مشروع إصلاح التعليم العالي: إنْقَاذٌ للجامعة التونسية أم إيذان بخرابها

بقلم: الأستاذ جميل بن عليّ
جامعي و إعلامي و مدير قسم العربية بكلية الآداب بسوسة

لم يكن يخطر على بال المؤسسين الأوائل للجامعة التونسيّة أنّه سيأتي يوم كئيب تضيق فيه هذه الجامعة ذرعا بأبنائها و بناتها أساتذة و طلابا فتطردهم و ترمي بهم و هي غير آسفة خارج أسوارها- أمّا الأساتذة فهاجروا أو بالأحرى هُجِّروا قسرا إلى جامعات لم تكن في الماضي القريب شيئا مذكورا وغَدَوْا بعد أن كانوا أئمة في اختصاصاتهم مجرّد مدرسين يكتفون مكرهين بأبجديات الاختصاص و مقدماته الأولية التي لا تغني و لا تسمن من جوع ولا يطيب لهم المقام هناك بأرض الهجرة و لكنهم يقيمون و ليس يدري الواحد منهم بأيّ أرض يموت (الأستاذ حسين الواد عاد مسجّى في نعشه بعد أن باغتته المنيّة في أرض الحجاز).

ولو صادف أن التقيت بأحدهم فسارّك بما يختلج في نفسه من مشاعر و ما يدور في ذهنه من ظنون لوجدت في قلبه حسرة و في حلقه غصّة و في عينه دمعة و لأخبرك أنّه كان يودّ أن يظلّ ثابتا في جامعته مرابطا في قسمه جالسا إلى طلبته لا هو بتاركهم و لا هم بتاركيه و لكنّ ضنك العيش وقلّة ذّات اليد اللذين ألمّا به دفعاه إلى أن يشدّ الرّحال إلى جامعة أخرى لعلّها تهبه ما لم تهبه الجامعة التونسية التي لم تعد تبارك أبناءها وتظلّهم بظلّها و تهديهم سواء السّبيل.

و أمّا الطلبة الجدد فغاية المنى عندهم و عند أوليائهم أن يفلحوا في الظّفر بمقعد في إحدى الجامعات الأجنبية، فعليها التّعويل كلّه في سبيل الوصول إليها يبذل الغالي و النّفيس و إذا تعذّر عليهم ذلك ولّوا وجوههم شطر الجامعات الخاصّة يصطفون ما شاؤوا من الشّعب ويقضون سنين عدد كي يحرزوا على شهادتهم العليا و يتوجون ولو بعد حين.
ولمّا أدرك الجمع أنّ الجامعة العريقة التي كنا بها نباهي ونفاخر آيلة إلى الهلاك إذا لم تمتدّ إليها يد رحيمة تخلّصها مما هي فيه من اعتلال تنادى أولو الأمر فرادى و زرافات إلى الإصلاح وصاح كبيرهم سليم خلبوس أن امكثوا قاعدين إنا لكم و لجامعتكم لمصلحون ولحافظون، ولا تقاتلوا في سبيلها إنّا لنكفينّكم شرّ القتال. و يا ليته ما قاتل عنّا و ما حمّل نفسه ما لا طاقة له به فلقد انبرى يخبط خبط عشواء و أوشك أو كاد أن يزهق روحها قبل أن يحين أجلها المحتوم.

1 - أطر المشروع و بناها المتهاوية:
ليس في استطاعة أيّ مشروع إصلاحي أن يتحقّق على أرض الواقع و أن يؤتي أكله إذا لم ينبن على أرضية راسخة و بنية تحتية متينة و أطر لوجستية صلبة. فكيف لمشروعك الإصلاحي المزعوم يا سي سليم أن يستوي و يعلو صرحه و يرتفع شأنه و أركان الجامعة متحرّكة مرتجّة، و أبنيتها مترهلة و مخابرها و وحدات بحثها مغلقة موصدة و ميزانيتها رثّة تتضاءل نسبتها كلّ سنة في الميزانية العامة للدولة؟ و كيف لمشروعك أن يبلغ غايته و أساتذة الجامعة مفقّرون يعيشون على كفاف و يرون أنفسهم أقلّ أجرا من زملائهم في الجامعات العربيّة و العالميّة، يطلبون الحدّ الأدنى من الضّروريّ فلا يدركونه و هم الذين أنفقوا العمر في البحث و راكموا الشهادة تلو الشهادة و الاختبار تلو الاختبار – أنّى لك أن تخوض الحرب والفرسان صدورهم عارية و بنادقهم خاوية صدئة.

2 - الإسقاط و الإملاء منهجا و سياسة للمشروع:
وطّد السيد وزير التعليم العالي العزم على أن يشرع في انجاز مشروعه الإصلاحي دون أن يستشير القواعد الأساتذية الجامعيّة فلم نره مرّة واحدة يجلس إلى الجامعيين ينصت إليهم و يناقشهم، و لم نره يجوب الجامعات متنقّلا بين كلياتها و معاهدها و مدارسها العليا يتبيّن خصوصيات كلّ واحدة منها و يأخذ بعين الاعتبار اقتراحات منتسبيها ... بل أقصى ما فعله السيد الوزير إقامة مؤتمرات صوريّة فلكلورية يستدعي إليها حاشيته يتلو عليهم ما نُزّل عليه من وحي ثمّ يمضي مهرولا إلى القنوات الإذاعيّة و التّلفزيونية يروّج تخميناته في ضرب من البروبغندا البائسة و يتناسى أنّ الجامعة العامة للتّعليم العالي قد قاطعته و أنه كان كمن يصرخ في واد ثمّ يستمع لصدى صوته يأتي من بعيد «يغني و جناحو يردّ عليه» وليس أدلّ على الإسقاط و الإملاء و المباغتة من المنشور عدد60 المتعلّق بتوحيد الإجازات و من القانون المتعلّق بإجباريّة التّربص الذي أسرع في ضرب من التّكتم و السريّة إلى نشره بالرّائد الرّسمي في نوفمبر 2018 ليضع الجميع أمام الأمر الواقع بالرّغم من أنّ الجامعة العامة للتّعليم العالي لم توافق عليه.
وحتّى تحققّ سياسة الإملاء و الإسقاط و المباغتة هدفها في الآجال المسطورة لجأ السيد الوزير إلى التّهديد و الوعيد و التّلويح بأنّ الإجازة أو الماجستير التي لم يقع طلب تجديدها وفق الخطاطة الموضوعة في الآجال المحددّة سيقع إلغاؤها و حذفها. فما كان من رؤساء الأقسام و اللّجان إلاّ أن هرعوا إلى عقد اجتماعات ماراطونيّة لإعادة التّأهيل خوفا من أن ينفّذ الوزير وعيده فيتحملون وزر ما لم تقترفه أيديهم و هم في قرارة أنفسهم رافضون رفضا باتا لهذا المشروع المزعوم.
ولمّا أدرك السيد الوزير منذ البدء أنّه قد يعجز على تمرير مشروعه استعان بالهيئات البيداغوجية المرموقة(مجلس الجامعات واللّجان الوطنية القطاعيّة) حتّى تكون غطاء له وهي بريئة منه براءة الذئب من دم يوسف...

3 - في ماهية المشروع و نقاطه:
يتضمن هذا المشروع نقطتين رئيسيتين هما الإجازة الموّحدة والقانون الأساسي للأساتذة الجامعيين.
أمّا الإجازة الموحدة فالمقصود منها الانصهار بين الإجازة الأساسية و الإجازة التّطبيقية و هي مفهوم مخاتل، ففي حقيقة الأمر لا صهر و لا توحيد و لا دمج و إنّما هو إلغاء للإجازات الأساسية وتحويلها إلى إجازات تطبيقية.
وحتّى ينطلي الأمر تمّ استعمال مصطلح الإجازة الموحّدة وهي مغالطة أخرى من سلسلة المغالطات التي لا تحصى و لا تعدّ. فما اصطلح على تسميته في المشروع بالإجازة الموحّدة هو ذاته الإجازة التّطبيقية القائمة منذ سنوات. و بغضّ النّظر عن هذه المغالطات، فإنّ هذا التّوحيد المزعوم يستهدف العلوم الإنسانية التي لا صلة لها مباشرة بالمؤسسات الاقتصادية و المهنيّة من ناحية أولى و يندرج من ناحية ثانية ضمن خطّة أكبر تهدف إلى ضرب هذه الاختصاصات و إفقاد كليات الآداب و اللّغات و الحقوق و الفنون الجميلة وظائفها لا سيّما و أنّها وفق التّصور الجديد لم تعد مختصّة في تكوين أساتذة للتّدريس في ظلّ وجود مدارس تحضيريّة مختصّة تتكفّل بتكوين المعلمين والأساتذة بصفة حصريّة منذ حصولهم على شهادة الباكلوريا.

وليس أشدّ وطأة و أنكى من تلك المؤشرات التي على ضوء تحققها يقع تجديد تأهيل الإجازات فهي بمثابة أحكام إعدام صادرة في شأن العلوم الإنسانية و لكن تنفيذها مؤجل إلى حين. وليس أدلّ على ذلك من مؤشر الرّغبة في دراسة هذه الإجازات فمن سيرغب من المتحصلين على الباكالوريا في الحصول على إجازة في العربية أو الفرنسية أو التّاريخ أو الجغرافيا أو الفلسفة...وهو يعرف أنّها لا تخرّج معلمين أو أساتذة فهؤلاء يتخرّجون من مدارس أخرى مختصّة في تكوين المدرسين؟

والنّاظر في مشروع هذه الإجازة الموحدة يلاحظ بيسر أنه قد تمّ التّخفيض في مدّة الدّرس الواحد من جهة و تعويض الدّرس المدمج بأشغال تطبيقية من جهة ثانية مما سيؤدي مباشرة إلى انخفاض ساعات التّدريس المتوفرة في كلّ صفّ دراسي مقابل ارتفاع عدد الحصص بالنسبة إلى كلّ أستاذ لأنّ ضارب احتساب الأشغال المسيّرة أقلّ درجة من ضارب احتساب الدّرس المدمج و هو ما سينتج عنه بصفة آليّة انخفاض حجم ساعات التّدريس المتوفرة فعليا مقارنة بالحجم الذي يطالب به كلّ أستاذ – و لا عجب في ذلك فسلطة الإشراف لم تغلق أبواب الانتداب و لم تعطّل التّرقيات فقط و إنّما عمدت في هذا المشروع المزعوم إلى إثقال كاهل الأساتذة المباشرين بعدد أكبر من الساعات في انتظار أن يتواصل انخفاض عدد الطلبة الموجّهين إلى شعب العلوم الإنسانيّة فلا يجد الأستاذ حينئذ طلبة يدرسهم.
أمّا القانون الأساسي الجديد للأساتذة الجامعيين الذي رفضته الجامعة العامة للتعليم العالي فيقوم على الاكتفاء فقط برتبتي أستاذ محاضر و أستاذ تعليم عالي تتفرّع كل رتبة منهما إلى ثلاث درجات يفصل بين الواحدة و التي تليها أربع سنوات وهو قانون يهدف مباشرة إلى تعطيل عبور الأستاذ من درجة إلى أخرى و حرمانه من حقّه في الارتقاء إلى أعلى الدرجات كما

يهدف إلى إثقال كاهله بمسؤوليات الإشراف و التّأطير دون امتيازات إضافية مقابل ما يبذله من جهد و ما يتجشّمه من مشاق.

4 - عن أيّ رؤية أو فلسفة يصدر هذا المشروع؟
بالرّغم من أنّ السيد الوزير و معاونيه من حملة رايات هذا المشروع الإصلاحي المزعوم لا يحسنون ترويجه بين عموم الجامعيين و اقناعهم بجدواه لضبابيته و غموضه و ارتباكه من ناحية أولى و لعدم تمثلهم هم أنفسهم له تمثّلا جيّدا يحيط خبرا بأسسه النّظرية و تفاصيله الاجرائية من ناحية ثانية، فإنّهم لا يترددون في الإعلان على سبيل الدعاية و التّسويق أنّه مشروع يقوم على أنقاض نظام أمد الذي أثبت فشله و كان وبالا على الجامعة التونسية –و إذ ينتقدون هذا النّظام و يهدفون إلى تثويره فإنّ الحجّة تعوزهم و الدليل يخونهم. و أنّى لهم بالحجّة أو الدليل و لا قراءة جادة تدبرت أمر هذا النّظام و لا عين خبيرة دقّقت النّظر فيه و تفحصته...إنّما هي مجرّد انطباعات و ارتسامات يبنون عليها مواقفهم و يبشرون بمشروعهم مثلهم في ذلك كمثل كل المبشرين يدّعون بأنّ ما جاؤوا به يجبّ ما كان قبله و أنّهم آتون بما لم تأت به الأوائل و إذا ساءلتهم فإنّ أقصى ما قد يحتجّون به و يتبجّحون هو أنّه مشروع يفتح الجامعة على محيطها المهني والاقتصادي و يمكّن طلبتها من الحصول على شغل بعد تخرّجهم.

• مفهوم التّكوين بدل مفهوم التّعليم
يقوم هذا المشروع في فلسفته على إحلال التّكوين Formation محلّ التّعليم Enseignement فليس المطلوب بناء متعلمين وأساتذة وإنّما تكوين صنّاع و حرفيين و خبراء وليست الغاية صقل المواهب وتحرير الطاقات الإبداعية و إنّما اكساب الطلبة الخبرة التّقنية والعلميّة و ليس التّعويل على العقل يفكّر و يشكّ و لا يرضى إلا أن يكون إماما و إنّما على يد تطبّق ما لقّنت وتستجيب استجابة آلية لما يطلب منها وليست الغاية القصوى أنسنة الإنسان Humanisation وإنّما ألينته (تحويله إلى آلة) Mécanisation و إذا اجتمعت هذه المعطيات و الشّروط فإنّ الجامعة لا تظلّ جامعة و إنّما تغدو ورشة تقنيّة أو صناعيّة كبرى.

• منطق السوق/ سوق الشغل
لا يخفي السيد الوزير أنّه مهووس بالسّوق، سوق الشّغل و أنّه لا خير في جامعة لا تستجيب إلى شروط هذا المجال و متطلباته فما الفائدة من أن تصنّع الجامعة بضاعة لا يقبل عليها المستهلكون و ما الجدوى من إنتاج دفعات من المتخرجين لا قطاع ينتدبهم و لا مستثمر يوظفهم. و الحقّ أنّ هذا المنطق التّجاري الاستهلاكي يفقد الجامعة خصوصياتها التّربوية و التثقيفية و التّنويرية و يجعل منها مجرّد منتج لسلعة أو بضاعة لا منتج لقيم و فنون و معارف.

• ترذيل العلوم الإنسانية
و ليس أشدّ تنكيلا بالعلوم الإنسانية من هذا المنطق التّجاري الاستهلاكي القائم على الرّبح و الخسارة فهي لا منزلة لها في هذا المشروع المزعوم و ما عليها إلاّ أن تقنع بأن تكون كائنات متحفيّة قد تسرّ النّاظرين قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة و توارى تراب العدم والنسيان.

• خوصصة التّعليم
تدلّ كل القوانين و المؤشرات على أنّ السيّد الوزير و من خلفه الحكومة يسعيان جاهدين إلى الإجهاز على التّعليم العالي العموميّ فهما لا يكتفيان بمحاصرته و التّخفيض في ميزانيته وإنّما وبالمقابل لا يتوانيان في دعم التّعليم الخاص الوطني و الدّولي و غضّ الطّرف عن إخلالا ته و تجاوزاته التي غصّ تقرير دائرة المحاسبات الأخير بعيّنات منها. و ليس أدلّ على هذا الأمر من سعيهما المحموم إلى بعث جامعات أجنبية فرنسية و ألمانيّة في تونس و التّعهد بتوفير الفضاءات (33 هكآ في منطقة مرناق الفلاحية للجامعة الألمانيّة / وهكتارات أخرى في منطقة بئر الباي السياحية للجامعة الفرنسيّة) ولم يجدا حرجا في الالتجاء إلى صندوق الودائع و الأمانات لتمويل هذه المؤسسات الجامعية. و لا عجب في ذلك فالحكومة الموقّرة مرتهنة إلى المؤسسات الماليّة الدّولية التي لا توصي إلاّ بتحرير المبادرة وتسريح الموظفين العموميين والتّفويت في المؤسسات العموميّة.

خلاصة القول مؤتمرات تعقد و أموال تهدر و قرارات تصدر وأوامر تنشر و اتّفاقيات تبرم وطبول تقرع و رايات ترفع ولا شيء لا شيء غير السّراب.
سيدي وزير التّعليم العالي- سي سليم خلبوس – سلمت يداك و وهبك الله السّلم و السّلامة و وقاك و وقانا و وقى الجامعة التونسيّة شرّ الارتجال و الاستعجال و الإلباس و التّلبيس ... ما هكذا تدار صناعة الذّكاء و ما هكذا يباع العقل التونسي بالمزاد العلني على قارعة الطّريق و ما هكذا تُورد الإبل.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499