رغم وضع «الجابد والمجبود»: الأمل لا يزال قائما في انقاذ المشروع الوطني التونسي

لقد لفت انتباه الرأي العام استعمال رئيس الجمهورية في كلمة التهنئة بحلول شهر رمضان المعظم لعبارة «بين جابد و مجبود» لوصف حالة الاحتقان

والعبثية التي اصبحت تميز المشهد السياسي منذ مدة. واعتقادنا أن ضربة البداية لهذا التدحرج السريع للوضع السياسي نحو الأسفل قد انطلقت منذ حوالي سنة عندما تم الاعلان عن تعليق حوارات قرطاج 2 و التخلي عن منطق الحوار والتوافق خصوصا فيما يتعلق بالعلاقة بين رأسي السلطة التنفيذية.
منطق التوافق جنبنا الأسوأ...

إن الصعوبات العديدة والمتناقضة من سمات كل المراحل الانتقالية من نظام حكم الى آخر. فلا غرابة أن تتميز مثل هذه الفترات التاريخية الانتقالية بتقلبات اجتماعية وسياسية بين قوى مختلفة وبروز اختلافات في الرؤى بين متطلبات تركيز أسس النظام الجديد وضرورة تلبية المطالب الاستعجالية والملحة للفئات و الطبقات الاجتماعية التي لم تتمكن زمن الاستبداد من التعبير عن طموحات ظلت مكبوتة لعقود طويلة.

و بالنسبة لبلادنا فقد مثل منطق الحوار المستمر قصد إيجاد توافقات مرحلية لتجاوز الازمات – على علاته - صمام أمان لتلافي الهزات أو على الأقل التخفيف من التداعيات التي لا مناص منها في ظروف الانتقال السياسي.

لا يسمح المجال هنا لاستعراض كل ما أفرزه منطق التوافق من فوائد على المسار الانتقالي التونسي وجعله محل اهتمام عالمي سواء من خلال تجربة الحوار الوطني التي أفضت الى ميلاد دستور الجمهورية الثانية وانتخابات سنة 2014 أو قبل ذلك في فترة عمل الهيئة الاستشارية التي أشرف عليها الأستاذ عياض بن عاشور .كذلك ورغم بعض الصعوبات و المشاكل الناجمة عن إكراهات التوافق ورغم النقائص و العثرات العديدة التي ميزت عمل حكومة الوحدة الوطنية إلا أن التوافق الحاصل في وثيقة قرطاج 1 صائفة 2016 بين المكونات الأساسية للمشهد الحزبي والاجتماعي جعل البلاد تصمد أمام عديد الهزات الاجتماعية والسياسية ويتم التوافق في كل مرة - ولو بصعوبة.- بفضل مجهود جماعي لتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية أوالفئوية أو الجهوية .

واليوم يمكن القول أن فقدان الحوار قد فتح الأبواب على مصراعيها للاصطفافات الظرفية وتوفير أغلبيات حينية من أجل هدف وحيد : محاولة الاطاحة برئيس الحكومة وبحكومته بكل الوسائل وبمناسبة كل قرار مثير للجدل يأخذه وكل صعوبة صغيرة أو كبيرة تحل بالبلاد- وهي عديدة - و بمجرد وقوع أي حادثة - وما أكثر الحوادث في المدة الأخيرة (تعيين وزير جديد للداخلية في الصائفة الماضية - التحوير الوزاري في الخريف - فاجعة الرضع- فاجعة العاملات الفلاحيات ...) أي أن التخلي عن نهج الحوار وعن البحث عن توافقات إيجابية قد شكل عاملا مهما من العوامل التي أدخلت البلاد في مرحلة التجاذبات بين «جا بد ومجبود».

و بطبيعة الحال فإن اقتراب المواعيد الانتخابية التشريعية والرئاسية قد زاد الأوضاع تعقيدا و احتقانا وأصبح اللهث وراء التموقع لكسب أوفر الحظوظ في الانتخابات القادمة الهم الاساسي لجل الأحزاب السياسية و الوسائط الاعلامية التي لم تعد ترى من سبيل للظهور وجلب الانتباه اليها إلا النزوع الى المزايدات الشعبوية و إلى السب و الشتم وحتى هتك الأعراض...

حرب الكل ضد الكل ...

ان من أسباب التوتر الكبير الذي يعيشه المواطن ما أصبح يميز المشهد السياسي من عبثية و من حرب الكل ضدّ الكل حيث لا ترى أي خيط ناظم بين كل التحركات والتعبيرات الاجتماعية - رغم مشروعيتها أحيانا- والتي يتجلى البعض منها في شكل أعمال وتحركات تضر بالقدرات الاقتصادية للبلاد و مصالح المواطنين الحيوية (الفسفاط- المحروقات- النقل – الصحة الامتحانات ...) وتؤدي الى اضعاف الدولة ومزيد إرباك عمل الحكومة حتى فيما تتخذه من إجراءات للتخفيف من صعوبة الاوضاع والحد من وطأة الظروف المعيشية القاسية للمواطنين و بصفة خاصة ضعاف الحال منهم.

في ظل هذه الأجواء المشحونة أصبحنا نعيش على وقع تحولات سريعة تكاد تكون يومية وسط مشهد سياسي متشظ ومتناقض في توجهاته. فقد شمل هذا التوجه العشوائي الأحزاب التي عرف معظمها أزمات وتناقضات وانقسامات عميقة، منها مثلا الأزمة التي عاشها مبكرا حزب «نداء تونس» وما عرفه من انقسامات متتالية ومتعددة حولته من الحزب الفائز في الانتخابات الى أحزاب عديدة يتنافس جلها على البروز كأول حزب معارض الحكومة والساعي إلى عرقلة عملها... ، و منها الآزمة التي يعيشها اليوم حزب «المسار» بعد ما حصل فيه على المستويين التنظيمي و السياسي فبدد تراثه النضالي و الفكري والقيمي المتميز وجعل منه حزيبا لا يتميز في شيء عن امثاله العديدة في الساحة السياسية...
كما حدا تفكك حزب «نداء تونس» بعدد من قيا دييه ومن الوجوه السياسية التقدمية إلى بعث حزب «تحيا تونس» هدفه المعلن إنقاذ المشروع الإصلاحي الواسع الذي تأسس عليه «نداء تونس» .

ومن الظواهر التي تميز كذلك هذا المشهد تعدد «المبادرات المدنية» التي تعلن أنها تعتزم تقديم قائمات انتخابية مما يجعل منها في الواقع تنظيمات سياسية تطمح الى منافسة الأحزاب التقليدية أو تعويضها نظرا لما تعانيه من وهن وانقسام و تشتت وعزوف جزء من الرأي العام عنها. ورغم أن الظاهرة صحية باعتبار ما يمكن أن تمثله من أطر قادرة على استيعاب عديد الكفاءات والحد من العزوف عن الشأن السياسي و حشد الطاقات للتصدي للإسلام السياسي فإن المتتبع يسجل بكل أسف أن جل تلك المبادرات تعمل بدورها على التنافس- لا فقط مع الأحزاب المدنية بل كذلك مع المبادرات الأخرى وتسعى الى أن تشكل قلاعا تسعى لابتلاع المبادرات الأخرى والإنفراد بالفضاء الديمقراطي الواسع. وهوما من شأنه أن يساهم في تعميق الفجوات بين مختلف القوى المدنية والديمقراطية ويفتح الباب واسعا أمام القوى التي تطرح هذه المبادرات على نفسها مهمة التصدي لها .

امكانيات التجاوز وتجديد المشروع الوطني التونسي لا تزال قائمة
أمام هذه الأوضاع المعقدة و ما يتهدد البلاد من أخطار داخلية نتيجة انتعاشة القوى الغوغائية التي تتغذى من أجواء الضبابية السياسية و الخوف من الاخطار اللأمنية والصعوبات الاقتصادية والمعيشية وكذلك من الصعود الصاروخي لقوى الجذب الى الوراء التي تتغذي من أوحال قصر الذاكرة وابتعاد أخطار الاستبداد بات عدد كبير من المواطنات و المواطنين

الصادقين في حيرة من أمرهم وأصبح جزء منهم مترددا لا يعرف الوجهة التي سيتخذها ولمن يمكن له منح ثقته قصد المحافظة على مكاسب الدولة الوطنية.
ففي انتخابات 2014 كان الأمر واضحا نسبيا نتيجة النهج الانتقامي الواضح الذي بشر به الاسلام السياسي والقوى الانتهازية التي تحالفت معه ،الشيء الذي سريعا ما ولد شعورا عاما بالخوف أدى إلى إسقاط حكومة الترويكا والى بروز تجمع وطني قوي لإيقاف هذا التيار الجارف عبر منح عدد كبير من المواطنات و المواطنين ثقتهم إلى السيد الباجي قائد السبسي ولقائمات حزبه رغبة منهم في الدفاع عن النموذج التونسي .

أما اليوم فالحيرة والخوف لم يعودا متأتين فقط من مخططات الاسلام السياسي - والتي أمكن نسبيا كبحها والحد من تأثيرها بفضل يقظة جزء هام من المجتمع و بفضل مكتسبات الدستور العصرية والحداثية – بل إن الفشل النسبي للقوى المتعلقة بالمشروع الوطني التونسي و تشتتها وضع اليوم مستقبل هذا المشروع موضع خوف وتساؤل مما يجعل من أوكد الواجبات الملحة والأسئلة المطروحة البحث عن أقوم المسالك و أنجع الحلول لإعادة البريق لذلك المشروع الذي أنار سبيل التوق الى التحديث والإصلاح منذ أواسط القرن التاسع عشر.

فهل يكمن الحل في التركيز على النقد الاوتوماتيكي للحكومة ولكل مبادراتها والاكتفاء باستغلال كل هفوة من هفواتها و السعي إلى حشد جميع من هم ضد منظومة الحكم الحالي مهما كانت توجهاتهم باعتبار ذلك تموقعا يمكن من الحصول على أصوات الضحايا والمتضررين من الأوضاع والسياسات الحالية؟

أم أن الحل في التركيز الكلي على المسألة الاقتصادية والاجتماعية وحدها والدعوة الى تجميع العائلة اليسارية (أو جزء منها) حول انموذج تنموي بديل والتبرؤ من منظومة الحكم القائمة و التصدي الكلي الى النهضة و النداء وعن جميع مشتقاتهما منفردة أومجتمعة؟ أم الحل يكمن في السعي إلى إحياء «نداء تونس التاريخي» عبر محاولة تكرار تجربته الطريفة و التعويل على امكانية استرجاع مكوناته لوحدتها بعد أن انفرط عقدها وتفرخت إلى كيانات سياسية متعددة ومختلفة بل متنافرة أو في حزب» تحيا تونس» كتجربة ترمي إلى بعث تنظيم جديد وقوي عبر تثمين ما كان إجابيا في تجربة «نداء تونس و استخلاص الدروس من فشل تلك التجربة وتلافي الأخطاء التي تسببت في الفشل ، حزب من شأنه أن يشكل، حسب

مؤسسيه، قاطرة لتجميع القوى الطامحة إلى إعادة بناء التوازنات لحماية المشروع الوطني والإصلاحي التونسي ؟ أم أن الحل يكمن في البحث عن بناء تحالف من نوع جديد بين أوسع القوى المدنية و التقدمية والحداثية –أحزابا و جمعيات و مستقلين - بقطع النظر عن اختلاف تجاربها السابقة وتنوع مسارتها عبر تغليب التقاطعات و تنسيب الاختلافات حتى ؟

إننا ، «مساريون لتصحيح المسار» المنتمين إلى اليسار الوطني المتخلص من القوالب الجامدة و المنتصر للفكر الاجتماعي والتحرري والذي يعطي في نفس الوقت كل الأولوية للمهام الاجتماعية و للمهام الوطنية نرى أنه لا بد لهذا اليسار المسؤول والعقلاني أن يقيم التقييم الرصين كل المحاولات والتعبيرات السياسية التوحيدية باعتبار أن مثل هذا التوجه التوحيدي الجاد سيشكل حافزا لتجاوز حالة الوهن والتشتت التي لن تخدم المشروع الوطني. لكننا نعتقد أيضا أنه لا حل للمشاكل المعقدة التي تعيشها بلادنا و شعبنا إلا بالتصدي في الآن نفسه، لا فقط إلى المشاكل السياسية المتأكدة بل و كذلك و بصفة عاجلة إلى مشاكل الفقر والبطالة و انعدام العدالة الاجتماعية...

لذا فإننا نرى أن صيانة المشروع الحضاري الإصلاحي و التحديثي وتطويره واستكمال مهام الانتقال الديمقراطي تتطلب السعي إلى تجميع أوسع القوى الوسطية والتقدمية (لنقل إلماما تلك الموجودة بين الاسلام السياسي واليسار المنغلق على نفسه والرافض لكل تحالف) على أساس أرضية سياسية واقتصادية ذات توجه ديمقراطي و اجتماعي شجاع تستجيب لمطالب ثورة الحرية والكرامة .اننا نعتقد أن مثل هذا التجمع وعلى مثل هذه الأرضية من شأنه أن يمثل عرضا انتخابيا مقنعا للشباب ولأوسع فئات الشعب وعرضا يعيد للمشروع الوطني بريقه ويكسبه الدفع الضروري لإنجاح المرحلة التاريخية التي تسير فيها بلادنا.
«مساريون لتصحيح المسار»

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499