رمضانُ وَلّى...

وحيد السعفي

الآن وقد ولّى رَمضانُ وعُدنا إلى سيرتَنا الأولى، وتناسى الناسُ إفطارَ الكفّار في الشهر الحرام، وتناسوْا تهشيمَ واجهات المطاعم والمقاهي بإيعاز

من أولي الأمر أو القوّامين على الدين من غير إذن، وتناسوْا النّهمَ والإلهافَ والشّرهَ، وتناسوْا الصلاةَ والتراويحَ، واحتضنتهم الحانات آناءَ الليل وأطرافَ النهار، وأسرعوا إلى المحلاّت يوفّرون ما فاتهم من خمور في شهر الصيام، وعادوا إلى العمل أو كادوا، بكلّ تُؤدة، فلا عَجلةَ هنا ولا إسراعَ، نوردُ هذه الملاحظاتِ للذكرى.

1 – الشهور في حساب العرب لا تدور:
لمّا جاء الإسلام كانت الشهور عند العرب لا تدور. كانوا يجمعون بحذق بين الشهور والفصول، والشمس ودوران القمر، فجعلوا لكلّ فصل شهوراً لا تتغيّر، وجعلوا لكلّ شهر زمناً معلوماً، وبدايةً ونهايةً معلومتيْن. وكانوا للمحافظة على هذا الترتيب يُضيفون كلّ ثلاث سنوات شهراً يُسمّونه النسيء، فيتواصل النظام. وقد ارتبطت أسماء الشهور ومعانيها بالفصول التي كانت تتمّ فيها. فرمضان مثلا، كان شهر الرمضاء وهي شدّة الحرّ، كان شهراً من شهور الصيف الحارّ، ولعلّه لذلك اختير لامتحان الإنسان وتجريب قدرته على الصبر وتحمّل أعباء الفرض.
ثمّ تغيّر كلّ شيء. حُذف النسيءُ بتقادم الإسلام، وانفصلت الشهور عن الفصول، واعتُمد في الحساب دورانُ القمر، فدارت الشهور دون استقرار، وأصبح إهلالها والأفول أمراً موكولا إلى رؤية الهلال. وأصبحنا تبعاً للقمر الذي لا ثبات له بعد أنْ عرفنا مع الشمس الثبات. ورغم الخلافات التي أحدثها هذا الحساب في العهدين الأموي والعباسي، وانقسام العلماء إلى مُتشبّثين بالحساب القديم الثابت وآخرين يفضّلون الدوران، فإنّ السُّنّةَ الثقافيةَ المُهيمنةَ على الحياة الإسلامية فرضت على الناس الرؤية وكرّست مبدأ الانتظار والشكّ. وأصبحنا منذ ذلك التاريخ أهلَ انتظار وشكّ.

2 – مَنْ شَهِدَ منكم الشهر فليصمه:
لمّا كانت الشهور لا تدور وتتمّ بالحساب لم يكن للآية «فمنْ شَهِدَ منكم الشهر فليصمه» معنى على علاقة برؤية الهلال، فجعلها المفسّرون القدامى ناسخةً للآية: «وعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين»، التي تُخيّر الإنسان الذي يُطيق الصومَ بين أنْ يَصومَ رمضان أو أنْ يُفطر ويُطعم مسكيناً، وجعلوها فرضاً للصوم على كلّ مَنْ يُطيق ونفياً للتخيير، وجعلوا معنى شَهِدَ متعلّقاً بالحضور زمن الشهر في مقرّ الإقامة حتى يتمَّ الصومُ على خير وجه، ونَفَوْا أنْ تكون شَهِدَ تعني الرؤية والنظر (انظر مثلا الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، تفسير سورة البقرة، الآيات 183 - 185).

3 - إنّ المُفتين يُتَزيَّنُ بهم:
هذه القولة لابن خلدون وقد لاحظ أنْ لا دورَ للمفتي في زمانه إلاّ الزينة وتصدّر المواكب جنب أميرٍ أو والٍ. ويُمكن أنْ نقولَ ولا حَرجَ إنّ الأمرَ لم يتغيّر أبداً، وإنّ المُفتيَ، منذ نشأت دار الإفتاء في كلّ المذاهب على السواء، جُعل للزينة ليس غيرُ، وإنّ مُفتيَ الديار عندنا، منذ عرفنا المُفتي في ديارنا، لا يُكذّبُ هذه المقولةَ أبداً. فقد عرفناه لا حولَ ولا قوّةَ له أمسِ، إنْ في ظلّ البورقيبية وبناء الدولة الحديثة أو في ظلّ العهد الجديد الذي مضى، وهو لا حولَ ولا قوّةَ له اليومَ زمنَ التغيير السريع والتبديل في الحكومات والرؤساء.
ومع ذلك فإنّ أمراً فيه قد تغيّر.

نحن لا نراه إلاّ مرّتين في السنة. وننتظره في المرّتين على السواء. ورغم أننا نعلم أنّ زمنَ إهلال الشهر وأفوله يُسطّرُ له تسطيراً مُسبقاً، وأنّ دورَه يقتضي التصريح بما سُطّر له، فإنّنا على الدوام ننتظره. ثمّ يَبرز على الشاشة وقد تحلّى بلباس الشيخ الجليل وعَلتْ وجهه علاماتُ الوقار والجدّ والدين القديم. ثمّ يتكلّم. يقول جملته الخالدة ويمرّ. ونفرح بما يقول، أو نشتمه إذا كنّا لا نُريده أنْ يقول ما قالت الحكومة ولا علماء الفلك. ولكننا نُحبّه. كان ذا وقار وقد جُعل للزينة.

ولكنّنا لاحظنا منذ سنتيْن أو ثلاث أنّ مُفتينا أصبح تبعاً لأولي الأمر في الإخراج في التلفزة. أصبح يُؤتى به قبل موعد قول الجملة المنتظرة، وينتظر الأمر له بالكلام. وينتظر وهو لا يعرف ما يقول زمن الانتظار والناس حوله في دخول وخروج، ونشعر بالحرج يعلو مُحيّاه، ويُضطرُّ للكلام قبل موعد الجملة المنتظرة، فيقول كلاماً ساذَجاً مثل عامّة البشر، فيفقد وقاره والزينة التي جُعل لها، ويُشلّكُ كأيّ مَدعوّ إلى التلفزة. فلِمَ قبلتَ هذا يا سماحة المفتي الجليل؟ إنْ كان لا بدّ من التجديد وإخراج المفتي في ثوب جديد نَنصحُ الساهرين على الأمر بتكليف توفيق الجبالي بهذه المهمّة. إنّه لقادرٌ على إخراج المفتي في ثوب جديد وجعل الكلام البسيط مثل كلام الليل ذي المعنى العميق. فاسعفنا يا توفيق بإنقاذ مُفتينا الجليل!

4 – خيرٌ من ألف شهر
لا شيءَ مثل القرآن في التغنّي برمضان، نزل فيه، وجعل ليلة القدر منه، وجعلها خيراً من ألف شهر. وربطنا مصيرنا بالشهر. ننتظره ونعدّ له العدّة قبل قدومه. وتتزيّنُ النساءُ ويُزيّنّ البيوت ويُبدلن الأثاث والآنية والمعون. وحكوماتنا المتعاقبة تَخافُنا في شهر رمضان لأنّها تعرف غضبنا خلال الشهر الكريم. فتتهيّأ للأمر وتوفّر المواد وتقترض وتستورد البضاعة حتى وإن كانت متوفّرة في البلاد. وها الشهرُ مرّ. أكلنا وشربنا وسهرنا وغنّينا وتزاورنا ولم نعمل إلاّ قليلاً، ولم نعمل إلاّ مُبطئين، وغبنا عن العمل ما شئنا، وتباهت حكوماتنا بأنّها وفّرت لنا كلّ شيء. ها هو مرّ. ماذا نفعل؟ لا شيءَ. ننتظر رمضان القادم. ننتظر ليلةَ القدر تفكّ بُؤسَنا وفقرَنا والهمّ. نحن نحبّ الانتظار. لا عملَ ولا كدَّ. لا حكومةَ تُغيّر الأشياء تغييراً جذريًّا دائماً. لا نهوضَ من سبات العجز الضارب فينا بسبب الانتظار، انتظار ليلة القدر ورمضان!

5 – الكأس الكأس
منذ سنوات قليلة أصبحت كرة القدم تحتفي بشهر رمضان. ازداد عدد اللاعبين ذوي اللحيّ ذات المرجعية الدينية. وازداد عدد اللاعبين المسبّحين في الملاعب والباسطين أذرعَهم نحو السماء. وازداد عدد الممرّنين العائدين من الخليج تنخرُ فيهم الوهابية. وصام اللاعبون ورفضوا اللعب خلال صومهم أو بعده بقليل. اضطُرّت جامعات كرة القدم والاتحادات العربية والإفريقية والإسلامية إلى تغيير مواعيد المباريات. ألا ترانا قد شهدنا مباراةً انطلقت في الساعة الحادية عشرة ليلاً؟ ألا ترانا قد شهدنا مباراةً أخرى انطلقت في الساعة العاشرة ليلاً ولم تنته إلى حدّ الآن؟ وها الكأس تنتظر من سيفوز بها من الفريقين في كرة القدم. نقترح أنْ تُجرى المباراةُ في رمضان القادم حتى تتمّ في نفس الظروف. كذلك ننتظر. فنحن نحبّ الانتظار. ولا ضررَ إنْ قيل فينا ما قيل. لا ضَررَ إنْ قيل فينا إنّا أفارقةٌ وعربٌ ومسلمون لا نعرف القانون. لا ضَررَ إنْ قيل تصارع الفريقان صراعَ الصائمين، وغضب اللاعبون لأمر بسيط وشنّوا الحرب على الأجوار. لا ضررَ فنحن أفارقةٌ وعَربٌ ومسلمون، خاضعون للنعرة والعصبية والدين، لا نعرف القانون، وقد أسلمتْ على أيدينا كرة القدم. فهنيئاً لنا بفتحنا الجديد!

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية