قهوة الأحد: مأساة السبالة في سيدي بوزيد وأزمة المنوال الفلاحي

كان لمأساة السبالة والحادث المريع الذي ذهب ضحيته 15 عاملا من ضمنهم 12 عاملة في القطاع الفلاحي تأثير كبير على الرأي العام في بلادنا .

فقد أثار الكثير من الحزن والألم من قبل كل التونسيين للظروف التي تعيشها هذه القطاعات المهمشة من العملة الفلاحيين والمتكونة في جزء كبير من النسوة .

وقد أعادت هذه المأساة إلى الحوار العام الأوضاع الصعبة التي تعيشها هذه القطاعات والتي أشارت إليها تقارير عديد جمعيات المجتمع المدني والتي أكدت على الظروف الاجتماعية القاسية التي يعيشها عملة القطاع الفلاحي . فإلى جانب ظروف العمل القاسية وفي بعض الأحيان البدائية فإن الأجور ضعيفة ولا تحترم في اغلب الأوقات الأجر الأدنى الذي حددته الدولة . كما أن اغلب العملة لا يتمتعون بالتغطية الاجتماعية مما يجعلهم عرضة للأمراض وغير قادرين على التوجه للقطاع الصحي وللمستشفيات من اجل التداوي. كما يعاني هذا القطاع من ظروف النقل التي لا تحترم أدنى مقومات السلامة مما يجعل العملة عرضة للحوادث المفجعة والقاتلة .

لقد وضعت هذه المأساة الأليمة الإصبع على الظروف القاسية واللانسانية التي يعيشها العملة في القطاع الفلاحي وضرورة اخذ القرارات لتحسينها . فلقد أكد المسؤولون في الحكومة على ضرورة احترام قوانين الشغل ومستويات التأجير القانوني في القطاع الفلاحي . كما أشارت عديد المنظمات الاجتماعية كالاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الفلاحين الى إمضاء اتفاقية تهم نقل العملة الفلاحيين منذ 2016 وجب التسريع في تطبيقها. أما جانب التغطية الاجتماعية فقد أشار وزير الشؤون الاجتماعية إلا انه وقع البدء في تطبيق الإجراءات الجديدة والتي ستمكن العملة الفلاحيين من الوقاية من الأمراض وضمان حد أدنى من التغطية الصحية .

أثارت هذه المأساة قضايا العملة الفلاحيين والظروف الصعبة التي يعيشونها يوميا من اجل ضمان لقمة العيش . وقد مكنتنا هذه الأزمة من التوقف على مسائل أساسية لهذه الفئات الاجتماعية من المستوى الضعيف للأجور وغياب التغطية الاجتماعية وغياب أدنى قواعد السلامة لوسائل النقل .وفي رأيي وعلى أهميتها فإن هذه المسائل ليست إلا نتائج لقضايا أهم وأعمق والتي تهم منوال التنمية الفلاحي ونظرتنا ورؤيتنا لمكانة القطاع الفلاحي في مشروعنا التنموي .

لقد عملت دولة الاستقلال منذ السنوات الأولى لوصولها للسلطة إلى ضبط برنامج تحديثي شامل يهدف إلى عصرنة الدولة والاقتصاد والمجتمع . ففي المجال السياسي والمؤسساتي عملت دولة الاستقلال على القطع مع الهياكل البالية الموروثة من قرون التخلف والخروج من التاريخ والقهر الاستعماري من خلال بناء نواتات للدولة الحديثة والمؤسسات العصرية والتي ستكون الجامع الجديد لكل مكونات المجتمع وستفرض عليه نوعا من الانصهار في إطار ما سمي بالوحدة الوطنية .

وعملية التحديث لن تقف عند الجانب السياسي بل ستمتد إلى الجانب الاجتماعي من خلال الاستثمارات الكبرى في قطاع الصحة والتعليم . كما قامت ببعث الصناديق الاجتماعية والتي مكنت المجتمع من الخروج من أنماط التضامن التقليدية المرتبطة بالجماعة والدخول في أشكال جديدة من التضامن تكرس وتدعم حرية الفرد واستقلاليته .وقد ساهمت السياسات التحديثية الاجتماعية في بناء مشروعية الدولة الحديثة وجعلها الإطار الجديد للانتماء والخروج بالتالي من الأطر التقليدية .
أما الجانب الثالث لعملية التحديث فيهم الجانب الاقتصادي الذي سيرتكز على ثلاث ركائز أساسية .

الركيزة الأولى تهم دور الدولة التي ستلعب دورا مركزيا في بناء الاقتصاد الحديث من خلال استثماراتها والمؤسسات العمومية .الركيزة الثانية تخص دور السوق الداخلية والتي ستكون المحرك الرئيسي للنمو قبل أن تلتحق بها السوق الخارجية في منتصف السبعينات .
أما الركيزة الثالثة فتهم الدور الأساسي الذي ستعطيه الدولة للصناعة على حساب القطاعات الاقتصادية الأخرى وبصفة خاصة الفلاحة .فالصناعة ستشكل العمود الفقري لنمط التنمية الذي سيقع اتباعه. وسيكون هذا التمشي وهذا الاختيار وراء الأزمة العميقة التي يعيشها القطاع الفلاحي منذ ذلك الوقت .

ويمكن أن نرجع أسباب هذه الأهمية التي تم ايلاؤها للصناعة على حساب القطاعات الأخرى وبصفة خاصة القطاع الزراعي إلى ثلاث نقاط أساسية .المسالة الأولى إيديولوجية ثقافية مرتبطة بقناعة شائعة في الفكر الحداثي من أن الريف والزراعة هما حاملا الفكر التقليدي والمحافظ والمناهض للتقدم ولتطور المجتمعات وخروجها من عصور الانحطاط. وبالمقابل فقد كانت هناك قناعة أن المدن والصناعة هي مجالات التغيير والقطع مع القديم والانفتاح على العالم لبناء الجديد. وساهمت هذه القناعة في النظرة الدونية التي حملها الفكر التحديثي للريف وللقطاع الزراعي وجعل المدينة والصناعة في أولى اهتماماته .

المسألة الثانية والتي ساهمت في تهميش الزراعة مقارنة بالصناعة تخص الفكر الاقتصادي ورؤية مختلف النظريات الاقتصادية لمختلف القطاعات ولقد أكدت مختلف النظريات على أن التطور الطبيعي للاقتصاد والمجتمعات يمر من القطاع الاولي (secteur primaire) والذي يشمل الزراعة إلى القطاع الثانوي (secteur secondaire) إلى أن يصل إلى القطاع الثالث أو الخدمات .وهذه الدينامكية للحركية الاقتصادية مرتبطة بتطور إنتاجية القطاعات الثلاثة على مر التاريخ حيث تعرف الزراعة مستويات منخفضة مقارنة بالقطاعات الأخرى مما يسبب تراجع مردوديتها ودورها في الاقتصاد الوطني .

أما السبب الثالث وراء تراجع دور الزراعة في السياسات العامة فهو تنموي ومرتبط بالاختيارات الكبرى لدولة الاستقلال . لقد عملت السياسات التنموية ووضعت هدفها الاستراتيجي في ضرورة الخروج من واقع التبعية الذي ورثناه عن الاستعمار من خلال تخصص بلادنا في إنتاج المواد الفلاحية والمواد الأولية . أما المواد الصناعية فلن تشهد إلا تطورا محدودا لتبقى بلادنا سوقا مفتوحة للمنتوجات الصناعية القادمة من المركز .وقد عملت السياسات التنموية بعد الاستقلال على الخروج من النمط الاستعماري من خلال تنويع الاقتصاد ودعم الإنتاج الصناعي للحد من التبعية للمركز فعرفت بلادنا تطورا هاما للاستثمارات الصناعية من اجل دفع الإنتاج المحلي للمنتوجات الصناعية وإحلالها محل الواردات القادمة من المركز .
كان لهذه السياسات وللأولوية التي أعطتها دولة الاستقلال للقطاع الصناعي انعكاسات كبيرة على الاختيارات القطاعية وساهمت إلى حد كبير في تهميش القطاع الفلاحي وفي التطور اللامتكافئ بين الصناعة والفلاحة والريف والمدينة .

وسيعيش القطاع الفلاحي منذ بداية الاستقلال واقعا مريرا من التهميش والضغط لتحويل الفائض إلى القطاع الصناعي والى المدن من خلال تراجع الاستثمارات في القطاع الفلاحي وتراجع كل أشكال الدعم لهذا القطاع وسياسة الأسعار الضعيفة .وسيتبع المنتجون والفلاحون والمؤسسات الفلاحية سياسة صارمة من اجل الحد من تكلفة الإنتاج والحفاظ على حد معين من المردودية وستكون هذه السياسات وراء تدهور الاجور في هذا القطاع وغياب التامين والتغطية الاجتماعية وظروف التنقل البدائية والتي لا تحترم أدنى مقومات السلامة . وستساهم هذه الاختيارات في ظهور مستويات كبيرة للاستغلال في القطاع الفلاحي وتراجع الإنتاج الذي أصبح يهدد الأمن الغذائي ونمو التبعية للأسواق العالمية لتوفير حاجياتنا الغذائية .

ولم تقتصر هذه الاختيارات والسياسات في الميدان الزراعي على بلادنا بل شكلت جوهر البرامج التحديثية في اغلب بلدان العالم على مدى عقود طويلة . ولئن واصلت اغلب البلدان النامية في إتباع هذه السياسات والاختيارات الكبرى إلى يومنا هذا فلقد عرفت البلدان المتقدمة تغييرا كبيرا وجذريا في سياساتها الفلاحية منذ نهاية ستينات القرن الماضي . فقد تراجعت اغلب البلدان المتقدمة في أوروبا وشمال أمريكا وآسيا عن هذه الاختيارات لتنطلق في سياسات جديدة تساعد وتساهم في دعم القطاع الفلاحي والخروج من حالة التهميش التي عرفها منذ بدايات النظام الرأسمالي .

ويمكن أن نجد تفسيرا لهذا التغيير في النظرة إلى القطاع الفلاحي في ثلاثة أسباب رئيسية. السبب الأول يعود إلى المسائل الإستراتيجية وتطور نظرة جديدة تعتبر الأمن الغذائي احد المكونات الأساسية للآمن القومي . فاتجهت هذه البلدان الى بناء سياسات فلاحية جديدة تسعى إلى توفير الحاجيات الغذائية الأساسية من الإنتاج الداخلي والحد من الاعتماد على الأسواق الخارجية وعلى التوريد في هذا المجال دون النظر إلى قوانين السوق .

أما السبب الثاني في تغيير نظرة هذه البلدان للقطاع الفلاحي فتعود إلى مستوى الفقر والتهميش الذي أصبحت تعيشه الأرياف .فكان من الضروري تحسين الظروف المعيشية للفلاحين من خلال استثمارات كبيرة في الأرياف في الصحة والتعليم والبنية التحتية .
أما السبب الثالث فيرجع إلى أهمية دعم الأرياف من اجل الحد من ظاهرة النزوح والضغط المتزايد على المدن من القادمين من الأرياف للبحث عن الشغل وعن تحسين ظروف معيشتهم.

لعبت هذه الأسباب دورا أساسيا في تغيير نظرة البلدان المتقدمة للقطاع الفلاحي وفي ظهور سياسات جديدة ومغايرة تسعى إلى دعم الزراعة وإخراجها من واقع التهميش الذي عرفته لعقود طويلة . فقامت اغلب الحكومات باستثمارات كبيرة في القطاع الفلاحي وفي الأرياف . كما قامت بضبط سياسات جديدة في ميدان الأسعار للمنتوجات الفلاحية من اجل تحسين مردودية القطاع كما وضعت اغلب هذه البلدان سياسات حمائية تهدف إلى حماية المنتوجات الداخلية من المنافسة الأجنبية ودعمت السياسات العمومية الاستثمارات الخاصة من اجل تطوير إنتاجية القطاع .

ساهمت هذه السياسات في تطوير القطاع الفلاحي وتحسين مردوديته وتطور الإنتاج الفلاحي مما مكن هذه البلدان من تحقيق أمنها الغذائي . إلا أن البلدان النامية مثل بلادنا حافظت على نفس السياسات البالية مما ساهم في أزمة القطاع الفلاحي وتهميشه وبؤس الفئات الاجتماعية التي تقتات من هذا القطاع .

إن مأساة السبالة والى جانب تحسين ظروف عيش وعمل العملة الفلاحيين فإنها تطرح قضية اشمل وأعمق وتهم أزمة المنوال الفلاحي الذي اخترناه منذ الاستقلال والذي ساهم في بؤس العملة الفلاحيين وغربتهم وتدهور أمننا الغذائي وتبعيتنا المتزايدة للأسواق العالمية ولئن طرحت الثورة قضية تغيير النمط التنموي وبناء نمط جديد فإن المسالة الزراعية ستكون إحدى المسائل الأساسية التي يجب الخوض فيها في إطار عملية إعادة التأسيس للمشروع التنموي الجديد في بلادنا . وفي هذا الإطار لابد لنا من القطع مع النظرة الدونية للريف والقطاع الفلاحي السائدة منذ الاستقلال والإعداد لمشروع فلاحي جديد يربط بين نهاية البؤس والاستغلال وتحسين الإنتاجية من اجل دعم أمننا الغذائي .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا