منبــر: كيـف أفسد جيــل «التجمع» الأخير بيروسترويكا حزب «الدستـور»؟

كتبت يوم 17 جانفي 2011، أي ثلاثة أيام فقط بعد نجاح الثورة، مقالا بعنوان «حزب الدستور التونسي وضرورة إعادة البناء»،

مدافعا عن حق أبناء الحركة الاصلاحية الوطنية الدستورية التونسية في القيام بـ «بيروسترويكا» يعيدون من خلالها بناء حزبهم على أسس «ما بعد ثورية» ويساهمون عبرها في عملية تأسيس النظام الديمقراطي الجديد مع غيرهم من العائلات السياسية الناشطة في المشهد التونسي، الاسلاميون واليساريون والقوميون العرب والليبراليون وغيرهم، فقد كنت أومن منذ أمد طويل بحقيقتين هامتين بالنسبة لي:

الحقيقة الأولى: إنه ليس قدر حزب الدستور الذي تأسس في 1920 وتجدد في 1934، ان يكون حزبا حاكما شموليا يقوده رئيس ديكتاتور او شبه ديكتاتور، حاكم بأمره، وان تحويله كذلك في بداية الستينيات من القرن الماضي، كان خيارا سياسيا نسبيا، وكان يمكن ان يكون مختلفا مثلا لو ان تونس ابقت على النظام الملكي، او لو لم يندلع الخلاف البورقيبي اليوسفي، او لو آل هذا الخلاف الى غير ما آل إليه، فالحزب الدستوري الذي كان العمود الفقري للحركة الوطنية الاصلاحية نشأ في ظل بيئة تعددية وليس هناك في أدبياته، أكان القديم أو الجديد، ما يشير إلى انه يتبنى النظام الشمولي بنيويا، اي نظام الحزب الواحد، بل ان جل أدبياته بشقيه - أو شقوقه- تشير الى تبنيه نظرية التعددية السياسية الديمقراطية، وبالتالي فان الربط بينه وبين الاستبداد والديكتاتورية، هو ربط ظرفي بالمعنى التاريخي، وانه بمقدور الحزب فك هذا الارتباط، وقد قام بذلك تدريجيا سنة 1981 في ظل حكومة المرحوم محمد مزالي، وصوريا في ظل نظام الرئيس بن علي.

الحقيقة الثانية: إيماني بأن الديمقراطية بمعناها النيابي التعددي الليبرالي السائد حاليا، إنما هي اكتشاف تونسي جماعي، اذ لا يمكن لبقية التيارات الاسلامية واليسارية والليبرالية والقومية العربية المزايدة على الدساترة والادعاء بأنها كانت ديمقراطية في مقابل ديكتاتورية الحزب الدستوري، بل ان وقائع التاريخ الوطني المعاصر تشير الى ان الدساترة كانوا اول من طالب بالإصلاح السياسي بمضامينه الديمقراطية التعددية قياسا الى غيرهم من العائلات السياسية، فبعد خفوت الصوت اليوسفي في الخمسينيات بالحديد والنار، ارتفع صوت المرحوم احمد التليلي الزعيم النقابي في الستينيات عبر رسالته ذائعة الصيت الى الرئيس بورقيبة، وارتفع صوت الديمقراطيين الاشتراكيين في السبعينيات من خلال مؤتمر الحزب في 1971 وما تلاه من وقائع واحداث، قبل ان تظهر محاولات سي مزالي في الثمانينيّات وهو الذي اصر على إقرار اول قانون للتعددية السياسية، وفي زمن بن علي طالب بعض الدساترة ايضا كمحمد مزالي واحمد بنور واحمد القديدي وعمر صحابو بتصحيح مسار النظام والتزام القواعد الديمقراطية، ومن هنا فقد كانت هناك قبل الثورة وعلى مر العقود شخصيات دستورية مناهضة للحكم الفردي الشمولي ومنادية بالديمقراطية.

وشخصيا، لطالما اعتبرت نفسي - منذ قمت بمراجعاتي الفكرية بداية التسعينيات- مناضلا دستوريا ديمقراطيا أحمل أمانة المشروع الحضاري الاصلاحي الوطني الديمقراطي كما اسس له الشيخ عبد العزيز الثعالبي وجدده الحبيب بورقيبة وعصرنه محمد مزالي وطرحه في 2012 الباجي قائد السبسي، ومن هذا المنطلق فقد انخرطت في مشروع تحرير حزب الدستور من نسخته الديمقراطية منذ سنوات ما قبل الثورة، سواء في إطار مجموعة سي محمد مزالي في المنفى او في اطر اخرى لم يكتب لها الدوام للاسف الشديد، تماما كما عملت منذ الأشهر الاولى ما بعد الثورة، الى الاتصال بجميع من قدرت انه يحمل الهم نفسه، اي اعادة بناء حزب الدستور على اساس ديمقراطي يقطع مع الماضي الديكتاتوري ويكون شريكا رئيسيا في مسار الانتقال الديمقراطي، ومن هؤلاء على سبيل الذكر لا الحصر محمد الغرياني ومحمد جغام وكمال مرجان وعمر صحابو واخرون، وكانت هذه هي الرؤية التي قادتني - وما تزال- سواء عندما ساهمت في تأسيس حزب المجد مع الصديق عبد الوهاب الهاني في النصف الثاني من 2011، او عندما كلفت بالامانة العامة للاتحاد الوطني الحر في النصف الاول من 2012، او اخيراً عندما التحقت بنداء الباجي قائد السبسي قبل ما يزيد عن الست سنوات (أواخر 2012) والذي ما ازال منخرطا فيه الى اليوم، فقد كان خط التحرير عندي واحدًا في جميع هذه المحطات، ألا وهو الرغبة في المساهمة في اعادة بناء حركة وطنية اصلاحية دستورية بهوية والتزام ديمقراطيين صادقين.

لقد انتبه البعض الى وجود طرحين أساسيين في الفضاء الدستوري ما بعد الثورة، طرح يقول بضرورة اعادة البناء على أساس «تقدّمي ديمقراطي» يستند اساسا إلي قطيعة ابستيمولوجية وفكرية وسياسية مع الماضي الاستبدادي، اي انه طرح تجديدي، في مقابل طرح ماضوي، اقرب الى اليمينية المتطرفة او الفاشية، ذو طبيعة إحيائية ينطلق من عدم رضاء المواطنين على الوضعية الاجتماعية والاقتصادية الصعبة المرتبطة بمرحلة الانتقال الديمقراطي، ليدعو الى العودة الى نظام بملامح النظام الاستبدادي ما قبل الثورة، وهذا الطرح كسائر الاطروحات الشعبوية المتشددة يعمل على الاستثمار في مناخ الأزمة ليقدم اجوبة بسيطة لمشاكل وقضايا شديدة التعقيد، اما الجانب الاخطر غير المنتبه إليه بالدرجة الكافية، خلافا لأهل الطرحين السالفين، فهو ذاك المتعلق بما يمكن ان نسميه ب"جيل التجمع الأخير" (أو بالأحرى بعضه) اي تلك المجموعة التجمعية (غير الدستورية/المنسوبة زيفا للدساترة) التي استغلت نقاط ضعف النظام الديمقراطي ما بعد الثورة وتسرّبت الى المشهد السياسي من منافذ متعددة وتحركت ضمن خصائصها لتجهض عمليا - او تكاد- على مشروع اعادة بناء حزب الدستور كما حلم به المناضلون وتخيلّه المنظرون، فمن هو هذا الجيل وما هي أبرز ملامحه وكيف أفسد المشروع أو يكاد؟ هذا ما تهدف هذه الورقة إلى بيانه وتحليله وتقديم جواب أولي عليه.

لقد دافعتُ منذ اليوم الموالي لنجاح الثورة عن حق الدساترة (بالمفهوم الواسع للكلمة) في الانخراط في الحياة السياسية الجديدة، وقلت في مقال نشرته بصحيفة الشروق يوم 6 افريل 2011، في إطار معارضتي لقانون الاقصاء الاول الذي سنته حكومة سي الباجي آنذاك، اننا لن نبني تونس الديمقراطية بالإقصاء، وكانت هذه قناعتي الفكرية وتوجهي المبدئي، ففي رأيي

لا يمكن ان تنجح الثورة اذا أخذت مسارا انتقاميا، ولن تنجح الديمقراطية اذا لم تقف على ارضية صلبة قوامها العدالة الانتقالية من جهة والمصالحة الوطنية من جهة ثانية، الا ان الممارسة عادة ما تكشف نقاط ضعف لم تحسب لها المعادلة النظرية حسابا، ومن ذلك ان انتصار مطلب «عدم الاقصاء» قد أفضى عمليا الى ابعاد "النخبة الدستورية والتجمعية الصالحة" التي كان يفترض ان توقع على العقد السياسي والاجتماعي الجديد، والتمكين لهذا الجيل التجمعي الاخير (وتحديدا العناصر الأكثر فسادا فيه) ليلعب دورا خطيرا لم يكن يوما مؤهلا للعبه، وليستغل آليات النظام الديمقراطي حتى يمعن في اضعافه وربما يقود الى إنهائه لا قدّر الله.
ويرتبط هذا الجيل في نشوئه بالمرحلة الاخيرة من عمر النظام السابق، اي مرحلة الانهيار، فإذا اعتمدنا التحقيب الخلدوني في قياس اعمار الدول وانظمة الحكم ومساراتها، فان نظام بن علي قد عرف ثلاث مراحل هي الإعمار والازدهار

والاستمرار، قبل ان يبلغ المرحلة الرابعة الاخيرة وهي الانهيار، فخلال هذه المرحلة بلغ الفساد اقصاه وتحول الحزب الى آلة امنية/مخابراتية وانحرفت المفاهيم السياسية وغابت المرجعية الاخلاقية وسادت المحددات «الغنائمية» في التعامل مع موارد الدولة ومقدراتها ومواقع السلطة فيها.
ولا شك ان هذا الجيل الذي اعنيه يحتاج الى اكثر من دراسة سوسيولوجية وفكرية وسياسية، خصوصا اذا ما تبلورت في الأفقِ المنظور، وخصوصا في الفضاءات الجامعية والعلمية، أقسام ووحدات بحث متخصصة في مراحل الانتقال الديمقراطي، لكن هذا الواقع لا يمنع المهتم الباحث من تسطير جملة من الخصائص التي تميز بنظره وبحسب تقديره النظري وخبرته العملية، عناصر هذا الجيل عن سواها من عناصر الأجيال الدستورية/التجمعية السابقة، وتفسّر إلى حد ما أثرها السلبي في الحياة العامة والمشهد السياسي والمشروع الديمقراطي، وبالمقدور تلخيص هذه الخصائص في أربع رئيسية:

ضحالة البنية الفكرية، فهؤلاء لم يرتبطوا يوما بمشروع حضاري وطني، و لم يطالعوا غالبا كتاباً في حياتهم عدا بعض المقررات الدراسية ربما، ولم يكن انتماؤهم الحزبي مرتبطا بقناعات معرفية او قراءات في تاريخ الحركة الاصلاحية والوطنية او اطلاع على سير روادها ورموزها ونضالاتهم في شتى المجالات الحياتية، سواء خلال المرحلة التحررية او المراحل اللاحقة المرتبطة ببناء الدولة المستقلة، بل ان غالبية هؤلاء المتصدين اليوم من هذا الجيل للعمل السياسي يفتقدون لأي مؤهل جامعي، او هم تحصلوا على ديبلومات وشهادات بطرق ملتوية وملتبسة، ولم تعرف لهم نجابة في اي اختصاص، وعدد من بينهم كانوا مكلفين خلال السنوات الاخيرة للنظام السابق بمهام مشبوهة غير مشرفة لا صلة لها بالعمل السياسي بالمعنى الحقيقي المتعارف عليه وطنيا ودوليا.

انحراف المفاهيم السياسية: اذ يحمل المصنفون ضمن هذا الجيل تعريفات ومقاربات منحرفة للعمل السياسي، فهم في هذا ثمرة تلك النظرة الاحتقارية التي حملها الرئيس السابق للسياسة والسياسيين بالنظر الى تكوينه العسكري والامني/الاستخباراتي، وهو ما قاد في نهاية المطاف الى سيادة العملة السيئة على العملة الحسنة وانتصار اهل المكائد والدسائس و"التكمبين" (بالعامية) على اهل الفكر والعلم والاخلاق، حيث أصبحت الحياة الحزبية داخل التجمع بمختلف هياكله ومنظماته في الفصل الاخير من عمر النظام مجالا للصراعات العدمية بين هذه العناصر ضحلة التكوين والاهتمام، وبرز بالتالي جيل الفتوات والباندية وتراجعت العناصر النخبوية اما الى الخلف او الى منظمات المجتمع المدني والجمعيات الرياضية.

طغيان المسلكية الأمنية: لقد تحول التجمع الدستوري الديمقراطي خلال مرحلة الانهيار الى مؤسسة ادارية تشكل جزءا من هيكلية النظام، قبل ان تنتهي مع الغلبة العددية لعناصر الجيل الاخير الى ما يشبه المؤسسة الأمنية/ الاستخباراتية، ومن هنا فقد تطبع أبناء الجيل الاخير بطبائع المخبرين رغم تبدل الحال بعد الثورة وتغيير طبيعة النظام، فبحثوا لهم عن رؤساء جدد واستأنفوا عملهم في التجسس على القريب والبعيد والسير في الكواليس بالغيبة والنميمة والدسيسة، وحرصوا كل الحرص على افساد اي مبادرة لتنقية الأجواء وتنظيف المناخات، فمن اعتاد العيش في المياه الآسنة لا يملك العيش في مياه نظيفة واضحة، ومن هنا تراهم يعمدون كلما لاحظوا ان الامور تسير في اتجاه الشفافية، أسرعوا الى اختلاق المؤامرة.

هيمنة الثقافة الغنائمية: حيث لا يحمل عناصر هذا الجيل اي رؤية حضارية او برنامج سياسي، بل ان المحدد الاساسي في سلوكهم اليومي هو البحث عن فريسة، اي عن غنيمة، فالسلطة بنظرهم في ذاتها الغاية وليست وسيلة لإدراك أهداف سامية في التقدم والتحضر، وهكذا ينظرون الى كل من يمارس السياسة نظرتهم لأنفسهم، فالجميع طلّاب كراسي والجميع غايته المنصب، وهو ما يبرر برأيهم جميع الرذائل والخبائث، ولا فارق عندهم بين يمين او يسار، او بين معتدل ومتطرف، ولهذا فقد علقت بغالبية هؤلاء وعلى نحو قياسي شبهات فساد، جعلت مخرجهم الوحيد من الملاحقة هو الهروب الى الامام والاحتماء بحصانة البرلمان او الحكومة، حتى ان غير المحظوظين من بينهم وجدوا أنفسهم امام قضايا جزائية، كما تحول بعضهم الى سماسرة بين رجال الاعمال ودوائر السلطة، وليس لهم من همّ سوى ان يغنموا اكثر ما يمكن وفي أسرع وقت لربما قامت ثورة ثانية فلا تمكنهم من المواقع التي وجدوا أنفسهم عليها.

لقد تسبب هؤلاء في افساد مشروع نداء تونس كنسخة جديدة لحزب الحركة الوطنية الاصلاحية، وفي افساد المشروع الديمقراطي بتسربهم الى مؤسسات النظام السياسي الجديد ودحرجتها الى الحضيض، وفي افساد الحياة العامة بتكريسهم اسوء الانطباعات عن النخب السياسية الجديدة. ويطمح هؤلاء اليوم الى الاستفادة مما بقي من مصداقية النداء للبقاء في دائرة الغنيمة السلطوية، بعد ان استفادوا مما أبقاه النظام السابق من موارد للدولة، فان نجحوا في مخططهم هذا الذي يقضي بالتوزع على الأحزاب المرشحة للفوز بالانتخابات القادمة، ومن ثمّةَ مواصلة المداوراة والمناورة، فانهم حتما سيواصلون وظيفتهم التدميرية الآنفة، ولن يحول دون بقائهم في مواقع القرار والتأثير سوى وعي كبار القادة الحزبيين والحكوميين بخطورة هذه الفصيلة وتفويتهم الفرصة عليهم بمنح الكفاءة والنزاهة والوطنية الصادقة المكانة العليا والأولوية المطلقة.

بقلم: خالد شوكات
قيادي في حركة نداء تونس

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا