برج بابل: سبر الآراء الانتخابي: يصمت من يستفيد

من الصدف المثيرة أن عمليات سبر الآراء الانتخابي دشنت حضورها على الساحة الديمقراطية بمفاجأة مدوية. كان ذلك في انتخابات الرئاسة الأمريكية

في العام 1948 عندما أجمعت كبريات مراكز سبر الآراء على تفوق المرشح الجمهوري «ديوي». إلا أن الناخب الأمريكي آنذاك أعطى الأفضلية للمرشح الديموقراطي «ترومان» الذي أصبح الرئيس الثالث والثلاثين للولايات المتحدة الأمريكية. كانت المفاجأة مدوية بالرغم من أن عمليات سبر الآراء الانتخابي لم تخطئ المرمى منذ انطلاقتها منتصف ثلاثينيات القرن الماضي قادمة من المجال التجاري عبر قيس رضاء المستهلكين وأذواقهم.

هل توجه عمليات سبر الآراء الانتخابي الحقيقة الانتخابية؟ بمعنى آخر هل تتدخل عمليات سبر الآراء في تحديد المنتصر والمنهزم في أي انتخابات؟

تشير دراسات السوسيولوجيا الانتخابية أن مراكز سبر الآراء وعملياتها لا توجه بشكل حازم توجهات الرأي العام. أي أنها لا تمتلك القدرة خلافا لما يظنه الكثيرون على تحديد خارطة النتائج الانتخابية وتفاصيلها. كل ما تقوم به هو فضح النتائج قبل أوانها. هي مرآة عاكسة للوضع الانتخابي لحظة القيام بالاستبيان. وهو وضع سياقي يتلون بالأحداث وبمستجدات الأيام التي تم خلالها إجراء سبر الآراء.

ثمة أربعة عناصر تحوم حول عمليات سبر الآراء. العنصر الأول هو الجانب المعياري والأخلاقي، أي كل ما يرتبط بموضوعية القيام بسبر الآراء وبشفافية الإجراء، كأن لا يكون موجها لفائدة جهة على حساب أخرى وأن لا يكون انتقاما سياسيا من جهة بعينها. ثاني العناصر هو البعد الإجرائي بما يعنيه ذلك من إنجاز عينة مدروسة بكل المقاييس العلمية، ممثلة بشكل كبير للجسم الانتخابي مع أسئلة واضحة وغير موجهة بطريقة توحي بانحياز لفائدة طرف دون آخر. ثالث العناصر هو الاعتقاد في أن عمليات سبر الآراء هي الصندوق الفعلي للانتخابات الديمقراطية بما يعنيه ذلك من حسم النتائج قبل وقوع الانتخابات إذ هي تجعلنا نعيش الانتخابات أشهرا عديدة قبل موعدها. العنصر الرابع هو هذه السلطة السياسية الرمزية التي تمتلكها مراكز سبر الآراء بحيث تصبح هي المتحكم في المسار الانتخابي برمته كما يعتقد الكثيرون من مناوئيها ويصل البعض إلى عرض نفسه ضحية انتخابية لهذه المراكز.

بدأت عمليات سبر الآراء الانتخابية في تونس بعد الثورة وهذا في حد ذاته معطى إيجابي يحسب لفائدة الانتقال الديمقراطي. بالرغم من غياب قانون منظم لها و هو ما يجعلها أمام إمكانيات ممارسة الابتزاز السياسي .أغلب النتائج التي أعلنتها مراكز سبر الآراء في تونس كانت وفية للنتائج الانتخابية المسجلة عبر الصندوق. بعض هذه المراكز اكتسبت شرعية وجودها واستمراريتها من خلال تطابق تكهناتها مع النتائج الرسمية المعلنة وهناك أيضا من كانت توقعاته مغايرة لنتائج الصندوق.

من المهم في هذا الصدد ملاحظة أن بعض عمليات سبر الآراء لا تعلن نتائجها للعموم. هذا الصنف من العمليات تطلبه في الأغلب الأحزاب السياسية أو بعض المنظمات الدولية لحسابها الخاص. ويحدث هذا إما من أجل تعديل البوصلة وهذا شأن الأحزاب السياسية وإما من أجل معرفة دقيقة للوضع السياسي والانتخابي وهذا يهم بعض المنظمات الدولية أو بعض الدول التي يهمها أمر الانتخابات في تونس. تمثل عمليات سبر الآراء تحت الطلب فرصة للأحزاب السياسية لمعرفة حجمها بدقة من حيث مستوى أعمار ناخبيها ومن حيث الجهات التي ينتمون إليها مثلا أو من حيث النوع الاجتماعي وغيرها من المتغيرات التي يقترحها طالب الخدمة ما يجعله قادرا على تعديل أوتاره أو الاطمئنان عليها قبل الموعد الانتخابي.

العلاقة بين الأحزاب السياسية ونتائج عمليات سبر الآراء فيها الكثير من الانتهازية السياسية والانتخابية. هي محكومة دوما بمبدإ الصمت مقابل الاستفادة. يصمت على عمليات سبر الآراء من وجد نفسه في مرتبة مريحة أو وجد نفسه في صعود انتخابي تاريخي. في هذه الحالة لا تهم كيفية إنجازها ولا كيفية تمثيليتها ولا يقع في الغالب التشكيك في نتائجها. يحدث التشكيك والرفض بمجرد أن تتغير المعطيات الانتخابية التي تخص الحزب السياسي ومنافسيه. سلوك الصمت مقابل الاستفادة سلوك يؤشر إلى غياب ثقافة المنافسة الديمقراطية في ذهنية السياسيين والأحزاب ويؤشر أيضا إلى عدم الرغبة في إدارة الشأن الديمقراطي بقواعد واضحة ومتفق عليها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا