كواليس النات : من يتحكم فى الانترنات ؟

بقلم: محجوب لطفي بلهادي
باحث مختص في التفكير الاستراتيجي

أكيد أن المتتبع العادي لعوالم النات المثيرة سيجيبك على الفور وبكل ثقة في النفس أنّهما قطعا الولايات المتحدة الأمريكية والصين باعتبار أنهما يخوضان منذ سنوات وإلى اليوم حربا تجارية شرسة رهانها الحقيقي من يتفوق على الآخر في مجال تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي.. رهان عبّر عنه في العديد من المناسبات وبمنتهى الوضوح الرئيس «ترامب» و«ماو الصين الجديد» الرئيس Xi Jinping.. بالرغم من وجاهة هذا الطرح فانه يتطلب مزيدا من التدقيق والتنسيب.
فعبارة « يتحكم » تستوجب التوقف عند النقاط التالية:
ما المقصود بلفظ «التحكّم» ؟
ألا يوجد خيط رفيع جدا بين «التحكّم» و«السيطرة» على جميع مفاصل الانترنات الصلبة hard والبرمجية soft؟
وان افترضنا جدلا أن هناك توجّها جدّيا - من دول وعمالقة الواب ومجتمع افتراضي مدني...- للسيطرة الكاملة على الشبكة فهل ذلك ممكن تقنيا بالنظر للهندسة اللامركزية المرنة والمفتوحة للانترنات؟
ما هي العناوين الكبرى «للتحكّم» في الانترنات ؟
هل يمكن اختزالها حصرا في حدود القدرة على اختراق عقول مستخدمي الانترنات أو تنفيذ هجمات سيبرنية عالية الدقة وبالغة الضرر؟
أم أن الأهم من كل ذلك معرفة من يتحكم في آليات تشغيل الانترنات كمنظومة متكاملة من البنى الأساسية؟
بين «العم سام» و«التنين الصيني» قصة مثيرة مع الانترنات.. سيناريوهاتها تشبه الى حدّ بعيد أفلام الخيال العلمى.. نجومها «صفحات نات» نارية و«تغريدات ترامبية» حربية تتصدر المشهد الاعلامى الدولي الراهن.

1 - التحكّم بمفردات التاريخ
بداية، الانترنات عبارة عن سلك من النحاس أو الألياف البصرية Fibres optiques.. نعم سلك منغمر في أعماق البحار والمحيطات عبر كوابل بحرية les câbles sous marins أو منبعث بواسطة الأقمار الصناعية أو الأبراج الهاتفية.. من خلالها تقسّم البيانات الى مجموعات من الحزم commutation par paquets يتم توجيهها الى مسارات مختلفة ومن ثم تجميعها ليس على حاسوب مركزي بل في نقاط استقبال متعددة وجد متفرقة مما يجعل من محاولة السيطرة بالكامل على الانترنات عملية دنكشوتية عبثية لا غير...

وظيفة الانترنات الأساسية تتمثل في ربط أجهزة الكمبيوتر فيما بينها ضمن سلسلة متداخلة من الشبكات الحاسوبية التي تتواصل مع بعضها البعض وفق قواعد تخاطب متفق عليها - بروتوكولات - تسمح بالتبادل الانسيابي للمعلومات والبيانات الخ.. بلغ عدد مستخدمي الانترنات حول العالم الى حدود موفي سنة 2018 أكثر من 4 مليار - أكثر من نصف سكان العالم - من بينهم 829 مليون مستخدم صيني حسب تقرير صادر عن «مركز معلومات شبكة الانترنات الصينية» CNNIC لشهر فيفري المنقضي، رقم مرشح للارتفاع.. ومن المرجّح أن تشهد شبكة الانترنات خلال بداية العقد القادم ثورة ثانية تعرف «بالانترنات الكمي» Internet Quantique التي ستغير بالكامل علاقتنا مع شبكة الشبكات...

تعود نشأة الانترنات الى خمسينات القرن الماضي، بالتحديد الى مرحلة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي وما عرفته من سباق غير مسبوق لإنتاج الأسلحة النووية الأكثر رعبا ودمارا في تاريخ البشرية.. حينها استشعرت الولايات المتحدة بالخطر على سلامة منظومتها الاتصالية في صورة تعرضها الى هجمات نووية سوفيتية.. للغرض تم تكليف إحدى الوكالات التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية DARPA المتخصصة في البحث والتطوير في المجال العسكري لاستنباط منظومة اتصالية تتميز بالمرونة الهيكلية والاستدامة الوظيفية مقارنة بالشبكة الاتصالية الهاتفية.. انطلق العمل البحثي بالشراكة الوثيقة بين وزارة الدفاع الأمريكية عبر مشروع «الاربانت» Arpanet (شبكة مشاريع الأبحاث

المتطورة) والدوائر البحثية لأكبر الجامعات الأمريكية أنذاك على غرار «بركلي» «وستانفورد»، و»كاليفورنيا».. في سنة 1969 تم تحقيق أوّل اتصال شبكي في جامعة كاليفورنيا بين أربعة حواسيب معلنة عن ولادة سليل الانترنات الحالي l’ancêtre de l’internet شبكة «الاربانت» Arpanet ..في البداية كان استخدام «الاربانت» حصرا للأغراض العسكرية والعلمية ذات العلاقة قبل أن تتوسع أكثر لتقتحم بداية الثمانينات العديد من المجالات المدنية.. لحظتها أمست الشبكة تعرف تحت مسمى «الانترنات» International Network  بدلا عن «الاربانت» .. ومنذ ذلك التاريخ والى اليوم لم يتوقف الأمريكان في حدود انجازات «الآباء المؤسسين» بل نجحوا بتفوق في خلق بيئة متكاملة حاضنة ومطورّة للانترنات.

في الجانب الآخر من الصورة، يعتبر اكتشاف الصينيين للانترنات حديثا نسبيا مقارنة بخصمهم الامريكي.. فالصين تلمست «طرق المعلومات والاتصالات» les autoroutes d’information et de communication موفى الثمانينات عبر إرسال أوّل بريد الكتروني سنة 1987 ثم تصميم شبكة نموذجية مرتبطة بالانترنات في العاصمة بكين متخصصة في علوم التربية والبحث العلمي سنة 1994.. إثرها انطلق «الزمن الرقمي الصيني» في التمدّد الجيوستراتيجي السريع ليبلغ ذروته بالإعلان عن مبادرة «طريق الحرير الجديد» التي تشكّل الإستراتيجية الرقمية الصينية قلبها النابض.. فالسّاعة المجتمعية الرقمية في الصين صمّمت في تماه ايديولوجي تام مع «سور الصين العظيم» المترامي الأطراف والمحكم الإغلاق.. بمواصفات محلية عالية الجودة تجعلها قادرة في المنظور القريب أن تحقق انترنات مختلف حامل هذه المرة لعلامة «صنع في الصين» Made in china في أول منعرج مزلزل في تاريخ الانترنات...
فان لم يكن للصين أي دور يذكر في المراحل التأسيسية الأولى للانترنات خلافا للولايات المتحدة الأمريكية، فإنها تعدّ اليوم - بالخصوص منذ صعود الرئيس الصيني الحالي Xi Jinping الى سدّة الحكم سنة 2013 - في مقدمة نادي الكبار للانترنات ومنافسا جديا وشرسا للولايات المتحدة الأمريكية في محاولة التحكّم في الفضاء الافتراضي...

2 - التحكّم في البنية الأساسية
على غرار جميع الاقتصاديات الأخرى يحتاج اقتصاد المعرفة - الانترنات أحد أعمدته الفقرية - إلى بنية أساسية توفر له مقومات التطور والديمومة...
على مستوى البنية التحتية تعتبر الكوابل البحرية les câbles sous marins التي تشتغل بتقنية الألياف البصرية العمود الفقري للانترنات internet backbone دونه لن يكون انترنات أصلا.. فالأقمار الصناعية على أهميتها لا تمثل إلا جزءا ضئيلا من تدفق المعلومات والبيانات عبر العالم بنسبة تناهز 2 الى 3 ٪ فقط في حين أن الكوابل البحرية (السلك الذي أشرنا إليه سابقا) يؤمّن لوحده قرابة 97 ٪ من التبادل الاتصالي المعلوماتي بين مختلف القارات.

لمن قد لا يعلم فالكوابل البحرية للاتصالات موضوع رهانات جيوستراتيجية كبرى وتدافع غير مسبوق بين مختلف الدول الصناعية الكبرى ومجموعة «البريكس» الصاعدة BRICS.. محمية بطبقات عازلة وسميكة وبأسلاك معدنية مضادة للأكسدة.. عددها في ازدياد مطرد يناهز 488 كابل بامتداد طولي يقارب 3،1 مليون كلم وبتكلفة تقدر بمليارات الدولارات.. تتوزع بشكل غير متساو بين مختلف بحار ومحيطات العالم حيث أنها تتركز بكثافة حول الثالوث الامريكي الياباني الاوروبي .. تديرها منذ التسعينات شركات عملاقة منها الفرنسي Alcatel Submarine Networks والأمريكي TESUBCOM والياباني NEC لتلتحق بهم مؤسسات رقمية ضخمة على غرار غوغل - تمتلك لوحدها 13 كابل بحري...- ومايكروسوفت وفايسبوك والصيني Huwaei والهندي TATA.. في سنة 2017 تمكنت فايسبوك ومايكروسوفت من وضع كابل بحري خاص بهما أطلق عليه إسم Le Marea بطول 6605 كلم يربط مراكز تخزين البيانات Data centre الاسبانية بولاية فرجينيا بسعة تدفق قياسية تعادل 160 Térabits/s...

أما بخصوص خارطة الكوابل البحرية الصينية في العالم فإنها تتوزع على محورين: محور يربط آسيا بإفريقيا وآخر بأوربا.. فالتنين الصيني مدرك تمام الإدراك بأن مستقبل العالم الاقتصادي يتجه تدريجيا نحو افريقيا وان نجاح خطة «طريق الحرير الجديد» تتوقف على مستوى حجم الاستثمارات في مجال البنى التحتية الرقمية عملا بقاعدة مركنتيلية قديمة «من يستثمر أكثر يربح أكثر».

معطيات تؤشر بوضوح الى أن لا أحد قادر أن يستأثر بمفرده بالمكوّن الحيوي للانترنات (الكوابل البحرية)، وأن تقاسم كعكة الكوابل البحرية بين الدول وكبريات الشركات الخاصة في العالم على أشده ولم تحسم نتيجتها بعد...
على مستوى البنى الفوقية يعتبر بروتوكول TCP/IP أهم البروتوكولات المشغلة للبنية التحتية للانترنات على الإطلاق.. فعندما تريد مهاتفة صديقك عليك برقمه أولا كذلك الشأن بالنسبة لتواصل الحواسيب فيما بينها داخل الشبكة، إذ أنه بات من الضروري الاتفاق حول لغة تخاطب موحدة بين مختلف الحواسيب انتهت في سنة 1972 الى استنباط بروتوكول لمراقبة

تبادل المعطيات أطلق عليه -Transmission Control Protocol / Internet Protocol - TCP/IP.. يتمثل دوره في إسناد معرّف رقمي ( عنوان IP ) مثل 230.457.980.206 واسم نطاق (DNS) على غرار icann.org لأي جهاز مرتبط بالشبكة (حاسوب، هاتف محمول، آلة طابعة، موجّه...).
منذ سنة 1998 وبمبادرة خاصة من نائب الرئيس الامريكى السابق Al Gore وضعت الإدارة الأمريكية يدها بالكامل على منظومة إسناد DNS / IP من خلال إحداث مؤسسة خاصة أطلق عليها اسم ICANN - Internet Corporation for Assigned Names and Numbers- مهمتها التصرف المطلق في أسماء النطاقات DNS وبروتوكولات

العناوين IP.. اليوم هذه المؤسسة محلّ تجاذب دولي حاد بين الولايات المتحدة الأمريكية والعديد من الدول والمؤسسات الدولية ومنظمات المجتمع المدني لما قد تشكله من مخاطر التلاعب بالعناوين والتحكم في الشبكة، فعملية إسناد نطاق ما لموقع ما من قبل ICANN هو فعل سياسي بامتياز من شأنه المساس بسيادة الدول...
للتحرر نهائيا من هيمنة ICANN وبغرض تشديد رقابتها على فضائها الافتراضي تحت عنوان «السيادة الرقمية» عمدت الصين منذ سبتمبر 2006 إلى إحداث نظام نطاقات وعناوين DNS / IP خاصا بها مستقلا تماما على ICANN من شأنه إخضاع عمليات التواصل برمتها من والى الشبكة تحت الرقابة القبلية للسلطات الصينية...
فالجزم بأن الانترنات تحت السيطرة المطلقة للأمريكان والصينيين فيه قدر من المبالغة يحتاج مزيدا من التنسيب. فالانترنات فضاء في حالة شياع un espace en état d’indivision تتنافس على اقتسامه مجموعة من القوى – دول وشركات عملاقة خاصة الخ – تتزعمها الولايات المتحدة ثم الصين.

في الختام، أين نحن من كل ما يجري من حولنا من تحولات كبرى ؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية