قهوة الأحد: غياب الباجي قائد السبسي ونهاية عصر المؤسسين

ترجل السيد الباجي قائد السبسي بعد عمر قضاه في خدمة الدولة التي ساهم في بنائها إلى جانب زعيم الحركة الوطنية الرئيس الحبيب بورقيبة .

وقد كان هذا الغياب وراء الكثير من الحزن والألم على مستوى النخب وعلى المستوى الشعبي حتى عند الذين اختلفوا معه.

ويعود هذا الحزن والألم إلى عديد الأسباب وأولها العلاقة الحميمية التي نجح الرئيس الباجي قائد السبسي في نسجها وبنائها مع الناس العاديين من خلال طريقة حديثه وعفويته وقربه الكبير من الشخصية الجماعية وقدرته على دغدغة الشعور الدفين عند التونسيين .

كما يرجع هذا التأثر الكبير لدى التونسيين إلى المسيرة الطويلة والمميزة للرئيس الباجي قائد السبسي والتي امتدت من الحركة الوطنية إلى مرحلة بناء الدولة الوطنية مع الزعيم الحبيب بورقيبة.ليعيش كذلك بدايات انحراف المشروع الوطني وانتقاله إلى مواقع أكثر تسلطا. فعبر عن نقده لهذا الانحراف ودعوته لإدخال مبادئ التعدد والديمقراطية لمشروع الدولة الوطنية لكن دون القطع مع السلطة ليواصل تحمل مسؤوليات هامة في الدولة إلى التسعينات .ثم ليعود اثر الثورة ليحمل مسؤولية رئاسة الحكومة في الأشهر الصعبة التي تلت شهر جانفي وثورات الربيع العربي . ثم ليعود لتحمل رئاسة الجمهورية اثر انتخابات 2014.وبكل المقاييس تعتبر هذه المسيرة طويلة وجعلت من السيد الباجي قائد السبسي شخصية قريبة ومألوفة وتتمتع بثقة كبيرة من لدن التونسيين .

كما يحظى السيد الباجي قائد السبسي باحترام كبير لدى التونسيين للدور الكبير والأساسي الذي لعبه بعد الثورة وفي النأي بمسار التحول الديمقراطي عن العنف والفوضى. فكان أن تحمل رئاسة الحكومة في إحدى أصعب وأدق الفترات في تاريخنا الحديث في شهر مارس 2011 على رأس حكومة انتقالية تمكنت من تنظيم أول انتخابات ديمقراطية في بلادنا للمجلس الوطني التأسيسي.

ثم كانت عودته للمجال السياسي في أدق مراحل التحول الديمقراطي في 2013 بعد أن استشرى العنف والإرهاب والاغتيالات السياسية التي ذهبت بشهيدي الوطن شكري بلعيد والحاج محمد ابراهمي .ولم تكن هذه السنة صعبة في بلادنا فقط فقد عرفت اغلب بلدان الربيع العربي انحراف مسارات الثورات لتدخل في أتون حروب أهلية لم تخرج منها لحد الآن وساهمت في تدمير عديد البلدان ومنها سوريا وليبيا واليمن.ولم تكن بلادنا ببعيدة عن هذا المسار المخيف والمفزع في مسار التحول الديمقراطي وقد لعب الرجل في تلك الفترة دورا أساسيا مع الرباعي الراعي للحوار ومختلف النخب السياسية من اجل تجنيب بلادنا مسار العنف والخوف ولتكون بلادنا إحدى نقاط الضوء القلائل في تجربة ثورات الربيع العربي .فكانت حكومة الكفاءات المستقلة بقيادة السيد المهدي جمعة وانتخابات 2014 والتي ساهمت في إعادة التوازن السياسي في بلادنا .

تلتقي الدوافع الذاتية والحميمية مع الأسباب السياسية والتاريخية لتفسر العلاقة القوية التي ربطت التونسيين بالرئيس الباجي قائد السبسي ومقدار الحزن والألم الذي ألم بهم منذ إعلان نبأ وفاته صباح الخميس .

ولعل أهمية السيد الباجي قائد السبسي السياسية والتاريخية تكمن في كونه احد آخر المؤسسين لمشروع الدولة الوطنية وبرحيله ينتهي عصر وجيل كامل من القادة السياسيين والزعامات التاريخية التي بنت دولة الاستقلال وجعلت منها الإطار الذي وحد التونسيين لعقود طويلة.

ويعود المشروع السياسي لقادة حركة التحرر الوطني إلى عقود تاريخية وبصفة خاصة إلى حركة الإصلاح التي عرفتها بلادنا في منتصف القرن التاسع عشر وقبل دخول الاستعمار .وقد جعلت الحركة الإصلاحية من مدنية الدولة والتحديث للخروج من قرون من التهميش والفقر والجهل والانفتاح على العالم وعلى الآخر القواعد والركائز الأساسية للتجربة السياسية التونسية .فتم إصدار دستور 1861 لتكون بلادنا الأولى في المحيط العربي والإسلامي التي تصدر نصا متشبعا بمبادئ الأنظمة السياسية الحديثة كالفصل بين السلط الثلاث والحد من هيمنة السلطة التنفيذية إلى غيرها من المبادئ السياسية الأخرى .ولم تقتصر هذه الإصلاحات على النظام السياسي بل شملت كذلك النظام التعليمي ومؤسسات الدولة وغيرها من المجالات الأخرى لتدخل بلادنا عصر الثورات و الأنوار الذي دخلته أوروبا للخروج من عصور الانحطاط .

ولئن فشلت هذه الإصلاحات بدخول الاستعمار والسياسات الاقتصادية والاجتماعية اللامسؤولة التي وقع إتباعها والتي قادتنا إلى الإفلاس فإن الأفكار التي أتى بها المصلحون الأوائل ستشكل النبراس الذي سيقود التجربة السياسية في بلادنا .وستشكل مبادئ المدنية والحداثة والانفتاح على الآخر قواعد تجربتنا السياسية وخصوصيتها في محيطنا العربي والإسلامي .
وستأخذ الحركة الوطنية بقيادة الزعيم الحبيب بورقيبة في الحزب الدستوري إلى جانب الأحزاب الأخرى كالحزب الشيوعي والمنظمات الاجتماعية كالاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الفلاحين هذه المبادئ لتجعل منها برنامجا ورؤية للكفاح ضد المستعمر .

واثر انتصار الحركة الوطنية ستشكل مبادئ المدنية والحداثة والانفتاح الأسس التي ستقوم عليها الدولة الوطنية التي سيقود عملية بنائها الزعيم الحبيب بورقيبة وثلة من الشباب من حوله ومن ضمنهم الرئيس الباجي قائد السبسي وستكون عملية بناء الدولة ومؤسساتها عملية أساسية وهامة لإعادة إحياء البلاد التونسية وبناء جديد للعلاقات الاجتماعية ترتقي من الروابط القبلية القديمة إلى روابط حديثة ترعاها مؤسسات الدولة.وقامت الدولة بعملية تحديث كبيرة وسريعة شملت كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية .ففي المجال السياسي قامت الدولة ببناء مؤسسات جديدة وحديثة ووضع القوانين لضمان مبدا الدولة المدنية .اما على المستوى الاقتصادي فقد كانت المعركة الأساسية لدولة الاستقلال في الخروج من التخلف والقطع مع رواسب الاقتصاد الاستعماري من خلال بناء اقتصاد وطني مستقل .

كما قامت دولة الاستقلال ببناء مؤسسات وسن قوانين اجتماعية جديدة دافعت عن حرية المرأة وبناء علاقات أسرية جديدة مبنية على الاحترام والتوازن.
نجح جيل المؤسسين في فترة قصيرة في بناء تجربة سياسية جديدة في بلادنا ودولة ترجع جذورها الى الحركة الإصلاحية في القرن التاسع عشر وجعلت من المدنية والحداثة والانفتاح على الآخر مبادئها . وقد شكلت هذه المبادئ ميزة وخصوصية التجربة السياسية والدولة الوطنية في بلادنا .

الا ان هذه التجربة عرفت بعض الانحرافات مع تصاعد التوجه السلطوي منذ منتصف السبعينات .وقد دفع هذا الاتجاه السيد الباجي قائد السبسي وعديد رفقاء بورقيبة في مرحلة الكفاح الوطني الى الابتعاد عنه ولكن بدون القطع مع الدولة .
وسيشهد التوجه التسلطي الكثير من التطور ليصبح استبداديا وفردانيا في آخر أيام الرئيس السابق .وستضع الثورة حدا لهذا الاستبداد لتفتح صفحة جديدة في تاريخ التجربة التونسية ونقطة انطلاق للجمهورية الثانية .

إن جيل المؤسسين وعلى رأسهم الرئيس الحبيب بورقيبة والى جانبه رفاقه ومن ضمنهم الرئيس الباجي قائد السبسي تركوا لنا إرثا هاما وهو تجربة الدولة الوطنية وركائزها الأساسية وهي المدنية والحداثة والانفتاح على الآخر . إن مهمة الجيل الجديد ونخبنا اليوم هي المحافظة على هذا الإرث وحمايته وتدعيمه من خلال إنجاح التجربة الديمقراطية وجعل التعدد والاختلاف والحرية الركائز الجديدة لخصوصية تجربتنا السياسية .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا