كواليس النات: المسكوت عنه فى «شبكات التواصل الاجتماعي»: فايسبوك نموذجا !

بقلم: محجوب لطفي بلهادي

باحث مختص في التفكير الاستراتيجي

هناك العديد من التعريفات لشبكات التواصل الاجتماعي منها المبسّط الى حدّ الابتذال ومنها المركّب

فى غاية التعقيد ! باختصار شديد هي مجموعة من البرمجيات الذكية مصمّمة - فى الظاهر على الأقل - بغاية خلق مساحات «تواصل تفاعلي» واسع ومستمر بين الأفراد والمجموعات.. منها ما هو موجّه لتوطيد علاقات شخصية قائمة أو لنسج علاقات جديدة، أبرزها على الإطلاق موقع الفايسبوك وذلك لاستقطابه لأكثر من 2 مليار و320 مليون مستخدم نشط شهريا ( 7 ملايين و100 ألف مستخدم فى بلادنا الى حدود موفى سنة 2017 وفق دراسة أجرتها موقع «ديسكوفري ديجيتال»).. ومنها من اتخذ منحى مهني يعنى بعالم الأعمال والتوظيف على غرار الموقع الامريكى الشهير LinkedIn وأخرى تخصصت فى تبادل الصور مثل موقع «الانستغرام» الخ..

فمنذ تصميم خدمة الواب سنة 1989 (العمود الفقري لشبكات التواصل الاجتماعي) على يد الباحث البريطاني Tim Berners-Lee عرفت الشبكة العنكبوتية العالمية (WWW) طفرات متتالية وعميقة، فمن جيل الواب 1.0Web الثابت statique الذي يمكّنك فقط من تصفّح الروابط النصيةles liens hypertextes دون القدرة على التفاعل مع المضامين، انتقلنا بداية من الألفية الجديدة الى الجيل الثاني من الواب ( 2.0Web ) فى تزامن مع ولادة شبكات التواصل الاجتماعي الراهنة من فايسبوك وتويتر وغيرهما أين يحتل مستخدم الانترنت على خلاف الجيل الأول دورا محوريا فى إنتاج وتعديل وحذف المضامين المتداولة داخل الشبكة، لنصل اليوم الى مستوى الجيل الثالث من الواب (Web 3.0) المعروف Internet objets الذي سيكون موضوع مقال بحثي مستقل فى المستقبل القريب.

فأكثر المواقع والمنصات تشتغل تحت يافطة مؤسسات تكنولوجية رقمية عملاقة ..تحقق أرباحا صافية تقدر بمئات المليارات من الدولارات ..تتصدر المراتب الأولى منذ سنوات لأكبر البورصات العالمية من حيث مؤشر رسملة السوق La capitalisation boursière ... تشغّل ألافا من مهندسي النظم المعلوماتية وغيرها من الاختصاصات من مختلف بقاع العالم..تستفاد أيّما استفادة من خبرات أشهر المخترقين les hackers لمزيد تامين سلامة أنظمتها وشبكاتها الاتصالية.. مؤسسوها أثرياء عالم اليوم، ثرواتهم تقدر بمئات المليارات حسب تصنيف «فوربس» لسنة 2018.. تتموقع غالبيتها فى «وادى السيليكون» Silicon Valley بولاية كاليفورنيا رمز الحلم الامريكى المعاصر .. منافسوها الحقيقيين، فى المنظور المتوسط، كبريات الشركات التكنولوجية الصينية المعبر عنهم بـBATX (Baidu/Alibaba/Tencent/Xiaomi).

فعملية فتح أو غلق حساب فايسبوك أمست من الطقوس الأكثر شيوعا مطلع هذا القرن، تمارس شعائرها يوميا ملايين البشر بمجرّد نقرة ..فمن مفهوم انثروبولوجي متداول للطقس «كتنظيم مركّب للنشاط الانساني ليست له طبيعة تقنية أو ترويجية بارزة باستخدام أساليب السلوك التي تتسم بقدرتها على التعبير عن العلاقات الاجتماعية نجحت «فايسبوك» في التأسيس لمنظومة علائقية طقسية فردية وجماعية، تقنية بامتياز،غاية فى الإحكام والتنظيم بركيزة إيديولوجية متخفية (النيوليبرالية) تنافس اليوم من حيث عدد منخرطيها/ معتنقيها أكبر الديانات انتشارا فى العالم ..

من المعلوم ان أنساق التواصل الاجتماعي تختلف من مجتمع الى آخر ومن سياقات تاريخية الى أخرى تتكوّن من مجموعة غير متجانسة وشديدة التنوع من الإشارات والإيحاءات والرموز وكلمات المفاتيح تم تأصيلها فيما بعد بالقانون والعرف.. أما «التواصل الفايسبوكي» ببنائه الجبري الثنائي Algèbre Binaire يقدّم معيارية موحدة شبيهة بأنظمة المواصفات العالمية «ايزو« ISO، تشتغل بمجرد الضغط على زرّ إعجاب Jaime أو تعليق Commentaire أو مشاركة Partageتديرها من الخلف خوارزميات algorithmes برمجية معقدة ومتطورة تهدف الى جمع واستغلال اكبر قدر من المعلومات للسيطرة والتحكم...

فالنظر الى «فايسبوك» كمجرد واجهة لمنصة تواصل اجتماعي تعمل حصرا على تعزيز العلاقات البشرية فهو بالضبط كمن يقتني لوحة «الموناليزا» بملايين الدولارات دون التفطن لابتسامتها الساخرة ! بالتالي لا يمكن اختزال الفايسبوك في مجرد مؤسسة اقتصادية من الوزن الثقيل تبيض يوميا أطنانا من الذهب بل ينبغي النظر إليها كظاهرة كونية مركبة يتقاطع فيها علم النفس الاجتماعي بأمن المعلومات وبالجيوسياسة...

أ - فى مستوى التأثير النفسي الاجتماعي :
أجمعت العديد من الدراسات الأكاديمية أن شريحة كبيرة من المراهقين والكهول الفاقدين للاعتراف الجمعي لجهودهم المبذولة أو من عرفوا بسلوكيات انطوائية يجدون في الفايسبوك منصة مثالية للتعرّي من الداخل دون أدنى حرج تمكنهم من إخراج طاقتهم الكامنة بأشكال مختلفة منها الابداعى ومنها المدمّر...
كما أطلقت «الأكاديمية الأمريكية لطبّ الأطفال» تحذيرا للعموم لتجنّب الاستخدام المفرط لموقع «فيسبوك» وذلك استنادا الى دراسة علمية أثبتت العلاقة السببية بين الإدمان على الفايسبوك والإصابة بعوارض الاكتئاب والإحباط، مؤكدة « بان العصبية، والشعور بالقلق بشكل مفرط، وانعدام الأمان، والاكتئاب هي سمات أكيدة لمستخدمي الفايسبوك، بالإضافة الى الحسد والغيرة والمقارنة الاجتماعية كما خلصت الدراسة بان ذلك راجع الى ان الفايسبوك يعتمد على عالم افتراضي، فيما يخص رضا الأخرين عنك وترحيبهم بما تنشره عبر صفحتك وتفاعلهم معك أو رفض منشوراتك...
وفى سنة 2014 أعلن فايسبوك عن إتمام انجازه لدراسة نفسية خضع لها حوالي 700 ألف مستخدم عبر العالم أفضت الى رصد حدوث ظاهرة «عدوى المشاعر» ايجابية كانت أم سلبية بين المستخدمين ، مما مكن لاحقا لفريق البحث التابع لفايسبوك من «تصميم نظام يتلاعب بنوعية المنشورات التي تظهر على الصفحات الشخصية، لتقلل مرة عدد المنشورات ذات المحتوى الايجابي، وتزيد مرة أخرى عدد المنشورات السلبية بشكل ملحوظ« .. دراسة أثبتت بما لا يدع للشك أن لفايسبوك القدرة على التلاعب بمشاعر مستخدميه لأغراض اشهارية ...
فالضغط على زرّ إعجاب J’aime او مشاركة Partage لا تعني بالضرورة انك فى منتهى الانسجام مع صديقك الفايسبوكي، فالمسالة التواصلية أعقد من ذلك بكثير فبين «الإعجاب» «وتطابق الآراء» خيط رفيع، نفس الشيء ينسحب على «البر تاج» التى تختلف دوافعه من شخص الى آخر...

ب - فى مستوى أمن المعلومات
هل تعلم ؟ :
- أن الفايسبوك من أكثر الشبكات عرضة للتسريب والاختراق فى العالم ( ما يزيد عن 50 مليون حساب تم اختراقه سنة 2018 باعتراف مؤسّس الفايسبوك نفسه )
- أن «سياسات حماية خصوصية الأفراد لدى فايسبوك هي مجرد «صدفة فارغة coquille vide حسب توصيف المحقق الفدرالي الكندي Daniel Therrien بمناسبة إجرائه لتحقيق حول فايسبوك استغرق سنة كاملة
- أنه منذ اللحظة التى فتحت حسابك الفايسبوكي فان معطياتك الشخصية العادية والحساسة لم تعد ملكا لك
- إنها انتقلت الى مراكز خزن ضخمة Big data للتجميع والتحليل والاستغلال
- إنها أصبحت معدة للتسويق التجاري وغيره على نطاق واسع
- ان حسابك الذي اعتقدت انك أغلقته سيظل مفتوحا الى ما لانهاية في مخالفة صريحة لقواعد حماية الخصوصية
- أنه يتم رصد وتحديد جغرافية نشاطاتك من خلال توجيه إشعارات Notifications ترد الى أصدقائك الفايسبوكيين.
- الخ

ج - فى مستوى الفعل الجيوسياسي
بعد أن تم تصنيف الفضاء الافتراضي كمجال خامس للصراعات من قبل جميع الدول، وخصّصت له كتب بيضاء واستراتيجيات وجيوش الكترونية أصبح اليوم من المتاح اعتبار شبكات التواصل الاجتماعي إحدى الأدوات الجيوسياسية الأساسية التى يمكن ان تعتمد عليها الدول فى مواجهة خصومها، والأفراد فى مقارعة الأنظمة الشمولية والجماعات في فرض أجنداتها المختلفة...

فى نفس الاتجاه لعبت فايسبوك دورا محوريا فى ما يعرف بفضيحة « كامبريدج أناليتيكا» الشركة البريطانية المتخصصة فى الاستشارات والتي عملت لصالح الحملة الانتخابية للرئيس الامريكى دونالد ترامب سنة 2016 .. ضحاياها بيانات فايسبوكية لقرابة 87 مليون مواطن أمريكي وضعت بشكل أو بآخر على ذمة هذه الشركة للتوجيه والتأثير الانتخابي..تداعياتها السياسية والقضائية والمجتمعية ستستغرق لوقت طويل...

كما عاينت العديد من البحوث الميدانية منها دراسة الباحث المغربي والأستاذ بالمعهد العالي للإعلام والاتصال بجامعة الرباط بنعيسى عسلون: «مواقع التواصل الاجتماعي: منصّات حيّة تُستغلّ لصناعة الإرهاب» التي خلص فيها بأن«التنظيمات المتطرّفة والإرهابية أدركت نجاعة شبكات التواصل الاجتماعي واعتبرتها منصّات افتراضية مأمونة ومضمونة لتنفيذ مشروعها الإيديولوجي، حيث تفانت بشكل لافت في استغلال هذه المنصّات للترويج لأفكارها العدمية وكسب قدر من التعاطف معها» وحسب نفس الدراسة «فإنّ مميزات الفايسبوك وتويتر واليوتوب تكمن في سهولة الوصول إليها من طرف الجميع وفي تكلفتها المنخفضة رفعّ من نسبة الإقبال على هذه المواقع بالمقارنة مع وسائل التسويق والإعلام التقليدي» مضيفا «بأن أهم ميزة لهذه المواقع أنها غير خاضعة لرقابة صارمة فهي لا تقوم بإلغاء حساب إلا بعد تلقي عدد كبير من الإنذارات من المستخدمين وهذا الإجراء يسمح باستمرارية هذه الحسابات لأنّ المتابعين لها هم من المهتمين بها وبالتالي لن يقوموا بالتبليغ عن محتواها الإرهابي التحريضي، إضافة إلى سهولة التمويه والتحايل التي تنتهجها التنظيمات الإرهابية في إنشاء حسابات جديدة في حال تمّ الإبلاغ عن الحسابات القديمة...

بالمقابل كان لفايسبوك أيضا دور طلائعي فى تحريك شوارع وساحات تونس والقاهرة والجزائر وطهران وغيرها من العواصم فى تعديل ابستيمولوجي من جهة لنظرية الحشود عند «غوستاف لوبون» ، فلا مكان للقائد الأوحد الملهم القادر على جمع وتجييش الحشود بل لقائد جديد بصيغة الجمع قابع خلف حاسوبه أو شاهرا جهاز هاتفه الذكي يشارك في التخطيط لعمليات الإنزال الاحتجاجي وتنفيذها عندما تحين ساعة الصفر، ومن جهة ثانية لأبجديات التحليل النفسي «لسيغموند فرويد«، فقسم «الهو» Le çaالمنبوذ اجتماعيا والقابع فى غياهب اللاوعي نجح بفضل «التفاعل الرقمي الفايسبوكى في الصعود الى الأعلى وجرف كل من يعترض تياراته الصاخبة ...
فان كانت عبارات «فيم تفكر؟ what’s on your mind ? أحد ابرز شعارات مؤسس الفايسبوك «مارك زوكربيرغ» فانك عليك أيضا كمستخدم للانترنت ان تفكر مرة أو أكثر قبل ان تضع معطياتك الحساسة على قارعة مواقع التواصل الاجتماعي.. وان كنت تتخيل للحظة أنك بصدد التفاعل الحقيقي مع صديقك الفايسبوكي فانك أخطأت العنوان تماما، لأن مخاطبك الوحيد والحقيقي هي خوارزميات التطبيقة الذكية لفايسبوك لا غير ...

بالنهاية، هل نحن بصدد التعاطي مع «مواقع للتواصل الاجتماعي» أم مع «شبكات للتحكم المجتمعي» ؟
لكم الإجابة ...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا