في شرعية المبادرات المستقلّة والمواطنية الما بعد حزبية

بقلم: الطاهر اللباسي أستاذ جامعي

• هل التنظّم خارج الأطر الحزبية التقليدية شرعي؟

• هل هو ترف يخامر أذهان بعض المثقفين أم استجابة لرغبة عند عموم المواطنين؟

• هل من صالح العائلة الديمقراطية التقدّمية في تونس وفي إطار إنجاح الانتقال الديمقراطي أو تحقيق أهداف الثورة أن تبتدع أشكالا أخرى للتنظّم السياسي خارج ما هو موجود من كيانات سياسية راكمت تجارب وقدّمت تضحيات وشهداء خلال العقود الماضية؟

• هل تضعف المبادرات المستقلّة والمواطنية الأحزاب التي تدافع عن نفس المبادئ؟

هذه أسئلة شرعية تُطرح الآن بعد أن تعدّدت المبادرات المستقلّة عن الأحزاب السياسية والتي ترمي إلى خوض غمار الانتخابات التشريعية القادمة.
بادئ ذي بدء، تكتسب هذه المبادرات شرعيتها من مبدإ حرية الفرد في اختيار طرق الدفاع عن مصالحه شرط أن يلتزم بالقوانين المنظمة للعمل السياسي ويحترم دستور البلاد.

إن الدستور التونسي والقوانين ذات الصلة يضمنان حق المواطنين في التعبير عن أفكارهم وعن الدفاع عنها بالطرق السلمية وبالأشكال التي يحدّدها القانون.
والسؤال المطروح هو: لماذا تشهد بلادنا مثل عديد البلدان الأخرى شرقا وغربا تنامي ظاهرة التعبير السياسي خارج الأطر الحزبية؟

تجمع عديد الكتابات في العلوم السياسية والاجتماعية على أن الأحزاب كشكل تنظيمي للعمل السياسي اهترأت ولم تعد تفي بحاجة الأفراد إلى تغيير واقعهم. لقد مرّت الأحزاب ذات التوجه الديمقراطي الاجتماعي والتي دافعت عن الطبقات الفقيرة والوسطى وعلى الرأسمال الوطني بعديد التطوّرات ومارست الحكم في عديد البلدان.
وقد شهدت أوج عطاءها في منتصف الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي وحقّقت عديد النجاحات، في كثير من الحالات أو تحت ضغط النقابات نذكر منها منظومة الحماية الاجتماعية، وتقليص ساعات العمل، والعطل خالصة الأجر...

بعد مرور أكثر من نصف قرن وجنوح معظم الدول إلى التخلي التدريجي عن دورها التعديلي، ظهرت فئات هامشية ومجموعات من فاقدي السند واهترأت القدرة الشرائية للطبقات الوسطى.
لم تعد الأحزاب السياسية التقليدية قادرة على استيعاب هذه الفئات ولا التعبير عن مصالحها وخاصة منها الشباب العاطل عن العمل.

أحسّ المواطنون بضرورة ابتداع أشكال أخرى للتنظّم تضمن الضغط على أصحاب القرار خارج الأطر الحزبية التي أصبح العديد منها “ رهينة لرأس المال وأصحاب النفوذ.
من الأفضل للأحزاب التي تحمل مشروعا ديمقراطيا اجتماعيا أن تعمل على التنسيق مع هذه الأشكال الجديدة للعمل السياسي وألاّ تشيطنها.

تعمل عديد الأحزاب والشخصيات «الشعبوية» على الركوب على هذه الموجة لتوظيفها لصالحها بل واختراقها أيضا.

لذلك، أعتقد أنّه من الضروري للعائلة الديمقراطية الاجتماعية الواسعة من أحزاب ونقابات ونشطاء المجتمع المدني ومبادرات مواطنية وشخصيات وطنية أن توحّد جهودها لوضع أشكال تنسيق فيما بينها وتجنّب الاستعداء المتبادل.
لذا كما أرى أنّه من الضروري التفكير في شكل تنظيمي لم تظهر ملامحه بعد يجمع أو يوفّق بين الشكل الحزبي والشكل المواطني على أن توفّر له الشروط النظرية والعملية لنجاحه.

ما نشهده اليوم هو انحسار أو تقلّص دائرة الفعل الحزبي وتنامي المبادرات المستقلّة والمواطنية التي تفتقر في أغلبها إلى أفق و تموقع سياسي واضح إضافة إلى تذبذب نظري ملحوظ.

إنّ ما يشهده العالم الما بعد حداثي على المستوى الإيديولوجي والقيمي والأخلاقي والإعلامي يوفر الظروف الموضوعية لتنامي ظاهرة العمل المستقل عن الأشكال التي أنتجتها الحداثة. هناك عالم ينحسر فعله وعالم جديد يولد من رحم القديم، لا تزال معالمه غير واضحة و أفقه في حاجة إلى تأسيس وإلى فكر مؤطّر “lignes directrices حسب عالم الاجتماع الفرنسي إدقار موران .

إنّ هذا الجديد يتهدّده التوظيف من طرف الشعبويين ومن أطراف ترفض التغيير وتتمسّك «بمزايا» الديمقراطية التقليدية التي تتحكم في آلياتها ومؤسساتها ووظفتها لخدمة مصالحها.
تجاوز عمر الأحزاب بالمفهوم الحديث القرن والنصف إذا سلمنا أن ظهورها بدأ في أنقلترا سنة 1832 وفي الولايات المتحدة سنة 1830.

تتصرف الأحزاب السياسية ككيانات تعمل على تحقيق أهداف سياسية لا تختلف عن أهداف المبادرات المستقلة والمواطنية لكنها تختلف معها في الشكل التنظيمي.
ما يميز هذه المبادرات هو القدرة على التفاعل السريع مع المستجدات لمرونة في هيكلتها ولتمكين أفرادها ومكوناتها من هامش كبير من حرية الفعل مما يجعلها أكثر التصاقا بالواقع المعاش للمواطنين في الجهات.

يمكن لهذه المبادرات أن تكون عامل إثراء وتغيير وأن تستفيد منها الأحزاب السياسية إذا ما امتنعت عن شيطنتها واستعدائها والسعي لإقصائها من الفضاء السياسي.
إنّ حاجة عموم المواطنين على أخذ مصيرهم بأيديهم ينمّ عن ضعف الثقة في الأشكال التقليدية للعمل السياسي. فالسياسات التي اعتمدتها الأحزاب التي مارست الحكم إمّا أنّها يمينية دافعت عن مصالح الفئات المتنفّذة أو يسارية أجبرتها إكراهات الحكم والاقتصاد المعولم على تبنّي سياسات يمينية لا تختلف عن الأحزاب الأخرى.

إنّ ما يدفع المواطنين في عديد البلدان إلى التفكير في تموقع مواز هو اقتناعهم بعدم وجود فرق يذكر بين الحكم والمعارضة. فالشعار المتداول “كلّهم سواسية” يضع أحزاب الحكم والمعارضة في نفس السلّة. هناك شعور يعتمل في نفس المواطن يدفع نحو الانخراط في “كيانات جديدة “ حتى وإن لم تكن معالمها واضحة.
إنّ هذه الكيانات لا تخلو من مخاطر تهدّد مستقبلها وأوّلها إعادة إنتاج الممارسات التي تسبّبت في ضعف الأحزاب من زعامتية، ومركزية مفرطة، وتكلّس فكري يغيّب الطبيعة الفسيفسائية لهذه الأشكال الجديدة.

مازال الخطاب السياسي لهذه المبادرات في بداياته ويكتنفه الغموض وهذا طبيعي لأنّه مازال يبحث عن مفاهيم جديدة تميّزه عن الأحزاب، يبحث عن مفرداته وعن مجازاته وعن رموزه.

ما توحي به هذه المبادرات، وإن على نحو غير مصرّح به، «le non-dit» هو دعوة المواطنين إلى إعادة الروح للديمقراطية في معناها الأصلي «حكم الشعب» Démos cratos (أنظر كتاب Alain Boudieu – La république de Platon بعد أن لوّثتها أحزاب الحكم اليمينية وفشلت أحزاب الحكم اليسارية في عديد البلدان في التغيير الكامل لصالح الفئات الضعيفة التي ما فتئ عددها يتكاثر والتي يغريها خطاب الشعبوية مثلما حصل في أمريكا وأوروبا وعديد البلدان الأخرى.

تهدف هذه المبادرات المواطنية إلى إعادة السلطة إلى الشعب ليقرّر مصيره وما التشاركية والأفقية إلاّ مفردات في معجم السياسة الما بعد حزبية التي تؤسس لفعل سياسي جديد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499