منبــر: انتخابات بدون ديمقراطية ! أو ديمقراطية «الفراغ »

بقلم: عبد الباسط
بن حسن
هل سيساهم الانتقال في تونس في ولادة «كائن» جديد في الثقافة السياسية وهو انتخابات «ديمقراطية وشفافة ونزيهة»

متواصلة لا تؤدي إلى ديمقراطية فعلية تتأسّس في واقع الناس وتحقق رغباتهم المنشودة ؟

نحن بالفعل أمام ظاهرة عجائبية تجندّ فيها الامكانات والوسائل كلّها وتستنفد الطاقات والوعود بجميع أشكالها من أجل إنجاح الانتخابات ثمّ يسود الفراغ بين الانتخابات فلا تنفّذ الوعود ولا توضع المؤسسات الديمقراطية ولا تبدأ الإصلاحات الكبرى التي تطمئن الناس على مصيرهم وتحلّ مشاكل عيشهم وتحقق الكرامة للجميع.

إن عدم الاهتمام الذي يبديه «عامة الناس» بالإعلانات الفخمة عن المواعيد الانتخابية وتزايد أعداد من يبتعدون شيئا فشيئا عن نية التصويت ويؤكدون امتناعهم عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع ليس كرها للسياسة أو الحق في المشاركة والالتزام المواطني، بل هو في حقيقة الأمر بداية يأس من هذا "الفراغ" المرعب الذي يحدث بعد كلّ عملية انتخاب وردّ فعل على نكث القوى السياسية بعهودها والتزاماتها أثناء الحملات الانتخابية.

هناك «عهد مواطني» ينشأ بين المواطن وطالبي السلطة يتحّطم على جدران عدم الوفاء بالعهد وينقلب إلى رفض للعملية الديمقراطية بأكملها.

بل إن المواطن أصبح يرى في إدارة الشأن العام من طرف المنتخبين والمنتخبات لا معنى حقيقيا بما أن ممارساتهم السلطوية تقتصر على إنتاج الأزمات وإدارتها وبما أنّ خطابهم «السياسي» يدور حول معان "فارغة" من محمول المشروع الحضاري الوطني ليتحوّل إلى صراعات سطحية تتغذّى بالإثارة المتواصلة وتعويض الحلول لمشاكل الواقع بالترويج للأوهام.
ان هذه الديمقراطية التي تقتصر على إدارة العملية الانتخابية بطريقة شكلانية هي التي أبدعت شكلا جديدا من الديمقراطية هي ديمقراطية إنتاج وإعادة إنتاج «الفراغ».

إننا اليوم أمام مرحلة فاصلة في تاريخ الانتقال في تونس، مرحلة تتطلب مراجعة حقيقية وصريحة وشجاعة لما نريد أن نصنع بأداة الديمقراطية من أجل تحقيق آمال الشعوب والأفراد.

لم يعد بالإمكان أن نواصل التصرّف في الاستحقاقات الانتخابية بهذه الطريقة الشكلانية المفرغة من كلّ رؤية ومشروع والتي نغرقها في كلّ مناسبة بالوعود المضخمة والحسابات المصلحية الضيقة حتى أصبحت الانتخابات تلك المركبة التائهة في خضمّ الصراعات والحاملة على متنها عددا كبيرا من الطامحين للكراسي الذين لا تتوفر في عدد منهم أبسط مقومات الثقافة السياسية والمدنية والكفاءة لإدارة الشأن العام وحوكمته وضمان فاعليته. نحن في حاجة اليوم إلى أن نضع الإنسان في قلب العملية الانتخابية وأن نحوّل عملية الانتقال من بحث عن التموقع بأي شكل كان في المصالح الزائلة إلى تموقع في مشروع ديمقراطي حقيقي يعيد النّاس إلى فضاء السياسي.
ولا يمكن أن يتحقق هذا الانتقال من ثقافة الأزمة وإدارتها إلى ثقافة صياغة المشروع الحضاري والوطني المشترك إذا لم نحقق الشروط التالية:

− أولا: الإسراع باستكمال بناء المنظومة الديمقراطية بمؤسساتها و ضوابطها وذلك بإخراج المحكمة الدستورية من حبس التجاذبات وتقوية قدرات بقية المؤسسات الدستورية والرقابية. فلا تكفي الانتخابات لتحقق الانتقال الديمقراطي في وضع مازالت فيه الرقابة والمحاسبة والحوكمة في وضع ارتباك وتردّد.

− ثانيا: فتح ملف تمويل الأحزاب والحملات الانتخابية بشجاعة ووضوح ورصد التجاوزات في هذا المجال ومحاسبة المخالفين لقانون الأحزاب. فلا يمكن ان نؤكد أن انتخاباتنا "ديمقراطية ونزيهة وشفافة" إذا تواصلت التجاوزات المالية التي تحرم القائمات المتنافسة من أهم مبدأ وهو مبدأ المساواة في التنافس وتلقي بظلال الشك والريبة على كلّ من ينجح في نيل ثقة المواطنات والمواطنين.

− ثالثا: الشروع فورا وبدون أدنى تأخير في الإصلاحات الكبرى في مجالات التعليم والإعلام والصحة والنقل والبنية التحتية لبناء المشروع الحضاري المشترك وإعادة الثقة في عملية الانتقال السياسي وإرسال إشارة قوية إلى الناس بأن مشروع الديمقراطية التي ننشدها لا يقتصر على «الصراع على الكراسي» بل يتجاوزها إلى صياغة مثال للتنمية الإنسانية المستدامة.

− رابعا: إرسال إشارات قوية ورمزية هامة بتطبيق القانون ومحاربة كل أشكال اللامسؤولية وانتهاك أسس دولة القانون.

− خامسا: وضع خطط وبرامج للتعامل مع خطابات الكراهية والعنف والإقصاء والثلب التي يرتفع منسوبها قبل كل عملية انتخابات وتخلق أجواء من الصراع المرضي الذي يغطّي على الأفكار والمقترحات والبرامج.

− سادسا: الاستثمار في خطة وطنية شاملة وفعالة تجمع المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني لنشر ثقافة حقوق الإنسان والمواطنة وقبول التنوع والاختلاف.

هذه بعض معالم الطريق التي يمكن أن تخرجنا من «ديمقراطية الفراغ» وتعطي معنى للعملية الانتخابية. فهل سننجح في مواصلة مسار الانتقال الديمقراطي في أجواء غياب المحكمة الدستورية وهشاشة المنظومة الحقوقية وتواصل الفساد والتنصل من المحاسبة وّإعلان المكاسب والمصالح وغياب رؤية للمجتمع الذي نريد. رؤية تقوم على الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتحقق للناس مستوى كريما من العيش وتزيح عن كواهلهم رعب غلاء الأسعار والعبث بجودة الحياة ؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها هي الفضاء الذي يجب ان يجمعنا بدل الضياع في دوامة إنتاج الأزمات وإدارة أمراض الواقع.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا