أين يمكن أن يصل بنا التصعيد المتبادل بين حكومة الشاهد واتحاد الشغــل؟

بقلم: طارق الكحلاوي
نشهد هذه الاشهر اوضاعا غير مسبوقة في تاريخ تونس. ليس فقط نحن إزاء اول اضرابات عامة

بمعناها النقابي الاصلي (مقابل الاضراب السياسي) في سياق دولة ديمقراطية بل نحن ازاء مسار تصعيد في نسق اضرابات عامة غير مسبوق ايضا. ولا احد لديه خبرة في تونس في مآلات التصعيد المتبادل هذا الى اين يمكن ان ينتهي.
هناك الكثير الذي يمكن رصده في الصراع النقابي-الحكومي لكن نحتاج الى التركيز على المسألتين الاكثر اشكالية:

هل ما يحصل مجرد مؤامرة سياسية تخفي صراع القصبة مع قرطاج ام هناك ترابط عفوي بين احتقان اجتماعي والديناميكية النقابية؟ بمعنى اخر ما هو المحرك الرئيس للاضرابات تاريخيا السياسة ام الاقتصاد؟
الي اي مدى يمكن للطرفين التصعيد؟ ماذا بعد الاضراب بيومين؟ من سيكون الخاسر في النهاية، بالاضافة للاقتصاد التونسي، ماكينة الاتحاد ام احلام الشاهد؟
في تاريخ تونس الاضرابات تتزامن مع ارتفاع التضخم: مثال 26 جانفي 1978

ادلى الرئيس قائد السبسي بدلوه في الازمة الاخيرة من خلال تذكير اشبه بالوعظ والتخويف والتحذير بحدث تاريخي مهم هو الاضراب العام في 26 جانفي 1978 الذي أعلنته الهيئة الادارية للاتحاد بقيادة امينه العام انذاك الحبيب عاشور. طبعا من الصعب ان يكون قائد السبسي مرجعا موضوعيا في سرد هذا الحدث، وكان من الواضح ان استحضاره له اتى في سياق صراعه السياسي مع القصبة. غير ان ذلك يحيلنا على الحاجة للتعمق في ما حدث انذاك لفهم امر اساسي وهو الظرف الموضوعي الذي يتحرك داخل مربعه اتحاد الشغل. اذ ان التاريخ والماضي كان حاضرا بقوة في 17 جانفي ، وسيواصل الحضور في الفترة القادمة مع احتمال تكرر الاضرابات.
الفكرة الاساسية التي اريد تركيزها في هذا الجزء هي التالية: نعم تموقع الاتحاد بارادته او بدونها في الصراع السياسي منذ تأسيسه. قبل وبعد الاستقلال. قبل وبعد الثورة. لكن المحدد الرئيسي في قدرته الاحتجاجية كان دائما السياق الاقتصادي العام. خاصة معدلات التضخم.

اول اضراب عام في تاريخ البلاد بعد الاستقلال تم في 26 جانفي 1978 في سياق سياسي معقد. هناك اسباب مختلفة منها السياسي (استبداد بورقيبة وحزب الدستور بالحكم، ايضا الصراع داخل الحكم وكانت القيادة النقابية ممثلة انذاك بالحبيب عاشور في قيادة الحزب أيضا، أيضا انضمام وتموقع أطراف «اليسار الجديد» الثورية مثل «العامل التونسي» و«الشعلة» في مفاصل الاتحاد ودفعها نحو الاحتجاج الاجتماعي)… لكن كل هذه العوامل السياسية لم يكن من الممكن ان تكون مؤثرة لولا السياق الاقتصادي والاجتماعي المناسب والمساعد. اذ يبقى العامل الاقتصادي والاجتماعي هو العامل الحاسم في تهيئة حاجة قوية لدى اوساط اجتماعية واسعة للاضراب والاحتجاج.

السياق الاقتصادي الذي انضج الاحتجاج في السبعينات متعدد الاسباب ولم يحدث في سنة او اثنتين بل شمل مرحلة السبعينات. هناك السياق العام خاصة تأثير “الصدمة النفطية” في 1973 على ارتفاع الاسعار عالميا. وتونس لم تكن استثناء. كانت الازمات الاجتماعية الكبرى في تونس مثلا في سنتي 1978 و1984 اثر “صدمتين نفطيتين” ومن ثمة اثر ارتفاع الاسعار خلالهما (انظر في علاقة اسعار النفط بالتضخم في تونس اطروحة ماجستير لفيصل البهلول سنة 2008، جامعة صفاقس).

يضاف الى ذلك السياسة العامة لدولة الاستقلال التي لم تنجح في ايجاد ظروف محلية قادرة على استيعاب الصدمة. بل ان سياسة الهادي نويرة المسماة "ليبرالية" القائمة على خطة تقوية الاستثمار الخاص واضعاف الاستثمار العمومي لم تؤد الى تقوية الانتاج المحلي بل الى تفكيك تدريجي للانتاج، ترهل الانتاج في المؤسسات العمومية وضعف المؤسسات الخاصة.
الهادي نويرة «الليبرالي» لعب دورا قياديا في مزيد ترسيخ الاستبداد اذ كان احد اهم مهندسي مؤتمر «الوضوح» في سبتمبر 1974 في المنستير والذي انتهى باللائحة سيئة الذكر "لمبايعة المجاهد الأكبر رئيسا مدى الحياة اعترافا بعظيم فضله على الأمّة”. والقى حينها خطابا اكد فيه على ان النظام السياسي التونسي قائم على اساس “الحزب-الدولة”… ولم يتم التأسيس النظري للاستبداد بهذا الوضوح قبل ذلك.

في بداية اشرافه على دواليب الدولة وصلت نسب النمو لاسباب معـقدة منها مواسم فلاحية جيدة الى ما بين 8 و10 ٪ دفع نويرة الى زيادة الاجور سواء في الوظيفة العمومية، القطاع العام، وايضا القطاع الخاص، لكن الزيادات كانت ضعيفة مقارنة مع الارتفاع الكبير لتكاليف العيش. اذ بلغت نسبة التضخم في منتصف السبعينات الى نسبة قريبة من النسبة الحالية: اذ تراوحت بين 5 و10 ٪ (أنظر فيما يخص ارقام التضخم في السبعينات مقالات محمود بن رمضان سنتي 1983 و1984 وقبل ذلك اطروحة الدكتوراه سنة 1981).

الخلاصة هنا، نعم توجد دائما حسابات السياسة في اذهان قيادة ملغمة بالسياسة في الاتحاد. لكن ذلك قدر تاريخي ولا يتعلق حصرا بشهوات قائد السبسي. هو فقط يحاول توظيف ذلك في معركته «الصغيرة» (قيميا وعمليا) مع غريميه الشاهد والغنوشي. معركة لا يملك أوراقها، وعلى الاكثر سيكون ورقة لاخرين، اذ سيواصل السعي لتوظيف نفسه اقليميا من اجلها.

من سينحني قبل بلوغ سقف التصعيد المتبادل؟

من غير الواضح اين تتجه الامور اذ لا توجد تجربة سابقة وصل فيها التصعيد بالاضرابات هذا الحد. وبمعزل عن التسريبات غير معلومة المصدر حول لقاءات بعد الاضراب مباشرة بين الحكومة والاتحاد، فمن الواضح ان الطرفين ينويان استئناف المفاوضات بسرعة هذه المرة وعلى الارجح بداية هذا الاسبوع. وهذا مؤشر على وعي مشترك بان المسار التفاوضي اصبح اكثر حساسية.

وكان وزير الشؤون الإجتماعية محمد الطرابلسي، أكد السبت 19 جانفي 2019 في حواره مع جريدة «المغرب» إستئناف المفاوضات هذا الاسبوع. وقال إن «الاتحاد والحكومة حاليا أقرب من أي وقت مضى لتوقيع اتفاقية الزيادة في الأجور».
تعكس هذه المؤشرات المتفائلة الوعي بان سقف التصعيد المتبادل يمكن ان يقصم ظهر الجميع: اهتراء سلاح الاضراب العام واهتراء صورة «الرجل القوي» العاجز عن التسخير.

لكن ذلك الوعي المشترك العقلاني يمكن ان تذوبه حرارة التسخين المتبادل وتراجع حاد لمنسوب الثقة بين الطرفين. من جهة سنجد شعورا لدى الاتحاد بمؤامرة خارجية «لتقليم الاظافر». ويحضر هنا طيف تاتشر وتجارب كسر النقابات في الدعاية الفايسبوكية بتحريض الذباب الالكتروني الازرق، لتغذية الاحساس بالمؤامرة، يضاف اليها استعداد الطيف "الجبهاوي" داخل الاتحاد للمبارزة مع الثنائي الشاهد-النهضة، على خلفية ملف «التنظيم السري».

ونجد عند الطرف الاخر من يمكن ان يقنع الشاهد بان ورقته الانتخابية الاقوى هي خروجه بمظهر «الرجل القوي» الذي «قال لا للمارد النقابي». اذ هناك مزاج يستسيغ تلك الصورة وسير عدد من السياسيين الراهنين صاغها صعودهم في استطلاعات الراي بسبب منازلتهم مع النقابات. والشاهد يريد ان يهزم نهائيا النداء وكذلك تحجيم النهضة في موقعة خريف 2019 لفرض شروطه وبالتالي يحتاج حشد الاصوات للاقصى.

يضاف الى ذلك الارتباك الظاهر لفريق رئيس الحكومة المشتت بين ضغوطات شتى من التحضير للحزب الجديد، وشفط ماكينة 2014 من النداء، الى توزيع مقاعد القيادة الرسمية في مؤتمر مارس بين حلقات القيادة غير المنظمة الحالية، وتبديد اتهامات الدور الوظيفي لمصلحة النهضة، وفوق ذلك المنازلة مع الاتحاد.
كل هذه الظروف الضاغطة تهدد بتقويض الوعي العقلاني المشترك وتسويغ ادمان الطرفين على التصعيد المتبادل. والمضي حينها الى طريق مجهول يحيل على سقف بعيد جدا: الى «العصيان المدني» و«قصبة 4»، واستقالة بطولية، وارتباك حول هوية البديل. كل ذلك بدون حل ظاهر لتركيبة هيئة الانتخابات.

يبقى ان هناك اطرافا مختلفة في الجانبين ترى مصلحة في وقوع الانتخابات: النهضة التي تطمح لاستعادة الموقع الاول كما تشير الاستطلاعات ومن ثمة دور «صانعة الملوك». الشاهد الطامح لوراثة قائد السبسي حيا. والاتحاد الذي يعلن بوضوح رغبته في «المشاركة في الانتخابات»، رغم الغموض الراهن لصيغ تلك المشاركة، خاصة ان عددا من مكوناته مشاركة فعلا في الانتخابات عبر «الجبهة الشعبية» و«حركة الشعب».

في المقابل يوجد من يخشى من منازلة 2019. فريق قائد السبسي يعلم أنه لا يمكن تكرار نتائج 2014. وستكون ورقة اعادة ترشيح قائد السبسي للرئاسية مخاطرة كبيرة باخراج شيخ قرطاج من الباب الصغير. وفي التشريعية في الموقع الثالث في أحسن الحالات.
شيئا فشيئا سيتمظهر الصراع في اشكالية أساسية: التوازن بين التعبير عن الاحتقان الاجتماعي وتوفير الفرصة لاعادة التموقع في السلطة والدولة عبر صناديق الاقتراع. يبدو ان اغلبية الاطراف الفاعلة تدرك اهمية ذلك. يبقى هناك من سيحاول خلط الاوراق في الجانبين.
وسيبقى الحكم الدولي على الارجح حاسما مرة أخرى مثلما حصل في البلديات. وقد اعلن السفير الامريكي الجديد دونالد بلوم في رسالة تعميده سفيرا ان من اهم اولوياته، بعد الامني والاقتصادي، اقامة انتخابات 2019 لاجل «تقوية» الديمقراطية التونسية. وللتذكير حصل في السنين الاخيرة اكثر من مرة ان كان الصوت الامريكي داخل مجلس ادارة صندوق النقد

الدولي مرجحا لكفة العامل السياسي على التقني بالضغط على خبراء الصندوق.
فمن بين مفارقات الوضع الراهن ان حماية «سيادة الشعب» بما هي مسار ديمقراطي مرتهنة الى حد ما بمسار تقويض «سيادة الدولة».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية