منبــر: ... ويستمرّ التأخّر في التقدّم

بقلم: منير الشرفي
ماخور الرقاب، الذي أعطاه صاحبه اسم "مدرسة قرآنية"، والذي يُصرّ قصيرو النظر على

الدفاع عنه لا لشيء سوى لأن اسمه يحمل كلمة "القرآن"، هو دون شك علامة حالكة في تاريخ شعبنا.
علامة حالكة أخرى ظهرت بزج القرآن في امتحان الفيزياء في معهد بالقيروان، وقد أدخل الأستاذ القرآن في منافسة غريبة مع العلوم الصحيحة الحديثة، وأضرّ بذلك بالقرآن وبالعلم في آن واحد.
نكتفي بذكر هاتين العلامتين فقط، وقد برزتا خلال الأسبوعين الأخيرين، ومثيلاتهما لا تُحصى في السنوات القليلة الأخيرة، لنطلق صيحة فزع عمّا آل إليه مجتمعنا من انحدار خطير ومُفزع، ثقافيّا وسياسيّا، بسبب فرض قراءة دينية رجعية ومُتخلّفة وعنيفة على مجتمع يتوق إلى التحضّر والانعتاق من الجهل.
فمنذ أن انتصب الاسلام السياسي في تونس سنة 2011، وبشّر (بل أنذر) رئيس حكومة الترويكا سيّئة الذكر بالخلافة السادسة، عمّ الإرهاب، والاغتيال السياسي، والفساد، والفوضى... وآخرها اكتشاف الجهاز السري لحركة النهضة الذي تمكّن من مفاصل الدولة برمتها. فأصبحت الدولة دولتين، طغت غير الرسمية على الرسميّة.
طغيان الجانب الديني على الحياة العامّة وعلى المفاهيم وعلى العقول بفعل غسل الدماغ والترغيب والترهيب، وبفعل الأموال الأجنبية الفاسدة، جعل المُتشددين الدينيين يغزون مختلف مجالات حياة التونسي بنظام القطرة-قطرة، إلى أن أصبح الإرهاب يعيش معنا، وأصبح النقاب لباسا عاديّا في ربوعنا، وأصبحت فتيات رياض الأطفال المحجّبات موضة يتبجّح بها الوالدان المُتخمّران بخطبة إمام الجامع. هذا الإمام الذي ارتضته لنا الدولة هو طبعا ممّن منحوا عقولهم إجازة طويلة المدى، أو ممّن "يُناضلون" في سبيل فرض إجازة طويلة المدى على عقول المواطنين كي يُصبحوا رعايا.
سياسة القطرة-قطرة في أخونة البلاد نجحت إلى حدّ بعيد في التمكّن من دواليب الدولة، بخطى تبدو بطيئة، لكنّها ثابتة، بسبب الجهاز السرّي لحركة النهضة، الذي لم يعد سرّيا بفضل المجهود الجبّار الذي قامت به هيئة الدفاع عن الشهيدين المغدورين شكري والبراهمي.
وإذ أؤكّد هنا على جهود هذه الهيئة، فلكي أُعرّي فضيحة استقالة السلطات الرسمية القائمة في البلاد من مهمّتها الأساسية، وأعنى خدمة البلاد والعباد وحمايتهما من شرّ ما خلق.
وهنا يكمن المرض العضال الذي أُصيبت به البلاد في السنوات الأخيرة. فالسياسة التونسية أصبحت انتهازية حدّ الكاريكاتور. واللهث وراء السلطة أضحى أبعد ما يكون عن السعي لخدمة البلاد. والبقاء فيها أو الوصول إليها أصبح يمرّ عبر التنافس في القدرة على إغماض العيون وصمّ الآذان أمام زحف الأخونة ضمانا لكرسي في الظلّ حتى إذا كان ثمنه الذلّ.
اليوم، وبعد وفاة 11 رضيعا في أحد المستشفيات، انقشعت آخر ورقات التوت عن انعدام كفاءة من سيّروا البلاد منذ أكثر من ثماني سنوات. ولا أعتقد أن الشعب التونسي، المدافع دوما ببسالة عن كرامته، سيصمت أمام هذا التدهور الشنيع لسلطة الدولة، وأمام ما ساد البلاد من فوضى وفساد ومحسوبية ورشوة وانعدام الكفاءة.
استقالة مؤسسات الدولة الرسمية أمام الدولة الفعلية الحالية التي يُسيّرها جهاز "سرّي" مفضوح، ستأتي في اعتقادي على مخرّبي البلاد وعلى الساكتين والمُتستّرين عنهم على حدّ السواء. فالقائم بالجريمة والمُتواطئ معه يتحمّلان نفس المسؤولية، إن لم يكن ذلك بالقضاء، فبالتاريخ.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا