منبـر// «نهج إنجلترا» لمية الكسوري: جوسٌ مجهري في سمك المجتمع التونسي بمبضع جراحة ماهرة

بقلم: لطفي عيسى،
أستاذ التاريخ الثقافي بجامعة تونس
تدور حكايات هذه الرواية البكر حول مراوحة متدبّرة لتقاطعات مسارين حياتيين يجسمان أقدار شخصيتين محوريتين أعلى

اسمهما تيمّنا مدلولي «الأمل» و«الهبة». فقد أقدمت المؤلفة على بناء سرديتها المشوّقة معوّلة في ذلك على ربط كلتا الشخصيتين بمؤسسة تحصيل مدرسي عريقة تقع عند نهج إنجلترا بوسط مدينة تونس.

يأخذنا تعاقب الأحداث وفق نظامين للسرد واحد خطي تطوريّ والثاني تشويشي يستعيد بتدبّر مقتصد الأحداث، في رحلة طويلة نخترق من خلالها ثنايا أيامهما وأعمالهما، رافعين بفضل ذلك الغشاوة عن رثاثة ما عاشته شرائح مختلفة من التونسيين منذ سبعينات القرن الماضي، وما هي بصدد عيشه حاضرا على الحقيقة.
يحيل تشعّب التفاصيل المستجلبة على عمق التحولات التي طالت سمك الواقع الاجتماعي، فتتراءى لنا ومن خلال المرآة المحدّبة لمصائر البطلتين ولزخم الوقائع التي حدّدت تصرفاتهما وشكّلت ما دار بخلدهما جوّانيا، عن حالة نكوص مفزعة توشك أن تأتي على ما تمت مراكمته ببالغ الجهد وموفور العزيمة بعد أن ذهب في ظن جميعنا أنه غير قابل للاختراق أو التنكّر المخزي.

لذلك لم تتردد المؤلفة - وهي على تمام الصواب- في الكشف عن قبح ما تواري خلف ما أبديناه جميعا من انتهازية باردة، فاضحة كارثية ما اقترفته المعاول العاملة على تحطيم القيم المدنية ومعاييرها بالاختفاء وراء نضالية جوفاء، فشلت بشكل ذريع في القطع مع النوازع الغريزية وانغمست في وجدانية منافية لكل عقلنة، رافضة بصلف ومعاندة لا حد لهما مغالبة حالة الهروب إلى الأمام والاعتراف بضرورة التعهّد المتّسق للتوازن بين البطولي والمرضي في نحت مصير الافراد كما المجموعات حاضرا ومستقبلا.

تبدو آمال «أمل» ثاوية في غياهب الارجاء بعد انقلاب الطبع على التطبّع والإعراض عن جمالية تثوير الواقع وتحرير الطاقات، بفسح المجال أمام نكد أسبار البداوة المتغلغلة عميقا في ذواتنا المغتالة لكل جميل فينا. فبين انكفاء يسارية الآباء وثورية الواجهة التي تمسكوا بها حسّا ومعنى، واندحار وعود النماء العادل لدولة وطنية مغتالة على مذبح الرأسمالية المتوحشة، تخفى «إسلام الصحوة» تحت ستار الاحتجاج والذود عن شرف هوية مستباحة احتضنتها ممالك القاز بينما حدّد مدلولها شيوخ فضاءات التحليل والتحريم.

وتبتسر أقدار «هبة» مضيّفة الطيران المستقرة بـ«بابل الجديدة» (أو دبي)، حيث ينحسر مجال الفعل المتحرّر أمام النوع الاجتماعي العائد وبعد «نشوز طويل» إلى بيت الطاعة وموطن التكتيكات الأنثوية المغذيـــــة لفحولة مكذوبــــــة، الساند لاستراتيجيات ذكورية ذهب فصلها بالكامل.

بين أثافي الثالوث المقدس لمعبد الجنس والدين والسياسة تقيم رواية ميّة الكسوري أُسسا لمرويتها بحرفيّة مذهلة أحيانا، كاشفة ومن خلال تشغيل آليات فضولها الفطري واستبطانها العميق لمعاني الانقلاب الجمالي على القديم في أدبيات التنوير وفكر اليسار، وإدراكها الاستباقي لانقلاب الظرفية الكونية مع حلول تسعينات القرن الماضي وانكشاف الوجه القبيح للعولمة في تفاصيل ما عرضته عليها ملفات التقاضي من تشعبات انغمست في تفكيك شفرتها وإعادة تركيب أدق تفاصيلها، اقتنصت المؤلفة عينات متدبّرة من واقع التونسيين لتقترحها على قراء حكاياتها بعد تخفيفها من مبهم الدلالة لفظا واستجلاب غزير المعاني لها مبنى ومعنى، عارضة علينا وبمنظور جديد «مرافعة» تُدين شدة ارتباكنا وقلة حيلتنا وتكشف عن جلباب عُهرنا المُتسلل من زوايا فضاءات بيوتنا الخاصة إلى مختلف مواضع الوسم في مجالاتنا المشتركة أو العمومية.

يتقدم السرد راسما بمخاتلة مقتصدة عوالم انتهازية صادمة وبغيضة تنتفي ضمنها دعاوى التمسك بالقيم والضوابط الأخلاقية، متحوّلة إلى أقنعة مُضحكة مُبكية لا تقيم احتراما لانفتاح الأنوثة الغضة على ذكورة مفترسة مُتسلطة. تخضع "أمل" سليلة الفكر المضاد للنظام ولقيطة اصطدام المبادئ الثورية مع تعقيدات واقع ما بعد ثورة الطلبة أواخر ستينات القرن الماضي لنزوات «حسين» قصاب شارع باريس وسجين شهوته القاتلة. بينما تتزين «هبة» بـ«بشة» زوجها المشرقي الستيني وتعبّ من نرجيلة شهوته المثلية المكبوتة، بعد استعادة بكارة مصطنعة تلعن ورطة إنجاب «نوّارة» ابنة «البرانس شرمان» بشير، معذب أفئدة مراهقات معهد نهج إنجلترا، الذي انقطعت أخباره دهرا بعد فراره المخزي إلى صحاري جماهيرية القذافي، منتصبا بغتة وعلى غير ميعاد على ظهر شاحنة «الديماكس»، عامدا بصفاقة باردة لا حدّ لها إلى استرجاع حقوق الأبوة من خليلة أمسه تحت غطاء «صلة الرحم».

يميد الأديم تحت أقدام اللعنة النسوية وتخسف الأرض في قراءة حشر مهيب لا خلاص فيه ولا فكاك. تلك حقيقة «ملاحم» العنف والغدر والضغينة ودعاوى الفحولة المقرفة تحت سمائنا، فلا شيء يؤذن وبعد أن طالتنا رحى العولمة واضعة حدا لما صدأ من تصوراتنا الرثة، أننا بصدد استيعاب خطورة اللحظة التي نعيش وفهم الدرس الذي يحملنا كُرهًا دون رضا على الانخراط، وبعد أن أصررنا على تحطيم تمثال قداسة الساسة، على الانقطاع كليا إلى تدبير تصرفاتنا بعقلانية بوصفنا أفراد نتساوى بمسؤولية في الحقوق على صياغة مصائرنا وفق ما نرتضيه لأنفسنا من حريات تأبى الانصياع لمنطق القطيع الذي لا يفتأ عن إعادة انتاج نفسه بدهاء ومكر، مبشرا بعودة حروب العرق والجنس والملة.

تلك شذرات من أدب رواية تونسية جديدة يصرّ مبدعوها وعلى الرغم مما يحيط بأيامهم من محبطات ونوازع تسطيح معمّم على رسم أفق بديل تحت سمائنا الملبّدة، مساهمين بذلك في تحريك مسيرة الأفكار التي تعيش حالة شبه عطالة مريبة تحت سمائنا. وذاك مشرط «ميّة الكسوري» الروائية الذي جاس في سمك واقع بلد صمّ أناسه آذان العالم بدعاوى ريادتهم في تحرير النساء وصون حقوقهن وعزمه وعبر أعلى نصوصه الدستورية على احترام النوع الاجتماعي، فانكشف لنا بالمعانة المجهرية عوزهم المُخجل وخوفهم من مواجهة أنفسهم وضعف تعهّدهم لما أوجده النابهون من بينهم من معايير وضوابط مُحدثة بدت مُحتاجة، وبعد ورطة 2011، إلى عميق مراجعة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا