برج بابل: الوطن في أزمنة اللاّمعنى

بقلم: محمد جويلي
على شاكلة «الحب في أزمنة الكوليرا» رواية الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز الشهيرة يحاط الوطن كل يوم

بما يمكن تسميته باللاّمعنى. واللاّمعنى هو حالة من فقدان دلالات الأشياء التي يعطيها الناس لأفعالهم، لتصوراتهم، هو الفراغ الذي يتمكن بالأشياء وبالوطن. وهو علاوة على ذلك ترهل المنظومة القيمية التي تشد هؤلاء الناس لمشروع دامج، بل الأكثر من ذلك هو ذاك التعايش بين منظومات قيمية متناقضة قديمة وجديدة لا رابط بينها، وهو ما يجعل الناس مرتبكين لا بوصلة تقودهم إلى بناء المعنى.

الوطن فكرة ومخيال وحماسة، الوطن روح معنوية عالية، ولكن ما يحدث لنا الآن هو أن الوطن في وضع معنوي رديء. وتأتي الرداءة من وضعيات عديدة تشير إلى أن مؤسساتنا في تهاو مستمر والأكثر من ذلك أن هذا التهاوي متواصل.

هل تزال فكرة الوطن مغرية؟ هل مازالت تشد الناس وتمنع عنهم التشظي؟
سبقت فكرة الوطن فكرة المجتمع في تونس. وكانت المرحلة الإستعمارية هي المرحلة التي تدرب خلالها التونسيون على حمل هذه الفكرة، على استيعابها وعلى التضحية من أجلها. براديقم الوطن الذي هو براديقم سياسي رمزي مفعم بالمشاعر هو العنوان الأبرز لمرحلة انتهت بالحصول على الإستقلال وهذه حال جل الأوطان التي قادتها حركات تحرر وطني وزعامات وطنية خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

كان المعنى هو الطاقة التي أعطت للأوطان حيويتها. والمعنى هنا هو ذاك الشعور بالحرية، بالقدرة على تقرير المصير وبالندية مع أوطان أخرى مجاورة وغير مجاورة. بقي الوطن على حاله نتذكره في النزاعات، في الأزمات الكبرى، في المحطات التاريخية الفاصلة، في العلاقات الديبلوماسية وفي مباريات كرة القدم. وبدأت مرحلة صناعة المجتمع وتشكيله وفق خيارات سمحت للوطن بأن يستمر في مخيلة الناس ولكن في الحدود التي لا يمكنهم أن يعارضوا حكامهم. وهنا بدأت أولى علامات الانحراف. إلى سنوات غير بعيدة كان المعارض السياسي منزوع الوطنية.

لم تكن صناعة مجتمع جديد بالمسألة الهينة. كيف يتم بناء مجتمع مندمج بذهنية قبلية؟ كيف نؤسس لأسرة نواة بذهنية التكاثر وكيف نخرج الناس من الجهل والتخلف؟ كان الطموح هو الارتقاء بالناس إلى حالة من التعايش المجتمعي. حينها كان المعنى حاضرا يقنع الناس بإدخال أولادهم للمدارس، بالذهاب بهم إلى المستشفيات لتلقيحهم ولأجل ذلك عليهم ان يكونوا في أسرة صغيرة العدد حتى يحققوا ما يناسبهم من طموحات.

الإبهار المجتمعي الذي رعته مؤسسات في عنفوان آدائها كان مليئا بالمعنى وكانت هذه المؤسسات قادرة دوما على تقديم الإجابات، ورغم مراحل الشك التي مر بها هذا الإبهار إلا أن الناس كانوا متعلقين بالمعنى، فهو الذي يمتص مفعول هذه الأزمات وهو الذي يعطيهم الأمل في غد أفضل. استفاد الوطن من هذه الحالة واستفاد أساسا من المعنى الذي يحوم بالمشروع المجتمعي وبمؤسساته الإجرائية.

بدأنا في فقدان المعنى مع العولمة وكانت الأوطان في كل أنحاء الدنيا هي الخاسرة وإن كان ذلك بمستويات مختلفة. أو لنقل وبأكثر دقة فإن العولمة قد أعطت لمعنى الأشياء مضامين جديدة. الفرد وما يتصل به هو المضمون المقترح، فرد يواجه تحدي النجاعة في كل شيء، نجاعة جعلت منها الليبرالية الجديدة ديانة بأتم معنى الكلمة. لقد أفقدت العولمة معاني أشياء عديدة، فكرة أوروبا موحدة لم تعد مغرية لعموم المواطنين مثلا والاقتصاديات الوطنية لم تعد قادرة على مواجهة ليبرالية متوحشة عابرة للأوطان وللثقافات. وفقد الرأسمال الوطني المنتج جذوته لفائدة معنى جديد للرأسمال هو الرأسمال المالي المسنود بجنات ضريبية موزعة على أرجاء الكرة الأرضية. لقد أضحت فكرة الجماعة فكرة بالية وصعدت الفردانية الباحثة عن معنى خارج دائرة العمل والإنتاج والابتكار كما تصورته الحداثة. صارت النقلة النوعية حينما بدأ التعامل مع المشكلات الاجتماعية على أنها مشكلات فردية وأن الخلاص الفردي هو البديل المتوقع للخلاص الجماعي.

ما يقع في تونس الآن هو هذا الاضطراب الكبير بين ما هو جمعوي وما هو فرداني. مؤسسات تتهاوى وفردانية غير قادرة على إنتاج معنى واضح لوجودها فهي مشتتة بين تهاوي هذه المؤسسات وبين متطلبات مواجهة المصير دون مرافقة. فردانية متعبة بإكراهات العولمة تبحث عن خلاص خارج الأطر المؤسساتية. ولهذا يريد الجميع مغادرة أوطانهم بشتى الطرق، والمغادرة هنا هي بحث يائس عن مصير خارج حدود الوطن الذي فقد حدوده لا بالمعنى الجغرافي للكلمة ولكن بالمعنى الرمزي لها.

كيف نعيد للوطن المعنى الذي فقده؟
كلفة اللاّمعنى كبيرة تتجلى في كل الأزمات التي نعيشها ولا نجد لها حلا في الأفق القريب. الكلفة ليست مادية فحسب، هي بالأساس كلفة رمزية. يعود المعنى حين يكون لنا مشروع مجتمعي وحين ترجع المؤسسات إلى سالف عنفوانها وحين نفهم متطلبات الفرد المتسارعة التي يجب أن تسير مع مؤسسات مرافقة قادرة على إعادة ابتكار ذاتها، بذهنية جديدة وبحوكمة جديدة وبأمل جديد.

الانتخابات على الأبواب وهي فرصتنا الأخيرة ربما لنعطي معنى للخطاب السياسي وللأداء السياسي ولقيمة المترشحين وجديتهم ولاحترام الديمقراطية وشروطها التنافسية. الانتخابات على الأبواب كي نخرج من دائرة اللاّمعنى التي حصرنا فيها أنفسنا. الوطن يبحث عن معنى في أدق تفاصيل حياتنا من مباراة في كرة قدم، إلى إنشاء محكمة دستورية.. وإلى أن يكون محي الدين ابن عربي بيننا كذلك...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا