قهوة الأحد: الاستثمار ونداء الاستغاثة لمؤسساتنا

يشكل الوضع الاقتصادي وتراجعه المتواصل والأزمة الخانقة التي تمر بها بلادنا منذ سنوات أحد أهم معوقات التحول الديمقراطي.

وتبرز هذه الأزمة في عديد المظاهر لعل أهمها ضعف النمو وهشاشته وانخرام التوازنات الكبرى أمام تزايد العجز التجاري وعجز ميزانية الدولة وأزمة نمط التنمية الذي اتبعته بلادنا منذ بداية السبعينات والذي عجزنا عن تطويره وبناء نمط تنمية جديد يأخذ بعين الاعتبار تطورات العصر والمتطلبات الجديدة للتنمية .

ولعله من أهم أوجه الفشل في فترة التحول الديمقراطي هو عجز السياسات الاقتصادية المتبعة على النهوض بالوضع الاقتصادي والخروج من الأزمات المتتالية بصفة مستديمة فبقي الاقتصاد الوجه الحقيقي والأساسي للوهن والعجز ولتنامي الخوف من المستقبل وتراجع الأمل .

وقد تناولت أغلب الدراسات والتحاليل والمقالات عديد الأوجه من هاته الأزمة الاقتصادية . إلا أن الاستثمار احد أهم عناصر هذه الأزمة بقي بعيدا عن الاهتمامات والقراءات بالرغم من أهميته ودوره المركزي في النمو والديناميكية الاقتصادية. وقد أشارت أهم الإحصائيات الرسمية إلى تراجع الاستثمار العام وخاصة تراجعه في القطاع الصناعي والذي شكل على مدى عقود القاطرة الأساسية للنمو في بلادنا . وفي رأيي لم نعط لهذه المسألة حق أهميتها والانعكاسات الكبيرة لهذا التراجع على الديناميكية الاقتصادية وعلى التشويهات والانخرامات التي عرفها الاقتصاد في السنوات الأخيرة .

فالاستثمار ، الحاضر الغائب، ترك المجال فسيحا للاستهلاك ليكون قاطرة النمو الاقتصادي في بلادنا في السنوات الأخيرة خاصة مع تنامي كتلة الأجور . وكان من نتائج هذا الوضع تزايد الطلب الاستهلاكي في ظل ندرة وتراجع العرض نتيجة ضعف الاستثمار . وتسبب هذا الاختلال بين العرض والطلب في ارتفاع الأسعار والتزايد الكبير في التضخم .كما نتج عنه كذلك اللجوء إلى التوريد لتلبية حاجيات المستهلك وبالتالي تنامي العجز التجاري . ولم يساعد تراجع الاستثمار في نمو صادراتنا مما جعل الاختلال في التوازنات الخارجية هيكليا وصعب التمويل .كما ساهم تراجع الاستثمار في ضعف مداخيل الدولة الجبائية وبالتالي في تنامي عجز وانخرام المالية العمومية .

تشير هذه الملاحظات إلى أهمية الاستثمار والدور الاستراتيجي الذي يلعبه في توازن العملية الاقتصادية وسلاسة ديناميكية النمو . وتراجع هذه القاطرة الأساسية كان وراء النمو المشوه الذي عرفته بلادنا في السنوات الأخيرة وتراكم العجز على عديد المستويات.

ويبقى السؤال الأساسي والرئيسي في بلادنا في أسباب وهن وضعف الاستثمار ؟ أو لماذا يبقى المستثمرون في حالة الانتظار والتردد عوض دخول غمار المغامرة الاستثمارية واخذ المخاطرة الضرورية لذلك؟

لئن تناولت بعض التقارير أزمة الاستثمار في بلادنا فإن الدراسات الشاملة عن هذه المسألة بقيت شحيحة وقليلة مما يفسر عجز السياسات العمومية عن إيجاد الحلول الضرورية للنهوض بالاستثمار .ولعل من أهم الدراسات في هذا المجال هو التقرير السنوي الذي يعده مكتب دراسات ارنست & يونغ Ernest & Young في بلادنا تحت عنوان «Baromètres des entreprises en Tunisie» وهذا التقرير هو عبارة عن استبيان يقوم به المكتب عند 264 مؤسسة تشغل 151.000 موظف أو عامل وتمثل رقم معاملات بـ31 مليار دينار . وتتوزع هذه المؤسسات على أصناف مختلفة من الصغيرة الحجم إلى المتوسطة أو الكبرى . كما تتوزع على أهم القطاعات الاقتصادية من الخدمات إلى الصناعة والتجارة .

ويعد مكتب ارنست & يونغ هذا التقرير بكل حرفية منذ سنوات مما يمكننا من التعرف على قراءة وتحليل رؤساء المؤسسات للأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في بلادنا .

وقراءة التقرير الصادر منذ أيام لهذه السنة مفيدة ومهمة ويمكن أن نستخلص منها ثلاث نتائج أساسية:
النتيجة الأولى تهم تنامي الخوف والتشاؤم لدى رؤساء المؤسسات ورجال الأعمال أمام تردي الأوضاع الاقتصادية والسياسيةة ف%93 من المستجوبين يعتبرون أن الوضع السياسي في بلادنا كان سيئا في سنة 2018. ولعل الأهم هو تزايد هذه النسبة مقارنة بما كانت عليه سنة 2017 حيث لم تتجاوز %88 مما يشير إلى تزايد استياء رجال الأعمال والمستثمرين خلال السنة المنقضية نتيجة الأزمة السياسية وانخرام المنظومة الحزبية .

ولا يقف تقييم رجال الأعمال للسنة المنقضية بل يتواصل لقراءة رؤيتهم خلال السنة الحالية حيث لا يرى أكثر من النصف أي %51 أي تحسن للوضع السياسي بل بالعكس تواصل تدهور الوضع السياسي خلال سنة 2019.

ولا يقتصر تخوف وتشاؤم رؤساء المؤسسات على الأوضاع السياسية بل يمتد إلى الأوضاع الاقتصادية . ولئن شهدت انتظاراتهم بعض التحسن الطفيف مقارنة بسنة 2017 فإن أغلبية رؤساء المؤسسات ورجال الأعمال يعتبرون أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي (%89) كان مترديا سنة 2018. ولعل المسألة الأهم في هذه النتائج هي أن رجال الأعمال لا ينتظرون أي تحسن في الوضع الاقتصادي ( %51 ) بل ينتظرون تواصل التدهور وتردي المؤشرات الاقتصادية .

كما أن نسبة كبيرة من المستجوبين (%80) تنتظر تواصل تدهور مناخ الأعمال في السنة الحالية . وقد أشار الاستبيان إلى أهم مخاوف رجال الأعمال وهي تشمل تردي الوضع الاقتصادي وتدهور سعر الصرف، الوضع الاجتماعي والمطالب النقابية وارتفاع التضخم ومستوى الخدمات الإدارية
ولعل احد أهم المخاطر والتحديات حسب رجال الأعمال هي استدامة مؤسساتهم (résilience) وقدرتها على الصمود أمام تردي الأوضاع الاقتصادية. وهنا يشير الاستبيان إلى نتيجة مفزعة وهي قناعة (%58) من رؤساء المؤسسات أن مؤسساتهم ستكون مهددة خلال السنتين القادمتين . وهذه النتيجة في تطور كبير مقارنة بما كانت عليه في سنة 2015 حيث لم تتجاوز %25.

عرفت سنة 2018 تزايدا مهما في مخاوف وتشاؤم رجال الأعمال وأصحاب المؤسسات حسب تقرير مكتب ارنست & يونغ. كما أكدت نتائج الاستبيان تزايد وتنامي هذا المخزون من التشاؤم والخوف خلال السنة الحالية أمام تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية مما يشكل تهديدا جديدا لديمومة المؤسسة وتواصلها وصمودها .

إلا أن النتيجة الثانية والتي تخص انعكاس هذا التشاؤم وواقع الإحباط والخوف على نشاط المؤسسات وبصفة خاصة على الاستثمار يعتبر ذا أهمية كبيرة. فلقد اعتبرت نسبة كبيرة من أصحاب المؤسسات أن تردي الوضع الاقتصادي كان له تأثير سلبي على أنشطتهم خلال السنة المنقضية فلم تسجل سوى %35 من المؤسسات من المجموع تطورا ايجابيا لأرقام معاملاتها سنة 2018 مقارنة ب%60 خلال سنة 2017.

كما أن تردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية سيكون له تأثير سلبي على الاستثمار حيث تشير نتائج الاستبيان إلى أن %35 فقط من هذه المؤسسات تنوي القيام باستثمارات جديدة خلال هذه السنة بينما كانت هذه النسبة بـ%48 خلال سنة 2018. كما نلاحظ تزايد نسبة العزوف عن المخاطرة حيث بلغت نسبة المؤسسات التي ستبقى في حالة انتظار %29 من جملة المجموع .

إلا أن النتيجة الثالثة وهي الأكثر ايجابية فتتعلق ببعض القطاعات الجديدة كالتكنولوجيات الحديثة وصناعة قطاع غيار السيارات والقطاعات المصدرة . فقد عرفت هذه القطاعات تطورات ايجابية ويبدو فيها الجو بعيدا عن التشاؤم والخوف الذي يميز القطاعات التقليدية إذ تشير نتائج الاستبيان إلى أن %42 من المؤسسات في القطاعات التكنولوجية عرفت تطورا ايجابيا لأنشطتها خلال السنة المنقضية . كما ينتظر %59 من رجال الأعمال في هذا القطاع تحسن معاملاتهم وأنشطتهم خلال السنة الحالية . كما أن %48 من هذه المؤسسات ستقوم باستثمارات جديدة خلال سنة 2019.

إن النتائج التي قدمها تقرير مكتب ارنست & يونغ تعتبر كثيرة الأهمية . فهي تشير إلى تفاقم مخزون التشاؤم والخوف لدى رؤساء المؤسسات ورجال الأعمال مما انعكس سلبا على الاستثمار والنمو الاقتصادي أمام التراجع الكبير للقاطرة الأهم للنمو المتوازن .

وفي نفس الوقت ولئن أشار التقرير إلى تراجع القطاعات التقليدية فإنه أكد على الحيوية التي تتمتع بها القطاعات الصاعدة والمرتبطة بالصناعات الجديدة 5.0 – وهذه النتيجة تؤكد على ضرورة ضبط إستراتيجية صناعية جديدة تكون نقطة الارتكاز الضرورية لنمط التنمية الجديد الذي نطمح إلى بنائه وتطويره .

بالرغم من النتائج الاقتصادية الضعيفة وتنامي الأزمة الاقتصادية وحالة الوهن والضعف الاقتصادي و بالرغم من هذه التقارير المتعددة والتي تشكل نداء استغاثة من قبل الفاعلين الاقتصاديين فإن الاهتمام العام وخاصة من الطرف الحكومي والأحزاب السياسية بهذه القضايا الاقتصادية بقي محدودا وثانويا .

فالقضايا السياسية وبصفة خاصة المناورات والتحالفات السياسية من اجل إقصاء الخصوم هي اليوم في صدارة الاهتمامات والأولويات . وتبقى البرامج والسياسات الاقتصادية لإنقاذ الاقتصاد الوطني ووضعه على طريق النمو مهمشة وبعيدة عن اهتمامات صناع القرار وقادة الأحزاب .

لقد حان الوقت اليوم وأكثر من أي وقت مضى كي تقدم مختلف الأحزاب تصوراتها وبرامجها من اجل الخروج بالاقتصاد من الأزمة العميقة وحالة الإغماء التي دخلها منذ سنوات . وبلورة هذه البرامج والتصورات وتقديمها للناخبين والرأي العام كفيلة بإعطاء السياسة نبلها والديمقراطية بريقها وإقصاء المغامرين وأصحاب الرؤى القصيرة والذين ينحصر اهتمامهم السياسي في الوصول الى المناصب لخدمة المصالح .

عسى أن تكون هذه الأوضاع وترديها حافزا لاستنباط الحلول ولعقد العزم لبعث الأمل في ديمقراطيتنا الناشئة وفي غد مشرق وليس دافعا للإحباط والمغامرة الخطيرة العواقب .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية