منبــر: مشروع حركة «تحيا تونس» إعادة بناء القطب الوسطي الديمقراطي الإصلاحي

تبدو العائلة السياسية الوسطية الديمقراطية أقل العائلات السياسية استقرارا و أكثرها تشتتا. في حين أن اليمين المحافظ ( حركة النهضة)

و اليسار القومي التقدمي ( الجبهة الشعبية) يتميزان عموما بالإستقرار والوحدة.
لقد مثلت العائلة الدستورية الموسعة تاريخيا النواة الرئيسية لما يسمى بالتيار الوسطي الديمقراطي. بعد الثورة و بعد حل التجمع و انكفاء العائلة الدستورية مثل الحزب الديمقراطي التقدمي القوة الجاذبة للقوى الوسطية الديمقراطية فتجمعت ( و لو جزئيا) في إطاره. و بعد الهزيمة المدوية لتلك القوى في انتخابات 23 اكتوبر 2011 حاولت التجمع من جديد في الحزب الجمهوري و لكن المحاولة فشلت. و تماشيا مع المثل الفرنسي jamais deux sans trois تمكنت تلك القوى من التجمع مجددا في حزب نداء تونس و نجحت هذه المرة بالفوز بالاستحقاق الانتخابي رئاسية و تشريعية و قيادة البلاد منذ 2015 ( بشراكة مع حركة النهضة)

انتهى «نداء تونس» و الطبيعة تكره الفراغ
سوف يتوقف المحللون كثيرا عند النهاية المأساوية و السريعة لحزب نداء تونس. إن ابتعاد الرئيس المؤسس عن الحزب و سيطرة ابن الرئيس على مقاليده و غياب الديمقراطية ( لم ينجز مؤتمر للحزب منذ تأسيسه) وسوء التسيير و الحوكمة و غياب السياسات الواضحة... كلها عوامل تظافرت ليتهاوى هذا الحزب و يصبح عاجزا عن تمثيل العائلة الوسطية الديمقراطية التي تجمعت حوله و ساهمت في نجاحه في انتخابات 2014

و طوال المدة التي استغرقتها عملية احتضار حزب «نداء تونس» حاولت عديد الأحزاب التموقع في هذا الفضاء السياسي الفسيح و لكنها فشلت. كانت تفتقد للقائد الكاريسماتيleader charismatique le في حجم أحمد نجيب الشابي أو الباجي قايد السبسي لتجميع النخب و صهرها في مشروع سياسي يستبدل نداء تونس الذي دخل مبكرا في أزمة حادة. ذلك أن القائد leader يمثل الأساس الذي يرتكز عليه المشروع السياسي والنشاط البشري و يقدره البعض بحجم 70 ٪ .

الكيمياء العجيبة لصعود يوسف الشاهد
لم تكن لدى يوسف الشاهد خصال فريدة تؤهله ليتبوأ منزلة القيادة. فلا هو كان قائدا للفلاقة زمن الإستعمار كما لم يكن من أبرز منظمي إضرابات الجوع في عهد نظام بن علي. و لكن تكليفه من طرف السيد الباجي قايد السبسي برئاسة الحكومة في ظرف وطني حساس بدا لقسم هام من الرأي العام بمثابة «تسليم للمشعل» من « المعلم» لأحد تلامذته المقربين و الحال أن العديد يقرون بالمكانة و الثقة الخاصة التي كان يحظى بها الشاهد لدى الباجي قايد السبسي قبل أن تندلع الأزمة بين الرجلين.

لا شك أن الباجي قايد السبسي والشاهد نفسه خاطرا كثيرا بهذا التكليف لأن الحكم و السلطة يؤديان إلى الإهتراء لا بل إلى الاحتراق في بعض الأحيان. وقد كان بالإمكان «حمايته» بعيدا عن المسؤولية في بلاد لا يمثل تسييرها هدية ثمينة . و لكن يبدو أن اختبار «العمر» الذي خضع له يوسف الشاهد قد حوله من مسؤول مبتدئ إلى رجل دولة لا بل إلى قائد يحظى بشعبية هامة. قد يقال كثيرا عن حصيلة فترة حكم يوسف الشاهد. و لكنه تمكن من تحقيق اختراق كبير في مواجهة الفساد وواجه ابن الرئيس بقوة بما يعنيه رمزيا من التصدي للتوريث ( و هو احد الخطوط الحمراء للتونسيين) وحافظ على استقلالية رئاسة الحكومة تجاه مؤسسة الرئاسة ( تجاوبا مع روح الدستور) ونجح في تشكيل كتلة برلمانية جديدة على أنقاض كتلة نداء تونس تمكن بها من الحصول على ثقة البرلمان 3 مرات في فترة وجيزة و تعامل بحنكة سياسية مع أبرز شركائه و منافسيه في نفس الوقت و هما حركة النهضة والإتحاد العام التونسي للشغل.
في أي مدرسة تعلم هذا الفتى فنون السياسة؟؟؟ هكذا صاح محمد حسنين هيكل جذلا و هو ينظر بإعجاب إلى الفتى حسن نصر الله ينتصر عسكريا و سياسيا على إسرائيل إبان حرب 2006. و لسنا هنا في مقام المقارنة فالوضع غير الوضع و الشخص غير الشخص وإنما أردنا ان نبين أن الاداء السياسي الحكيم والمقنع يلفت الانظار و يستجلب الإعجاب و العكس بالعكس

صحيح أن قسما كبيرا من النخب التونسية لا يرى في المرشح لرئاسة الجمهورية سوى شخص بلغ من العمر عتيا و غزا الشيب رأسه و يكون من ضمن سيرته الذاتية إما انه كان من وزراء بن علي أو من الشخصيات المقاومة للديكتاتورية. ولكن شباب «يوسف الشاهد» قد يكون أيضا وراء الشعبية التي أصبح يحظى بها. ففي بلاد يمثل فيها الشباب نسبة اغلبية و في عالم أصبح يقوده زعماء شباب يمثل بروز قائد شاب مثل يوسف الشاهد عنصر تعاطف و انجذاب و انسجاما مع روح العصر

بقيادة وسطية ديمقراطية تقدمية : تونس أفضل
لا شك أن شبح استعادة سيناريو انتخابات 23 أكتوبر 2011 يخيم على الجميع. كما أن انكفاء القوى الوسطية الديمقراطية يفتح المجال للتيارات المتطرفة بالبروز إذ نشهد صعود الأصوات الممجدة للديكتاتورية و غيرها من التيارات. و إن المهمة التاريخية لحركة «تحيا تونس» هي تأسيس حزب جديد و قوي على أنقاض «نداء تونس» يمكن من تجميع كل مكونات العائلة الوسطية الديمقراطية و رص الصفوف للانتصار في الإنتخابات الرئاسية و تحقيق أغلبية برلمانية تتيح لها قيادة البلاد في المرحلة القادمة.

و سيكون من أبرز مهام حركة «تحيا تونس» ترسيخ الحريات الفردية و العامة و ترسيخ قيم المساواة بين أفراد المجتمع و بصورة خاصة المساواة بين المرأة و الرجل. إن حركة «تحيا تونس» هي حركة جمهورية بالأساس un mouvement républicain لذلك سيكون من أبرز واجباتها ترسيخ الركائز الأساسية للجمهورية الديمقراطية بتعزيز فصل السلطات و دعم استقلالية القضاء و إرساء دولة القانون و التداول على الحكم مع اقتراح الإصلاحات الضرورية في النظام السياسي و النظام الإنتخابي من اجل أكثر نجاعة وشفافية و ديمقراطية للجمهورية الثانية.

كما عليها أن تطرح برنامجا اقتصاديا عصريا يؤمن تحولا نوعيا في الإقتصاد التونسي سواء في ميدان الفلاحة أو الصناعة أو الخدمات و يقلص التفاوت بين الجهات و القطاعات و ينفذ إصلاحات جوهرية في ميادين التعليم و الصحة و البحث العلمي
كما يتوجب عليها طرح برنامج اجتماعي يجعل من العدالة الإجتماعية و مقاومة الفقر و مساندة الطبقات المهمشة و الفئات ذات الحاجات الخصوصية اولوية لنظام الحكم في الفترة القادمة
إضافة إلى ترسيخ تونس في هويتها العربية الإسلامية و الإنتصار لقيم الدين الإسلامي السمح والمعتدل و مقاومة التطرف و أذرعه الإرهابية الإجرامية.
على الديمقراطيين و التقدميين أن يحزموا أمرهم. فعليهم هذه المرة أن يضعوا صخرة «سيزيف» على قمة الجبل و ان لا تعود مرة أخرى إلى سفحه.

بقلم: عبد المجيد المسلمي* (سوسة)

* عضو سابق باللجنة المركزية للجبهة الشعبية

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا