«كثير هذا القليل الذي نمتلك»

بقلم: لطفي عيسى
أستاذ التاريخ الثقافي
بجامعة تونس

أن ينخرط التونسيون بما في ذلك القائمون على شأنهم العام بشكل حاسم في انجاز «حلم في المتناول» لا ينتظر سوى اعتباره أفقا لمستقبل قابل للمثول مع حلول العقد الرابع من القرن الواحد والعشرين، ذلك هو الهدف الذي أجهد الهادي بن عباس ومحمد التومي مؤلفا كتاب »تونس في أفق سنة 2040: حلم في المناول» نفسيهما لإقناع المطلعين على ما أوجزاه بقابلية تحقيقه في المستقبل المنظور. فقد تأولت عروضهما تفاصيل خطة محكمة هدفها تحقيق نماء عميم بمواصفات تونسية صرفة.

اعتبر مؤلفا هذا الأثر بحاجة التونسيين الملحّة إلى تطوير سرديتهم الجماعية، وذلك من خلال تصويب النظر نحو حاضر أيامهم وأعمالهم ومستقبلها، معتقدين أن السبيل لتحقيق الرفاه هو الانقطاع نهائيا عن تشغيل آليات الاصطفاف الايديولوجي والدخول في مرحلة جديدة تتسم بالتنافس من أجل تطوير التصوّرات الفكرية والأخلاقية المشجّعة على مواجهة مخلفات الماضي بغرض التحرّر من مساوئه. وهو مجال خصب ينبغي على جميع الفاعلين السياسيين أن يعتبروا بأهميته متنافسين بحماس في اقتراح توجّهات سياسية مجدّدة تسمح بالإقلاع نهائيا عن المناكفة الأزلية والتسويّة إلى أسفل ورفض مبارحة منطق الانحياز لأخف الضررين، والحال أن تضافر الجهود من أجل صياغة ما أسمياه بـ »ديناميكية التميّز» لدى جميع المعتبرين بقيم الجمهورية كما النجاح في تخطي التدبير الخاضع كليّا للحتمية، بوسعهما أن يمكّنا التونسيين من الانخراط بثبات فيما وسماه بـ»عصر السرديات الإيجابية».

توصيف نقدي لأبرز مضامين الكتاب
تم تقسيم مضامين الكتاب منهجيا إلى محورين كبيرين: خُصص أولهما وقد حمل عنوان «ما الصورة التي يتعين أن تكون عليها تونس في أفق سنة 2040؟» للوقوف عند مؤهلات البلاد وكيفيّة تحويلها تدرّجا إلى قطب انصهار ثقافي متعدّد الدلالات قابل للإدماج والتفتح، وباعتبارها أيضا »فردوسا» للطاقات المتجددة والنظيفة وللمنتجات البيولوجية ولسياحة الرفاه الخضراء، وجميعها أهداف تقتضي الإقدام على إعادة صياغة شاملة لمسألة تدبير الشأن المجالي بالحرص على مزيد عقلنته حضريا وجهويا والعمل على بعث أقطاب تخصّصية كبرى والتدرّج في الانتقال من مركزة الأنشطة الحيوية حول الشاغل التنموي الثقافي إلى محورتها حول القطاعات الاقتصادية، والنجاح تبعا لذلك في بعث عصب للتنمية المتضامنة يربط بفاعلية وذكاء بين شمال البلاد وجنوبها، وبين شرقها وغربها.

اقتضى التبسّط في مثل هذه الصيرورة تحديد كيفية انقلاب سُلم أولويات الفاعلين وتوضيح الأدوار الجديدة للدولة المبنية على التحكيم، والتوجيه، والقيادة السياسية، والتشريع، وللشركاء الاجتماعيين من باعثين، ومُشغلِين، ومُستهلِكين، وموظَفين، وللمجتمع المدني، وللمواطنين وللمحيط الدولي كذلك. في حين احتاج الخوض في توضيح ديناميكية الانتقال إلى تحديد طبيعة محرِّكها والحامل عليها والدافع للدخول فيها. كما شمل الاشارة إلى الطاقات المولِدة لها وقدرة تلك الطاقات على تغطية كامل المدة الزمنية التي من المنتظر أن تستغرقها مرحلة الانسلاخ أو التحوّل، فضلا عن الحاجة إلى تحلّي جميع الفاعلين بالقدرة على التآزر قصد بلوغ الأهداف المرسومة مع مزيد عقلنة الجهود المبذولة وتقسيمها إلى جملة من المحطّات تذليلا للمصاعب، وتوفّر قيادة حكيمة تتسم مختلف مبادراتها أو تصرّفاتها بالدراية المطلوبة. كما تحتاج تلك الديناميكية إلى رسم استراتيجيات تتضمن محاور مُهيكِلة ومُدمِجة قادرة على التعبئة والتقييم الجيّد للنتائج الجزئية التي من المؤمّل تحقيقها، وقراءة الواقع بشكل دقيق قصد الاستباق وتعديل المسارات تفاديا للكبوات وتطويرا للمكتسبات.

تم افراد المحور الثاني من الكتاب الذي حمل عنوان: «كيف يتعين أن يكون التونسي في أفق سنة 2040»، لاستجلاء أهمية التحوّلات المؤدية إلى الرفع من مستوى التنمية البشرية والارتقاء بسجل القيم الأخلاقية حتى تنسجم مع الحاجيات الجديدة للديمقراطية الناشئة المُعتبِرة بنهاية عصور الأيديولوجيات. ومن بين تلك الشروط التي أصر المؤلِفان على إثارتها تمّ التركيز بالخصوص على السيّر في الطريق الصعبة لبناء مصالحة حقيقية للتونسيين مع مؤسسات الدولة والبرهنة على أهليتهم للانقلاب إلى كمال المواطنة بما يتضمنه ذلك من حقوق ويقتضيه من واجبات. كما شملت تلك الشروط تكريس مفهوم الديمقراطية التشاركية بالاحتكام إلى الشفافية والتعويل على الاستشارة والدفع باتجاه لامركزية القرار وترشيد الحوكمة والقبول بالمساءلة وتحمّل المسؤولية. في حين تم وصل تحقيق كرامة التونسيين بالتدرّج على درب الحصول على حقوقهم الأساسية في التعليم، والثقافة، والوصول إلى المعلومة، والصحة، والطاقة، والماء، والتنقل، والاتصال.

يتبيّن لنا من خلال استعراض المحاور الكبرى لهذا المؤلَف أن الهدف المعلن منه يبقى موصولا بالتفكير في أمثل السبل التي تمكن من إخراج البلاد من المنطقة الرمادية التي تردّت فيها حاضرا، ودفعها إلى الانخراط بثقة ضمن ديناميكية نماء جديدة تنسجم مع أفق سنة 2040. ويمر ذلك ضرورة بالعمل على بناء سردية إيجابية تستند إلى نمذجة استباقية تساعد القارئ على مغالبة جميع دواعي الهروب إلى الأمام أو السقوط في التغريب، وتدفعه بالتعويل على التخيّل الخلاق إلى الاعتبار بأن اختيارات الحاضر هي التي سيبني ما نتطلع إلى عيشه مستقبلا. لذلك يعتقد المؤلفان بأن أمر أي انتقال منظور موصول كأوثق ما يكون بعملية إعادة تفكير شاملة في اختياراتنا الثقافية والنأي نهائيا عن مواصلة الجدل العقيم والهابط الذي تتسم به ساحة الفعل السياسي تونسيا.

وحدها المقاربة الشاملة والمجدّدة للمسألة الثقافية على الشاكلة التي ارتضتها عبقرية مؤسس الدولة الوطنية تونسيا، بمقدورها أن تشكّل رافعة تنمويّة لجميع القطاعات، سياسية كانت أو اقتصادية واجتماعية، توافقا مع ما اقرّه »أندري مالرو» من أن «الثقافة لا تورّث بل تُكتسب». فالمطلوب هو صياغة مشروع إصلاحي عميق للفرد من خلال تغيير شامل للواقع الذي يعيشه، والاعتبار بما يقتضيه ذلك التحدّي من كفاءة ومسؤولية. وهكذا فإن طرافة مشروع «التونسة» على حد تعبير المؤلفين تكمن في القبول بالانفتاح الداعم للاندماج والرافض لدواعي الاقصاء بالشكل الذي يحوّل تلك الحقيقة الماثلة إلى مكوّن أساسي في موروث التونسيين الثقافي أو في جيناتهم الثقافية. لذلك فإن مستقبل تونس لن يكون إلا في صفّ التعدّدية والادماج والتنوّع الثقافي مع استعصائه على الدغمائية والأحادية. فهذا البلد الصغير بوسعه تشرّب ثقافات الكون قاطبة دون أن يتخلّي عن جيناته الثقافية. لذلك فإن قوته الحقيقية تكمن في طاقته على الادماج وتطوّر تصوّرات نخبه واعتبار أفكارها التحرّرية، مع الاعتبار دائما بسِنة التحوّل.

لذلك فإن التساؤل الحقيقي الذي حاول المؤلفان اقتراح بعض العناصر الكفيلة بالإجابة عنه قد تمثل في أن الاعتراف بحصول ثورة حقيقة تونسيا مرتهن كأوثق ما يكون بقدرة التونسيين على مأسسة التنوّع وتسليط أضواء جديدة على ميراثهم الثقافي المترجم لجماليات عيشهم المشترك؟ أما آية ذلك فتكمن في مدى نجاحهم في تحويل بلادهم إلى أرض لقاء وحور وإدماج ثقافي وفردوس أخضر ومركز لنشر قيم السلم والتدبير العقلاني للمجال، وانتقالها بالتدرج إلى محور اقتصادي وجيو-استراتيجي موجَّه بالكامل لخدمة التنمية المتضامنة.

ملاحظات برقية للإثراء والمساجلة الفكرية
لا مراء في أن مختلف الأفكار المعروضة ضمن هذه العجالة مهمّة ومثيرة للانتباه بل ودافعة إلى الجدل المخصّب للتصوّرات أيضا، فقيمتها الحقيقية موصولة فيما نعتقد في انخراطها التام في تركيب رواية تحمل أفقا حقيقيا للخلاص تخيّر لها المؤلفان تسمية «السردية التونسية الإيجابية». غير أن استحضار ذلك والعمل على بلورته بيانيا ضمن مختلف فصول الكتاب وجداوله التوضيحية، لا يجب أن يُلهينا عن حقيقة الواقع المتشعب الذي نحياه راهنا، سواء على الصعيد الكوني بعد أن تمكّن اقتصاد السوق المعولم الخاضع لنوازع رأسمالية متوحّشة من شطب صورة الدولة الكافلة لمواطنيها والقادرة على الحفاظ على سيادتها، وذلك لفائدة هيكل مفترس تحوّل وفي أقل عن عشرية من الزمن إلى دولة لّوبيات مالية مورّطة في دعم شبكات غامضة لا ترى أي غضاضة في التعامل مع المهربين ومحركي العصابات «المافيوزية». علما أن التحولات التي طالت العديد من الدول مع نهاية القرن العشرين وحال انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط جدار برلين قد أفضت إلى ضرب جميع آليات العودة إلى المؤسسات في العمق، مستعيضة عن جميع ذلك تدريجيا بإخضاع مختلف المعاملات إلى منظومات زبونية على الشاكلة التي تحيل عليها نماذج التنمية المشبوهة التي أفرزتها العديد من الأنظمة المرتهنة لسيطرة الشركات العابرة للقارات، سواء بالمجال المتوسطي والشرق أوسطي، أو بالكيانات الناشئة عن انهيار الأنظمة الشيوعية والاشتراكية بأوروبا الشرقية وبجنوب القارة الأمريكية.

فجميع تلك الكيانات الحادثة كونيا تعيش اليوم واقع متشعّبا يتسم بشدة التعقيد مع تراجع ملحوظ للأدوار الاستراتيجية التي تولتها المؤسسات العمومية القائمة على الخدمات القضائية والإعلامية والتأهيلية أو التكوينية وصناديق التأمين على المرض والمعاشات، تلك التي لم يعد بوسع جميعها مجابهة احتياجاتها أو نفقاتها بالقدر المطلوب من الفاعلية والجوّدة الضامنة لمدلول كرامة البشر. وهو ما ضخّم من شعور المنظورين وفقا لما عايناه تونسيا بعد أحداث بداية سنة 2011 بالمرارة والحرمان وتعاظم خيبة الأمل مقارنة بحجم الوعود والأوهام والأحلام التي راودت التونسيين حال حصول ذلك الحدث الفارق. فقد تم تجاهل شعارات الثورة وتراجعت سلطة الدولة وانحسر مدلول السيادة وضاق أفق الفاعلين السياسيين الذين اكتفى أغلبهم بالركون للمعالجة السطحية للمشاكل الهيكلية المتراكمة. واستشرت سيطرة الفئات العابثة بالقانون التي كادت تجهز على ما بقي من مقدرات الدولة وقُدراتها. وساهم مثل هذا المناخ الموبوء في عودة التصوّرات البدوية المزرية بجميع القوانين وبروز النعرات القبلية والجهوية والمِهنية الضيقة والتمسّك بتدين شعيرة شرّع جميع أشكال التجهيل والانتهازية.
على أن المعضلة الكبرى لا تتمثل على الحقيقة في غياب الأفكار المجدّدة التي يسمح تطبيقها بالدفع نحو تفادي الوقوع في المجهول على غرار الرفع من مستويات الادماج جهويا وتقليص مستويات التهميش وتطوير الاقتصاد التضامني والحدّ من هيمنة القطاعات التجارية الريعية وإحداث أقطاب تنمية أو قاطرات جهوية للنماء وإعادة النظر في تدبير الشأن الترابي

وتلافي أزمة المالية العمومية بالانخراط في تصوّر شجاع وإرساء مسطرة جبائية عادلة ومتضامنة تحقّق قولا وفعلا الإدماج الضريبي مع إعلان قانون للطوارئ الاقتصادية يحمي مسار التنمية ويعبئ التمويلات العمومية الذاتية من أجل تطوير تجهيزات البنية فحسب، بل في القدرة على الاقناع بضرورة وضع حدّ لجميع أشكال المداورة والتحيّل والانتظام داخل شبكات غامضة وتفريخ أشكال جديدة من الزبونية غير الممركزة تلك التي قوّت إحساس أغلب الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين بتفشي الفساد في مفاصل الإدارة وتشظي السلطة وانعدام حضور طرف قادر على حل المشاكل البسيطة قبل المستعصية.
لذلك فإن تدبّر مختلف مكونات «ورقة الطريق» التي اقترحها علينا مؤلفا «تونس في أفق سنة 2040: حلم في المتناول»، مُعتبرٌ من حيث علاقته بالثورة المنظورة في تفكير التونسيين أكثر من اتصاله بالبت في عدم قدرتهم على تجاوز إكراهات ما بعد الهزة العنيفة التي أخرجتهم من حالة الخوف والذهول تلك التي استسلموا لها صاغرين لعشريات متتالية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا