هل ما تزال أمام نداء تونس فرصة؟ بقلم: خالد شوكات

خالد شوكات قيادي في حركة نداء تونس 

لا بد لي من القول بداية، انه ليس لي أدنى مشكلة في ان يطرح السيد يوسف الشاهد مشروعا سياسيا

على التونسيين، فأن يكون بمقدور التونسيين طرح مشاريع سياسية جديدة، والمساهمة بشكل دوري في تجديد العقل السياسي الوطني، فذلك من فضائل النظام الديمقراطي، إِلَّا ان اعتراضي الوحيد - وما يزال- كما قلت هذا الامر قبل ما يزيد عن العام، فهو استغلال وسائل الدولة لبناء وإطلاق حزب سياسي، اذ هو امر شديد الخطورة على مستقبل الديمقراطية وانحراف اخلاقي وسياسي غير مقبول وقد تكون عواقبه على الجميع وخيمة.

اما بالنسبة لنا في حركة نداء تونس، وفيما عدا النقطة المشار اليها سلفا، اي اجراء انشقاق إضافي لكن بموارد الحكومة، فإننا قد اعتدنا تقريبا على هذه الحالة التي يخرج فيها علينا بعض رفاقنا ليزعموا اننا انحرفنا عن الطابع الديمقراطي والحداثي، وأنهم جاءوا لمقاومة الانحراف وتقويم المسار، وهي حجة متهافتة برأينا يفندها الموقع السياسي الذي اختاره المنشقون منذ يومهم الاول في الحكم، وهو التوافق مع الحركة التي انشقوا لاجل توافقنا معها، اي حركة النهضة ذات المرجعية الاسلامية، ومن هذا المنطلق فان من ينهى عن سلوك ويأتي بمثله يفترض ان لا يعتد كثيراً برأيه، لانه عمليا قد اختار تعويض "توافق الندية" ب"توافق التبعية".

لكن، بالمقابل، لا يمكن لندائي صادق ان يتجاهل امر الانشقاقات المتواصلة وان ينفي حالة الوهن التي وصلنا اليها جراء اخطاء تسييرية شبه قاتلة واصرار يبلغ درجة العناد على العزة بالاثم ورغبة في عدم اجراء اي نقد او تقويم او تصحيح حقيقي، ناهيك عن الإنصات اليه والعمل بمقتضياته والشجاعة في القيام بموجباته ولو كانت مؤلمة، فقد بلغت حالة المرض الندائي درجة تستوجب حلا في مستوى الجراحة، وليس مجرد وصف مسكنات الم وتهدئة، ولعل المؤتمر الديمقراطي الانتخابي - ان تمكنا من بلوغه بطبيعة الحال- يشكل كما قال بعض الرفاق والاخوة، اخر فرصة للنداء حتى يكون قادرًا على الاستمرار في لعب دور رئيسي، والا فان مصيره لن يختلف عن مصير حزبي التكتل والمؤتمر، او الحزب الاشتراكي الدستوري الذي انتهى برحيل بورقيبة عن السلطة، والتجمع الذي انهار بانهيار نظام بن علي، اذ يقدر بعضهم ان النداء سينتهي كذلك بانتهاء عهد الباجي.

انني - بكل تواضع- من قيادات المرحلة التأسيسية 2012 /2013، وقد كنت احد أعضاء الهيئة التسييرية التي اختارها الرئيس المؤسس الباجي قائد السبسي، عددهم خمسة وعشرون قياديا من ضمنهم اثنا عشر عضوا في هيئة التأسيسية، وربما اكون احد خمسة او ستة من مجموعة الـ25 المشار اليها، ممن لم يغادروا الحزب لتأسيس احزاب اخرى او ممن استقالوا او جمدوا عضويتهم، وقد يكونون تراجعوا لاحقا، ومن هنا ارى انه من واجبي ومن حقي في الوقت نفسه ان أبدي رأيا في مستقبل الحزب، في هذه اللحظة المفصلية الحاسمة التي يتوقف عليها مصير النداء الذي لا يمكن لأحد إنكار الدور الذي لعبه في تحقيق التوازن السياسي وانقاذ مسار الانتقال الديمقراطي، وبعد ان كانت تونس في طريقها الى بناء نظام احادي جديد يهيمن الاسلاميون عليه.

ولعلي أوجز رؤيتي المسقبلية للنداء في ثلاث نقاط أو رهانات أساسية:
النقطة الأولى: ان نخرج من المؤتمر بقيادة ندائية مقنعة، تتشكل من افضل الكفاءات الندائية، كفاءات تحوز على المواهب الضرورية في العمل السياسي والسمعة الطيّبة البعيدة عن الشبهات والقدرة على العمل المشترك والإيمان بخصائص النداء التاريخي في التنوع والوسطية والاعتدال والحداثة والوطنية. وعلى الرغم من كل الانشقاقات التي حصلت، فان خزّان النداء ما يزال يتوفّر على العديد من القيادات الوطنية والجهوية والمحلية والنسوية والشبابية التي تتوفر على المطلوب من القدرات لربح الرهانات السياسية والانتخابية القريبة القادمة، ومنح النداء نفسا جديدا يرمم صورته المهشمة والمشوهة.

النقطة الثانية: ان نخرج من المؤتمر برؤية مستقبلية قريبة ومتوسطة وبعيدة المدى، يجري تضمينها في وثائق ولوائح وبيانات واضحة، فكرية وسياسية وتنموية اقتصادية واجتماعية، تستند الى مفهوم مبدئي وواقعي في نفس الوقت للنداء باعتباره نسخة معاصرة لحزب الحركة الوطنية الاصلاحية التونسية، وبالرغم من كل ما قيل وما يقال عن النزعة "البرغماتية" والمحددات الغنائمية لحركة نداء تونس، فان للحركة رصيدا من الوثائق المكتوبة والمرئية والمسموعة لا يستهان به، ارتبطت خاصة بمحاولات التأثيث الفكري والسياسي خلال المرحلة التأسيسية، لا مناص من الاستفادة منه في هذه المرحلة التأسيسية الجديدة التي تحتاج قدرا من الإحياء والتجديد في آن.

النقطة الثالثة: ان نخرج من المؤتمر بمؤسسات حزبية واضحة المعالم وثابتة، تعكس الرغبة في بناء حزب ديمقراطي مؤسساتي قادر على ربح رهان الاستدامة وتجاوز البعد "الشخصاني"، ويليق فعلا بتمثيل التراث السياسي الوطني الاصلاحي، ويصحح الصورة التي التصقت بالنداء خلال السنوات الماضية، في علاقة ب"الباتيندا" وجماعات الضغط والمصالح الضيقة، فالمؤسسات الديمقراطية وحدها هي التي تضمن للأحزاب الكبرى ديمومتها وتربط القوانين بالفضيلة وتفتح المجال امام المواهب لارتقاء اعلى سلم الحزب والدولة، ودون مؤسسات ستنهار البنى تباعاً وستنحدر الممارسة الحزبية الى ما يقود الى نهاية موشكة قريبة، خصوصا في ظل نظام ديمقراطي يقوم على لعب سياسي مفتوح البقاء فيه سيكون في النهاية للأصلح.
ثمّةَ من الاصدقاء والرفاق والاخوان من يقول لنا انكم تنفخون في جسم ميّت، وثمة من يؤكد على ان المشروع الندائي قام منذ البداية على أسس خاطئة غير قابلة للتصحيح، كما ثمّةَ من يشير الى الطابع "الغنائمي" البنيوي للنداء فيما يتصل بالعلاقة بالدولة، الى جانب من يقول بأن العناصر الندائية الجيدة قد غلبتها العناصر "المافيوزية" وانتهى امرها.. كل هذه الامور واردة ولا يمكن تهميشها او تجاهلها، لكن الثابت عندي وعند عدد من المساهمين في التأسيس أننا حريصون كل الحرص على القيام بواجبنا تجاه حزبنا الى اخر رمق، فان كانت النهاية محتومة فلتكن إذًا مشرفة من خلال قيامنا بواجبنا في النقد والنصح والتوجيه والتصحيح ما استطعنا، والله من وراء القصد والله ولي التوفيق.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية