«لا يلدغ العاقل من جحر واحد مرتين...»

- 1 -
منذ نهاية 2010، عاشت تونس مأساة دامت ثماني سنوات كاملة، ثلاث منها اسفرت عن دستور

عقيم ونظام سياسي هزيل وعن اقتصاد معتل وفساد فاحش، تلتها خمسٌ تدهورت فيها الحال الاقتصادية والاجتماعية الى حد الإشراف على الافلاس، وساءت الحال السياسية الى حد ان المواطن البسيط وكذلك السياسي الاكثر علما وحنكة أقرّا سويا ان حظ هذا العليل في الانتعاش قليل، فـ«بكاه ورحّم عوّده» او هُم على وشك ذلك... – فتساءل كل من المواطن البسيط والسياسي المحنّك : هلاّ يكفي شعبنا الوديع هذه اللعنة التي قد تجاوزت لعنة السبع العجاف نقمة، فصرخ كل منهما: "اليس الصبح بقريب"؟ (هود، 80).
ولقد تساءل الأول والثاني عن اسباب هذه المأساة وعن مصدرها، وعن المسؤولية في ذلك وعمّن سيتحملها، وهل حقا ستقع مساءلة المورطين في حدوثها وفي تعميقها وفي تطورها الى حد الدرجة التي نعرفها اليوم؟ - لقد تنافس المتنافسون لتقديم الإجابة الصائبة على كل هذه التساؤلات، نصنفها بإيجاز الى قسمين:

1 - القسم الأول وجّه اتهاماته الى اسباب «موضوعية» و«خارجية» قاهرة: الأزمة الاقتصادية الموروثة عن قرون مضت، والتطورات العالمية والتدخلات الاجنبية التي عطلت العديد من المحاولات والمشاريع، وكذلك تلاعب الدول الكبيرة والمتوسطة والصغرى كلها بمصالح هذا البلد وعدم اكتراثها بمصالحه، مهما كانت أهميتها الحيوية له؛

2 - أما القسم الثاني فإنه تونسي بامتياز وداخلي بحت: فلقد اتّهم بعضهم الأنظمة السابقة، كل حسب هواه، فرموا بالكرة في ملعب النظام البورڤيبي، وآخرون في ملعب النظام الذي تلاه، وآخرون جمعوا الاثنين في نفس التهمة، وهناك أيضا آخرون أخر وجّهوا أصابع الاتهام الى العديد من الأطراف السياسية القائمة اليوم؛

3 - ليس هنا المجال للتعمق في هذه النقاشات والتجاذبات والتناقضات والمغالطات؛ ولنقُل بصورة مختصرة ان العامل الاساسي في اندلاع الازمة وتفاقمها والذي يفوق جميع العوامل الاخرى، هو العامل السياسي، وبالتخصيص، هو ما جرى من احداث خطيرة في الفترة الواقعة بين سنة 2013 وسنة 2019، وهذا ما يحتّم بيانه في الفقرة الاولى من هذا العرض («عهد شرف بريستول 1»)؛ لكن، هذا التاريخ 2019 ليس نهاية المأساة الحالية، بل إن المرجح هو هذه الأخيرة ستمدّد الى العهدة الموالية (2019 - 2023)، وهذا ما سنعرضه في الفقرة الثانية من هذه الدراسة («عهد بريستول 2»).

- 2 -
• «عهد بريستول 1»

1- لنبدأ تحليلنا بالتعرض الى مسألة هامة تتعلق بكيفية ارساء المؤسسات الحكمية الجديدة، وهي مسألة تكوين الحكومة؛ فكما هو معلوم، لقد وقع في سنة 2014 انتخاب اول مجلس لنواب الشعب؛ وكما ينص عليه الدستور في الفصل 89 (فقرات 2 الى 4)، يقع تعيين حكومة جديدة حسب طريقة مفصلة وواضحة، كما تعرض لكيفية معالجة حالات الفشل في هذا المسار، في حال حصولها؛

2 - لكن ما وقع بالفعل كان مخالفا لأحكام الفصل 89، وكأنه ضرب بكل ما ورد فيه بعرض الحائط ؛ ولكأنه فهم البعض ان تطبيق الدستور الجديد يعني الاغتناء عليه، واعتبار أنه لم يكن...؛ ولكأن الديمقراطية الجديدة دُشنت في بلادنا بارتكاب مخالفة خطيرة للدستور من طرف من عيّنه الدستور لحماية هيبته واحكامه؛ وبذلك، فُتح الباب امام ارتكاب مخالفات خطيرة ومتعددة للدستور، فأصبحت الديمقراطية الجديدة في بلادنا من جملة المنسيات والمهملات، الى حد يومنا هذا؛

3 - ولم يكن ما ذكرنا أعلاه حول تكوين الحكومة استثناء ولم يحصل من باب الصدفة، بل إنه وقع اقامة نظام مواز غير شرعي مقام الأحكام الدستورية؛ وإن الأفظع في هذا هو الوسيلة التي استعملت لإنجاز ذلك الانقلاب على المشروعية الدستورية والديمقراطيةوهي التي تتمثل في الاتفاق السري الذي ابرم بين «الشيخين» في باريس بتاريخ 13 أوت 2013 واصبح بينهما بمثابة «عقد شرف» ذا أهمية قصوى تتجاوز عندهما قيمة الدستور؛ وهذا الاتفاق، الذي اسميناه «عهد بريستول1»، اخترع بديلا للمبدإ الأول في المنظومة الديمقراطية؛ فهذه المنظومة التي سمّيت «قاعدة التوافق»، لم يسبق اعتمادها في أي من الديمقراطيات الحالية؛ وكانت النتيجة الوخيمة لهذا الاسلوب الجهنمي، انه وقع الحط الفظيع من شأن المؤسسات الدستورية يشابه انخفاض «الدينار» التونسي أو أكثر، واكتسب بها الطرف الحليف حقا في القرار يشابه حق «الفيتو» في المنظمات الأممية، وتحصل على قسم وافر من السلطان وكدّس الغنائم والامتيازات والمنافع الخاصة؛ وتعزز التفاهم بين الحليفين في ممارسة الحكم وفي تقاسمه طوال العهدة الحالية، ولكأنهما شريكان في سوق النخاسين...؛

4 - وبتضخم المطامع وانحطاط الأخلاقيات والهمم، اضمحلت سلطة الدولة وتدهورت هيبتها، وتعطل سير المصالح العمومية، وانتشر الفساد ابتداء من اسفل الهرم ووصولا الى اعلاه، وتزعزعت أسس الاقتصاد ودعائمه، واندثرت الأخلاق العمومية، وتغلبت الأنانيات والقبليات، وسادت الحرفية في جميع الفئات الاجتماعية – ولا نستثني اي صنف ولا اية طبقة منها –، وتبخرت روح الوطنية في معظم الطبقات الاجتماعية وفي أدق الظروف الى حد لا يطاق، واندثر الشعور بالمسؤولية في جميع المستويات؛ وبفعل كل ذلك، انقطعت كل منابع العدل والحق والنزاهة والإنصاف بين الناس وحل محلها قانون الغاب والممارسات والمعاملات المتوحشة، او ما هو عنها بغير بعيد...
هذه هي بذور «عهد الشرف»، اسميناه «عهد بريستول 1»؛ وهذه هي عواقبه وهي التي ستدوم الى آخر السنة الحالية... ولكن لكي تعود بكل قوة في العهدة التي تليها إثر الانتخابات القادمة...

- 3 -
• «عهد بريستول 2»

1- هذه «اللدغة» الأولى لم تأت من عدم، ولم تكن وليدة ساعة ارساء النظام الدستوري الجديد عقب الانتخابات الرئاسية والتشريعية الاولى في عهده؛ وكيف يكون توقعها والحال ان، في تلك الفترة الانتخابية، كان هذان الطرفان يتراميان بأخطر التهم ويقسم كل منهما اليمين الغليظة بالعداء الدائم للآخر وباستحالة التفاهم وبالأحرى، استحالة التحالف معه؟ - لكن، هذه التصريحات والوعود والتعهدات التي انخدع بها المواطن البسيط والسياسي «اللامع» والتي ارتاح لها بعض الآخرين، لم تكن إلا مجرد مسرحية هزلية وراءها سُترت حقيقة تفاهم سري رأينا مفعوله غداة انتهاء 'الانتخابات الديمقراطية والنزيهة والشفافة' بالإعلان ان المهارة السياسية تملي على الجميع واجب الركوع امام أمر «الواقعية السياسية»، وتفرض اليوم واجب التعايش والتسالم وحتى التوافق، بين أعداء الأمس...؛ فسبحان مبدل الأمور، جل جلاله...

2 - لكن، هناك في هذا البلد الأمين من انتفض ضد هذه المسرحية سيئة الاخراج وصرخ في وجه اصحابها؛ وليسمح لنا القارئ الكريم ان نذكر انا كنا من بين هؤلاء، فقد نشرنا ثلاث انذارات للشعب التونسي في 2014 (لابراس أول نوفمبر 2014، وليدرز 7 أوت 2016، وتونس الرقمية 4 جوان 2018)، وها هو الانذار الرابع الذي نجرؤ على نشره حتى لا يفوت الأوان، خاصة وأنا على وشك الدخول في حلقة جديدة من الانتخابات الوطنية؛ فإنا نتوجّس خيفة غليظة من «عود على بدء» مرة أخرى في هذه المناسبة المصيرية؛

3 - نحن نتساءل عن اسباب هذا التشبث الشديد لكل من الطرفين بما جاء في الاتفاق الذي ابرم بينهمافي السر في بلاد اجنبية وعلى جناح السرعة، ووقع الامتثال اليه بلا انقطاع طوال اربع سنوات كاملة لم يقع فيها جفاء بين الحليفين الا في الاسابيع القليلة الفارطة، تلاها تغازل بينهما؛ ثم إنه حصل ما كان الكثير يخشاه بشدة، وهو ما سنسميه في هذه الفقرة: «عهد بريستول 2»؛ ولسائل ان يتساءل ما هي العلامات والدلائل التي تشير الى تجديد «عهد الشرف» هذا مرة اخرى ولفترة خماسية ثانية؟

4 - لنذكر في البداية أنه، بالرغم من الأزمة العميقة التي غرقت فيها البلاد جراء السياسة الفاشلة المتبعة منذ ما يقرب من عشر سنوات، فإن المشهد السياسي يتميز اليوم ومنذ زمان، بالتذبذب الشديد وبالانقسامات الحزبية والمذهبية وبتكاثر المؤامرات والمخادعات والانخاذلات في كل صوب وحوب، ما لا يبشر بخير في الآمال المعلقة على الانتخابات القادمة في الخروج بالبلاد من الازمة الخانقة والمزمنة؛ وكانت هذه الظروف بالذات الفرصة الذهبية للحليفين لكي يعيدا الكرة وللتفكير في تجديد التحالف بينهما لعهدة ثانية بخمس سنوات كاملة...؛ وإن الطريف، أو المثير، في ذلك، هو ان العلاقات بين الحليفين وكذلك بين رئيسي السلطة التنفيذية لم تكن في الاسابيع الفارطة، مشجعة على اي تقارب بينهما؛ فكما هو معلوم عند الخاص والعام، لقد أعلن رئيس الدولة بنفسه الحرب ضد حليفه بالأمس وفي آن واحد، لقد فتح واجهة ثانية ضد رئيس الحكومة، رغم ان هذا الاخير كان في البداية يحسب عليه لأن رئيس الدولة هو الذي عيّنه في منصب رئيس الحكومة، وهو الذي كان في آن واحد، ينتمي الى ذات الحزب الذي اسسه رئيس الجمهورية...

4 - لكن وبالرغم من هذا، فوجئ الجميع بحادثتين هامتين: الأولى هي تقديم تحوير جذري لقانون الانتخابات يقضي بإقرار مبدا «العتبة» في الانتخابات التشريعية القادمة وبتحديد تلك «العتبة» بـنسبة خمسة في المائة من الاصوات؛ ولقد فهم الجميع ان القصد من هذه المبادرة الرئاسية هو اجلاء المشهد السياسي من المنافسين الكثر والطفيليين والاختلاء بالحكم لصالح اكبر الاحزاب الفائزة وتمتعها بأغلبية مريحة جدا تضمن لهما استقرار الحكم لكامل العهدة القادمة؛ واما المفاجأة الثانية، فإنها جاءت في الخطاب الرئاسي للاحتفال بذكرى عيد الاستقلال يوم 20 مارس؛ ففي ذلك الموكب الرسمي، توجه رئيس الدولة بصفة مباشرة الى حليفه بالأمس، والقطيعة بينهم ما زالت قائمة، وبصفة غير مباشرة، الى رئيس الحكومة، والخلاف بينهما على أشده، داعيا الى التقارب والى العمل الثلاثي في سبيل «الوحدة الوطنية واجتناب المزايدات العقيمة» بينهما؛ ثم إنه وبعد بعض ايام فقط، جاء الرد على هذا العرض الصريح، والتأمت المصاهرة من جديد، وابرم «عهد بريستول2» لعهدة خماسية كاملة ومباركة للحليفين...

- 4 -
• انذارات وتحذيرات وابتهالات
نحن لا نتصور ان مبادرة من الطراز الثقيل كهذه، كانت وليدة ساعتها، وأنه، وبالرغم من الاعلان عنها بشكل رسمي وامام الملأ الغفير وفي هكذا موكب استثنائي، فإنه لا يستبعد انه حيكت لها مشاورات طويلة وتحضيرات مفصلة وراء الكواليس ومفاوضات دقيقة في ما يخص الشأن العام، وفي ما يخص الشؤون الخاصة والثنائية قوامها تبادل الاعترافات والمقايضات والتنازلات والاقلاعات عن ذكر العديد من المسائل الشائكة...؛ وهذا يعني بإيجاز، اننا شاهدنا في تلك التاريخية ل20 مارس الفارط، ولادة «عهد شرف» ثاني جاء بعد عهد «بريستول 1»، ونسميه عهد «بريستول 2»؛
ونحن نقول إن هذه البوادر لا تنبئ بأي خير لصالح هذا البلد المسكين، وذلك لسببين خطيرين: الأول هو ان من فشل الفشل الذريع والمخجل طيلة ثماني سنوات، لا يؤمل من ورائه خير ولا نجاة، وأن القريب جدا من الحقيقة هو ان التركيبة السياسية القادمة ستكون رهينة ماضيها وسجينة هفواتها السابقة؛ والسبب الثاني هو، حسب مقولة اخرى نستعيرها من صاحبها، ان ما بني على الفساد لا يكون الا فسادا مثله، بل او أخطر...؛ وهناك سبب ثالث، تتميز به التجربة السياسية في بلادنا، مغزاها نعبر عنه بإيجاز: إن اي تحالف مع الطرف الأقوى حاليا في البلاد، وخاصة باعتبار مرجعيته الدينية المتشددة التي لن تتحول أبدا سيؤول حتما الى تفكك الأطراف الأخرى المتواطئة معه، ولنا في التاريخ القريب شواهد مقنعة...

قد يستغرب القارئ الكريم إن قلنا إن هذا الخطاب ليس موجها الى أصحاب الجاه والسلطان الحاليين، ففي قناعتنا، لن يكون مثل ذلك الخطاب ذا جدوى...
إنما يتوجه خطابنا الى عامة شعبنا، فنقول له بكل صراحة وبكل حسرة عن هذه الشراسة في القول: «احذروا، احذروا «اللدغة» الثانية، إنها قادمة، وإنها قد تكون «قاتلة...»؛

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية