قهوة الأحد: الحروب التجارية ونهاية عالـم الأمس

تتصدر المعركة التجارية التي تدور رحاها اليوم بين صانع الهواتف الجوالة الصيني هواوي «Huwawei» والإدارة الأمريكية اهتمامات

الخبراء والمؤسسات الاقتصادية العالمية وكل المهتمين بالشأن الاقتصادي. وقد بدأت هذه المعركة منذ أشهر عندما اتهمت الإدارة الأمريكية الشركة الصينية بقيامها بعمل استخباراتي لفائدة الحكومة الصينية وبالتالي تهديدها للأمن القومي الأمريكي وكل البلدان التي انتصبت فيها شركة هواوي والبالغ عددها اليوم 170 بلدا. وقد طالبت الإدارة الأمريكية شركاتها وكذلك حلفائها في العالم من مقاطعة هذه الشركة وغلق الأبواب أمامها.

وقد بلغت هذه المعركة مستويات أكثر حدة عندما أعلنت شركة Google الاصطفاف إلى جانب الإدارة الأمريكية وإيقاف العمل بالاتفاق المبرم بينها وبين شركة هواوي والقاضي ببيعها لبعض البرمجيات التي تتمتع بها هواتف هواوي من خلال برمجيات Android.

وسيشكل هذا القرار في رأيي نقطة تحول كبيرة في الخلاف بين الشركة الصينية والإدارة الأمريكية وخطوة تصعيدية خطيرة ستساهم في تأجيج الحرب التجارية التي بدأت طبولها تقرع منذ سنتين . ففي رأينا الخلاف بين هواوي والإدارة الأمريكية ليس إلا فصلا من حرب اشمل واهم بين الدولتين الأهم في مسار العولمة الاقتصادية : الولايات المتحدة زعيمة العالم الموروث من الحرب العالمية الثانية والصين القوة الصاعدة والتي قد تكون القوة المهيمنة على العالم القادم.

إن التخوفات الأمريكية من تصاعد القوة الاقتصادية للصين ليست وليدة اللحظة بل تعود إلى نهاية القرن عندما بدأت النمور الأسيوية تكشر عن أنيابها لتنتقل من موقع الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية إلى موقع المنافس العنيد. وقد حاولت مختلف الإدارات والحكومات الأمريكية التعاطي مع هذا المعطى الجديد بطريقة لينة واحتوائه عوض التناقض معه ومواجهته.

الا انه مع وصول دونالد ترامب عرفت الإستراتيجية الأمريكية في التعاطي مع الصين تغييرا جذريا .فقطع الرئيس الأمريكي مع السياسة الأمريكية الناعمة واختار في إطار برنامجه «America First» أو «أمريكا أولا» إعلان الحرب التجارية والمواجهة المفتوحة مع الصين من خلال اقرار تعريفات جمركية هامة على الصادرات الصينية إلى السوق الأمريكية . ولم تبق الصين مكتوفة الأيدي فقامت بإقرار نفس الشيء على الصادرات الأمريكية .

ولإيقاف هذه الحرب دخلت الصين والولايات المتحدة الأمريكية في مفاوضات عسيرة ومضنية حول المطالب الأساسية التي تقدمت بها الإدارة الأمريكية .

ويمكن في رأيي حوصلة أهم المطالب الأمريكية في ست قضايا أساسية – المسألة الأولى تهم التقليص في الفائض التجاري الصيني مع الولايات المتحدة الأمريكية والذي بلغ في نهاية سنة 2018 حوالي 300 مليار دولار واعتبرت الإدارة الأمريكية أن هذا المستوى من العجز التجاري غير مقبول خاصة وانه ليس متأتيا من القدرة التنافسية للاقتصاد الصيني بل من العراقيل الإدارية والبيروقراطية التي تضعها الحكومة الصينية أمام الصادرات الأمريكية . وقد أشارت الإدارة الأمريكية إلى أن هذه السياسات الحمائية الصينية تسببت في زوال وفقدان 5 ملايين موطن شغل في أمريكا.

ويبدو حسب المفاوضات الجارية أن هذه النقطة ليست محل خلاف كبير بين الجانبين. فلقد وافقت السلطات الصينية على الترفيع من مشترياتها الصناعية والفلاحية القادمة من أمريكا من اجل التقليص في هذا العجز التجاري.

القضية الثانية والتي تشكل نقطة خلاف بين الطرفين تهم مسالة حماية الملكية الفكرية . وقد وجهت عديد الدول والمؤسسات الكبرى الكثير من النقد إلى السلطات الصينية واتهمتها بالتقاعس في تتبع عمليات التزوير والتزييف (contrefaçon) لأهم العلامات الصناعية العالمية وتهريبها إلى الأسواق العالمية.ويبدو أن السلطات الصينية أصبحت تعطي أهمية كبيرة لقضية الملكية الفكرية وحمايتها خاصة وان المؤسسات الصناعية الصينية قد انتقلت من مرحلة التقليد والتزوير إلى مرحلة الابتكار والخلق . فسنت الحكومة الصينية العديد من التشاريع والقوانين من اجل حماية الملكية الفكرية كإيجاد محكمة مختصة في هذا المجال . إلا أن الإدارة الأمريكية الى جانب عديد البلدان الأخرى والشركات الكبرى تعتبر ان هذه المبادرات لاتزال غير كافية والعديد من الشركات الصينية تواصل إغراق الأسواق العالمية بمنتوجات مهربة دون ان تحرك السلطات الصينية ساكنا .

القضية الثالثة محل الخلاف بين البلدين تهم مسالة تحويل التكنولوجيا ودخول الأسواق . وتؤكد السلطات والقوانين الصينية انه لا يمكن لأي مستثمر خارجي الاستثمار في الصين بدون شريك محلي . وتعتبر هذه المسألة خلافية الى ابعد الحدود باعتبارها تمكن الطرف المحلي من الحصول على التكنولوجيا ومسكها بطريقة سهلة ليصبح بعد سنوات منافسا عنيدا

للمؤسسات الكبرى . وقد اعتبرت الإدارة الأمريكية وعديد البلدان الأخرى أن هذه القوانين قد مكنت الشركات الصينية من الحصول على التكنولوجيا بطريقة غير شرعية مكنتها من بناء قدرتها التنافسية في فترة قياسية .

وقد أعطت الضغوطات الأمريكية في هذا المجال ثمارها حيث تمكنت بعض الشركات مثل Tesla في الأشهر الأخيرة من الاستثمار في الصين بدون شريك محلي . وتواصل الولايات المتحدة ضغوطاتها من اجل فتح السوق الصينية أمام الشركات الكبرى للخدمات المالية كشركات visa وMaster card.
القضية الخلافية الرابعة بين البلدين تهم دعم النمو الصناعي والمؤسسات الصناعية وتعتبر هذه المسألة الأصعب والأعتى للحل . لقد قامت الولايات المتحدة بتوجيه نقد شديد اللهجة للبرنامج الصيني «Made in china 2025» «الصناعة الصينية في 2025 « والذي يسعى الى بناء مؤسسات صينية كبرى في ميدان التكنولوجيات الجديدة كالذكاء الاصطناعي.

واعتبرت أن آلاف المليارات التي تضعها الصين على ذمة هذا البرنامج تشكل دعما مباشرا لهذه المؤسسات والتي ستمكنها من تجاوز المؤسسات الأمريكية . واعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية أن الدعم الصيني لا يقتصر على القطاعات الجديدة والتكنولوجيات بل يهم عديد القطاعات الصناعية التقليدية كالحديد والصلب والاليمنيوم والتي تشكل نقطة الانطلاق في الحرب التجارية بين البلدين.

وتعتبر هذه النقطة من أصعب المسائل الخلافية فالصين تشير كذلك إلى أنها ليست البلاد الوحيدة التي تقوم بدعم صناعاتها فالولايات المتحدة تقوم بنفس الشيء وتقدم كذلك آلاف المليارات لدعم فلاحتها وبعض مؤسساتها الصناعية .
القضية الخلافية الخامسة تهم العملة الصينية Renminbi واستقرارها . فالسلطات الأمريكية تتهم السلطات الصينية بالتلاعب بمستوى ومحاولة تخفيضها بطريقة اصطناعية من اجل دعم تنافسية صادراتها في الأسواق العالمية. وتطالب الإدارة الأمريكية السلطات الصينية بدعم استقرار عملتها خاصة وان البنك المركزي الصيني له القدر الكافي من الاحتياطي من العملات الأجنبية من اجل دعم هذا التمشي .

المسألة الخلافية الأخيرة تهم إصلاح منظمة التجارة العالمية حيث تطالب الولايات المتحدة الأمريكية بالقيام بتغييرات جذرية في قوانين هذه المؤسسات وقوانين التجارة الدولية لتمنع الصين والبلدان الصاعدة الأخرى كالبرازيل والأرجنتين والهند وغيرها من التمتع بنفس امتيازات البلدان النامية. إلا أن الصين وحلفاءها من البلدان النامية رفضت رفضا قطعيا هذه المحاولات الأمريكية مما ساهم في تهميش منظمة التجارة الدولية والتراجع الكبير في دورها في السنوات الأخيرة .

تشكل هذه القضايا مسائل أساسية وجوهرية في الخلافات والحرب التجارية المعلنة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية منذ وصول دونالد ترامب إلى السلطة. وأصبحت هذه المواجهة المفتوحة بين القوتين الاقتصاديتين الأعظم في العالم تثير مخاوف كبيرة باعتبار انعكاساتها السلبية على الاقتصاد والنمو العالمي.
وهذه الحرب التجارية هي إشارة إلى الأزمة العميقة التي تعيشها العولمة وعجز المؤسسات الدولية عن إيجاد الحلول الضرورية لطي صفحة الحرب.
وفي رأيي فإن هذه الأزمة الاقتصادية والحرب التجارية المفتوحة تلتقي مع الأزمة السياسية وفقدان الثقة في الأنظمة الديمقراطية لتفتح العالم على المجهول ومستقبل مخيف يرتع فيه المغامرون والشعبويون .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499