برج بابل: لكل قرية منتوج: فتش عن الهويات في التنمية

بقلم: محمد جويلي

لا تصاغ التنمية على الأرجح بمقولات الهوية أي بما هو رمزي وثقافي. يستقيم هذا الأمر إلى حدود بداية الألفية الجديدة.

كان البراديقم السوسيو- اقتصادي الذي ساد خلال القرن الفائت يتحرك بمقولات التوزيع العادل للثروات والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية والصراع الطبقي والاقتصاد الموجه من الدولة علاوة على النقابات والتجمعات العمالية. كانت التنمية مقولة قائمة الذات تستدعي جملة الموارد المادية التي على الدولة تحويلها إلى ثروات عبر آلة إنتاجية قوية. وكانت الدول تتسابق لتوفير الرفاه الاجتماعي لمواطنيها وبرزت للوجود أنظمة كفالة اجتماعية لا تزعزعها سوى تحركات عمالية نقابية مطالبة بأكثر عدالة وبأقل ما يمكن من التفاوت الاجتماعي. كان البراديقم السوسيو-اقتصادي مسنودا بمنظومات فكرية وإيديولوجية قسمت العالم إلى معسكرين كبيرين، عالم اشتراكي وآخر ليبرالي.

تغير المشهد مع حلول الألفية الجديدة فتراجع البراديقم السوسيو-اقتصادي تاركا مكانه لبراديقم ثقافي بمقولات تضع مسألة الهوية والفردانية والمحلي في مركز المجال الاقتصادي وتراجعت مقولة البنية لفائدة الشبكة وضعفت مقولة التكافل الاجتماعي شيئا فشيئا أمام مقولة التصرف الفردي إزاء الحالات الصعبة. حدث كل هذا في عالم فقدت فيه الدول سيادتها الكلاسيكية على حدودها فانتقلنا من نظام اقتصادي يقوم على إنتاج الثروة المادية إلى اقتصاد مالي يعتمد التحويلات المالية والمضاربات متمتعا بأنساق حمائية ومستفيدا من عولمة تكنولوجية شديدة السيولة.

بدأت ملامح العلاقة بين التنمية والهوية في الظهور منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي. في إحدى ولايات الجنوب الياباني تقدم الوالي " موريهيكو هيراماتسو" بفكرة مبتكرة من أجل اقتصاد جديد وتنمية جديدة سماها " لكل قرية منتوج". وترتكز الفكرة على الاستثمار في الهوية أي وضع الموارد الرمزية في خدمة الموارد المادية. ما يهم في المقولة ليس المنتوج بقدر ما يهم القرية التي بها هذا المنتوج. تعتمد فكرة لكل قرية منتوج على البحث عن أي مورد مادي أو لامادي يميز قرية ما وإخراجه من البعد المحلي إلى البعد العالمي عبر منظومة متكاملة من تطوير المنتوج وتجميع أهل القرية حوله وجعلهم يفتخرون به من أجل خلق الثروة.

حجر الزاوية في هذا النموذج من التنمية هو الرأسمال العاطفي. هو تاريخ الأجداد وأسطورة التأسيس، هو تاريخ العائلات وتاريخ الأفراد، هو القيمة المضافة التي يتم تناقلها عبر الأجيال. كل هذه الرموز هي التي تجعل من المنتوج صامدا أمام تقلبات الاقتصاد والمجتمع والسياسة. للمنتوج علامة صنعها بما توفر من قدرات، البعض من هذا المنتوج أفل والبعض الآخر أعيد ابتكاره وفق رؤية جديدة.

شهدت تونس في الأيام الماضية تنظيم الصالون الوطني للابتكار في الصناعات التقليدية، وفي الواقع هذا الصالون ليس فقط صالونا للمنتوجات بقدر ما هو صالون للهويات المبتكرة، وللهويات الجهوية والمحلية على وجه الخصوص وذلك بعقول وبأيادي نسائية في الأغلب. الفكرة الأساسية لهذا الحدث هي مقولة لكل قرية منتوج، والقرية حاضرة هنا بالمعنى المجازي للكلمة. ولكن علينا التذكير بأن مسألة الصناعات التقليدية لم تكن منذ الاستقلال المقولة المحبذة للسياسات التنموية في تونس. بل الأكثر من ذلك تم التعامل معها على أنها عنوان للتأخر لنظام سياسي يريد تحديث المجتمع والاقتصاد والسياسة. لقد ألحقت منظومة الصناعات التقليدية بالمنظومات التي رأت فيها الدولة الوطنية مكبلة لأي تقدم فتم تهديمها مثل ما وقع

للمنظومة القبلية ولمنظومة التعليم الديني ومنظومة العائلة الموسعة وغيرها من المنظومات اللادولانية. الحرف مشيخة بأتم معنى الكلمة وهي مشيخة منافسة بتنظيمها المعقد والقوي وهذا مزعج لنموذج تنموي تريد الدولة إدارته والتحكم في موارده المادية والرمزية. ولهذا أتت الدولة الحديثة بتسمية جديدة هي تسمية الصناعات التقليدية كي تدخلها بسهولة ضمن مساراتها التنموية. ويتبين الآن أن هذه الصناعات التقليدية هي إحدى ركائز اقتصاد يعتمد على ما يتوفر في الجهات وفي المحليات من مخزون ومن قدرة على جعل هذا المخزون منتجا للثروة، والدولة التي تريد تنويع مصادر تنميتها عليها أن تنظر لهذا النموذج التنموي لا فقط كصناعة بل الأكثر من ذلك كهوية، كهوية مبتكرة. لا يمكننا مع الألفية الجديدة النظر للتنمية كمقولة عقلانية فقط، علينا النظر إليها كمقولة من رأسمال عاطفي أيضا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية