الدواعش القادمين من كل نواحي العالم إلى سورية لتدميرها، واليوم يجمع الجميع أن الجيش العربي السوري بقيادة الرئيس بشار الأسد على وشك إتمام تكسير شوكتهم بالنضال والصمود. لقد حاول أردوغان رئيس إخوان أنقرة خداع الجماهير العربية في العام 2003 بلعب دور نشط في المنطقة حين رفض استخدام الولايات المتحدة الأمريكية للأراضي التركية في عدوانها وغزوها للعراق. وبالنهاية احتلت واشنطن العراق وأسقطت الدرع الذي كان يقف حائلا دون الأطماع الإيرانية وحلت

الجيش العراقي بطلب مباشر من الكيان الصهيوني وقدمت بغداد على طبق من فضة للحرس الثوري الإيراني الذي أتاح كل فرص التدريب والتسليح للعصابات الشيعية العراقية التابعة لطهران. ولم يمانع النظام الخميني تواصل هذه العصابات الشيعية مع جيش المحتل الأمريكي، رغم ما يكنه نظام ولاية الفقيه من ضغينة لهذا الشيطان الأكبر. شيطان لطالما بحث من وراء تفكيك العراق عن خلق نزاعات طائفية وصراعات سياسية في المنطقة بهدف إضعافها حتى يضع دولها تحت ضغط الحاجة إلى الأسلحة والقواعد العسكرية الأمريكية قصد الحفاظ على أنظمتها وضمان تدفق البترول تجاه الولايات المتحدة وأخواتها دون عائق أو حاجز.

تركيا حتى وإن حصلت على بضعة مكاسب أمريكية نتيجة تطوير علاقتها العسكرية والاقتصادية مع الكيان الصهيوني(الطريق إلى قلب واشنطن يمر عبر تل أبيب)، إلا أنها فشلت في الحصول على جائزة كبرى لطالما كانت أنقرة تتطلع إليها، جائزة الاستعانة بواشنطن في اقتحام أبواب الاتحاد الأوروبي والحصول على العضوية الكاملة. تركيا، وريثة الإمبراطورية العثمانية، عضو في حلف شمال الأطلسي المظلة الواقية لأمن الكيان الصهيوني. وعليه، إما أن تقبل أنقرة بهذا التوجه وتبقي عضوا فيه أو أن ترفض وتخرج منه. ولا يبدو أن أمام أردوغان أي خيار سوى البقاء عضوا في حلف واشنطن وأخواتها. وفي الأشهر الأخيرة، وحسب مجمل المحللين السياسيين، ينتهج أردوغان تكتيكا يرمي من خلاله إلى الحفاظ على موقع أنقرة كحليف لواشنطن بتعويله على موافقتها على صفقة شراء طائرات أف ـ 35، والحفاظ في نفس الوقت على ما تحقق من علاقات إستراتيجية مع روسيا، لاسيما على مستوى الاقتصاد والطاقة، عبر تمسكه بشراء منظومة أس ـ 400. لا بل لنقل أن الإخوان في تركيا باتوا اليوم ينظرون بعين الريبة إلى الضغوط التي تمارسها واشنطن على أنقرة، ومنها المتعلقة بالموقف حيال أكراد سوريا، حلفاء واشنطن المبجلين، والضغوط الجديدة التي تمارسها روسيا على تركيا في الملف المتعلق بإدلب، حتى أن النظام التركي الحالي بات شديد القلق من إمكانية حصول تفاهمات بين روسيا والولايات المتحدة حول الملف السوري تأتي على حساب المصالح التركية.

الخلاصة: يعاني الوطن العربي منذ سنوات خلت من بروز مفتعل لدويلة قطر، حيث باتت تلعب أدوارا استثنائية ضد التوجه الإستراتيجي العربي العام، والقفز على التوازنات العربية في أكثر من مناسبة وفي غير اتجاه، كإقامة علاقات شبه مفتوحة مع الكيان الصهيوني، ومد الجسور الأمنية والاقتصادية نحو إيران وتركيا على حساب علاقاتها مع الأقطار العربية الكبرى، دون احتساب حضورها عند الإخوان في تونس والخرطوم وطرابلس الليبية وحماس الفلسطينية ومع أذرع الحرس الثوري الإيراني في المنطقة. ويجمع المحللون على أن طبيعة أنماط الحكم في الأقطار العربية والنهج المتهاون في العمل السياسي العربي والضغوط الخارجية، كلها تجمعت وساهمت في حالة عدم الاستقرار الذي تعاني منه البلاد العربية، وتسببت هذه السلبيات في إثارة أطماع الدول المعادية وتشجيعها على تصعيد طموحاتها لتحقيق ما لم تكن تحلم بتحقيقه حتى وقت قريب. ويؤكد المحللون السياسيون أن التوافق في القضايا الإستراتيجية العربية لا يعني بالضرورة أن هذه القضايا تثير اهتمام كافة الأقطار العربية بنفس القدر أو تنعكس على أمنها ومصالحها بنفس الدرجة، الأمر الذي ينفي عنها اعتبارها قضايا عربية مشتركة، خاصة وأن المتطلبات الداخلية لكل دولة عربية أصبحت تتركز في المقام الأول حول الاستقرار والأمن والنمو والعمل على خلق حوافز داخلية للوفاء بهذه المتطلبات نتيجة الأزمات المعيشية وتراكم مشاكل الحكم الداخلية.
يقول شاعر الفرات المرحوم محمد الفراتي: «يرضى الدناءة كل نذل ساقط ـ إن الدناءة شيمة الأنذال»

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا