التنقيحات الدستورية لتحقيق الانتعاشة الاقتصادية: «هل يستقيم الظل والعود أعوج»؟

بقلم: فيصل دربال
الرئيس الشرفي لهيئة الخبراء المحاسبين
يشهد الشارع التونسي بعد بضعة أشهر انطلاق الحملات الانتخابية التي تقوم من خلالها

مختلف الأحزاب السياسية بتقديم وعودها وبرامجها وبياناتها والتي لن تختلف عن سابقاتها. من المتوقع والواضح أن تتضمّن هذه البرامج كلّ ما من شأنه جذب الناخبين والحصول على ثقتهم وخاصّة أصواتهم، كتوفير الشغل لكلّ طالبيه والقضاء على الفقر وتحسين القدرة الشرائية، كل ذلك بفضل نسبة نمو مرتفعة والتحكم في العجزين التوأمين ونسبة التضخم.
نتساءل في هذا الصدد عن الوسائل والآليات التي سيتم وضعها والسياسات التي يتحتّم اتباعها لتحقيق وعود التحوّل من وضعية اقتصادية صعبة إلى انتعاشة اقتصادية تصبو لتحقيق أعلى نسب النمو و الاستثمار.
ما الذي سيتغير خلال الخماسية القادمة في السياسات الاقتصادية أو الاجتماعية والبرامج العمومية والعمل البرلماني والذي سيؤدّي إلى هذا التحوّل الجذري من اقتصاد واهن إلى اقتصاد سليم ومتوازن؟ هل في هذه البرامج الانتخابية وصفة «سحرية» التي تغيّر السلوكيات والعقليات وتضع حدّا للإضرابات والاحتجاجات؟
هل ترتكز هذه الوعود على آليات و ترتيبات ووسائل لعودة النشاط الفعلي والكامل لقطاع المناجم والفسفاط، مثلا، للقضاء على الفساد والرشوة، لتحسين الإنتاجية ومردودية العمل، للمنع من التهرّب، لتعزيز الموارد الذاتية للدولة والحدّ من المديونية...؟
مهما كانت مصداقية هذه البرامج الانتخابية فإنّني أجزم أنّ النتائج المنتظرة سوف لن تختلف عن نتائج السنوات الفارطة وربّما أدنى منها طالما لم يتم وضع البعد الإقتصادي كمبدأ رئيسي وجوهري في القواعد المنظّمة للدولة ودوالييها وهياكلها وطرق تسييرها والمجمّعة في القانون الأعلى للبلاد ألا وهو الدستور.
ويقودنا هذا السياق للتساؤل حول مدى التطرّق للبعد الاقتصادي في هذه القواعد المنظّمة، أي هل يشمل الدستور بما فيه الكفاية المبادئ الأساسية للبعد الاقتصادي؟ وماهي الجوانب التي وجب التأكيد عليها في هذا القانون الأعلى أو التي يجب تداركها حتى يحظى الاقتصاد بالمقومات الضرورية لتحقيق الأهداف المرجوّة.

I- البعد الاقتصادي في دستور 2014
لم تذكر عبارة «اقتصاد» أو «اقتصادي» في كامل فصول الدستور والتي عددها 149 إلا في ثلاث مناسبات (3 فصول):
• الفصل 8: «...تحرص الدولة على توفير الظروف الكفيلة بتنمية قدرات الشباب وتفعيل طاقاته وتعمل على تحمله المسؤولية وعلى توسيع إسهامه في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية».
• الفصل 10: «... تحرص الدولة على حسن التصرف في المال العمومي وتتخذ التدابير اللازمة لصرفه حسب أولويات الاقتصاد الوطني».
• الفصل 129: «تستشار هيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة وجوبا في مشاريع القوانين المتعلقة بالمسائل الاقتصادية...»
ومن هنا يتّضح جليا شبه غياب البعد الاقتصادي في مجمل المقتضيات الواردة بالدستور الذي لم يشرع بما فيه الكفاية للمقوّمات الاقتصادية للبلاد، التي تفضي، لغاية تفعيلها، لسن قوانين خاصة تتعلّق بمناخ الأعمال وخلق مواطن الشغل وتشجيع الاستثمار والتوزيع العادل للثروة...
ويمثّل تجاهل البعد الاقتصادي في الدستور نقطة ضعف مقارنة بالتشاريع الدستورية الأولى بتونس أو بتلك التي تم سنّها إبّان ثورات الربيع العربي على غرار مصر والمغرب.

1 - التشاريع الدستورية الأولى بتونس:
مقارنة بدستور 1861 الذي تم سنّه على أساس عهد الأمان المؤرّخ في 10 سبتمبر 1857 فقد تراجعت العناية بالبعد الاقتصادي في دستور 2014.
وفي هذا الإطار نص عهد الأمان في قاعدته التاسعة على ما يلي:
«تسريح المتجر ليس من اختصاص أحد بل يكون مباحا لكل أحد ولا تتاجر الدولة بتجارة ولا تمنع غيرها منها. وتكون العناية بإعانة عموم المتجر ومنع أسباب تعطيله».
ولم يتغافل عهد الأمان عن تشجيع الاستثمار الخارجي (الذي تم حجبه في دستور 2014) إذ نصّت القاعدة العاشرة على ما يلي:
«إن الوافدين على إيالتنا لهم أن يحترفوا بساير الصنايع والخدم بشرط أن يتبعوا القوانين المرتّبة والتي يمكن أن تترتّب مثل ساير أهل البلاد لا فضل لأحدهم على الآخر...»

كما نصّت القاعدة الحادية عشرة من عهد الأمان على حرية امتلاك الدور والأجنة والأراضي واشترائها دون قيد من قبل كل الوافدين على الإيالة التونسية مثل سائر أهل البلد.
ومن جهته تضمّن دستور 1861 أحكاما تتعلّق بالحريات الاقتصادية والتجارية إذ نصّ الفصل 12 على ما يلي:
«جميع رعايانا على اختلاف الأديان لهم أن يخدموا كل صناعة أرادوها بالآلات التي تظهر لهم إلا خدمة البارود وملحه وسائر آلات الحرب».
أما الفصل 13 فقد نصّ على ما يلي:
«التجارة مسرّحة لسائر رعايانا على اختلاف الأديان من غير تخصيص...».

2 - الدساتير الحديثة:
أكّدت العديد من الدساتير التي تم سنّها إبان ثورات الربيع العربي على البعد الاقتصادي وأهميته لتحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، ومن بين هذه الدساتير نذكر الدستور المصري والدستور المغربي.

• الدستور المصري
خصّ الدستور المصري فصلا متضمّنا لعدّة مادّات يحمل عنوان «المقوّمات الاقتصادية» وذكر الدستور المصري عبارة «اقتصاد» أو «اقتصادي» في 27 مناسبة.
على سبيل الذكر وليس الحصر فقد تضمّنت أحكام هذه المادّات أهداف النظام الاقتصادي والتزامات الدولة على حماية الأنشطة الاقتصادية الإنتاجية والخدمية والمعلوماتية لزيادة تنافسيتها وتوفير المناخ الجاذب للاستثمار والعمل على زيادة الإنتاج وتشجيع التصدير وتنظيم الاستيراد.
كما نصّت الفقرة الثانية من المادة 28 على ما يلي «وتولي الدولة اهتماما خاصا بالمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر في كافة المجالات وتعمل على تنظيم القطاع غير الرسمي وتأهيله».

• الدستور المغربي
نصّ الفصل 35 من الدستور المغربي على ضمان الدولة لحرية تعاطي الأنشطة الاقتصادية وحرية المنافسة النزيهة.
أما الفصل 36 فقد تضمّن أحكاما خاصة بالمخالفات المتعلّقة بتضارب المصالح والاستغلال السيء للمعلومات وكذلك كل التجاوزات والجرائم ذات الصبغة المالية.

II- ما يجب تداركه في دستور 2014
مقارنة مع العديد من دساتير الدول الأجنبية نلاحظ أن البعد الاقتصادي لم يحظ بالأهمية اللازمة والضرورية في الدستور التونسي الجديد.
وعلى الرغم من تضمّنه لمعظم قواعد النظام السياسي الديمقراطي من ضمان للحريات العامة والتداول على السلطة من خلال الانتخابات الحرة والنزيهة وكذلك مبدأ الفصل بين السلطات، يفتقر الدستور التونسي لمقتضيات تتعلّق بالدور الاقتصادي للدولة، بالمقومات الاقتصادية بصفة عامة وبالتالي يتسم الدستور في هذا المجال بعدم وضوح الرؤى والتصوّرات لوضع الاستراتيجيات المطلوبة لتوجهات اقتصادية تتلاءم والواقع الجديد للبلاد.
ويتجلى غياب وضوح التوجهات الإقتصادية خاصة في عدم التنصيص صراحة على حرية المبادرة والمقاولة (1) وغياب تأطير ممارسة حق الإضراب (2) وغياب مجلس آقتصادي وآجتماعي (3).
1 - عدم التنصيص صراحة على حريّة المبادرة والمقاولة:

 

لم ينص الدستور التونسي الجديد صراحة و بصفة واضحة و جلية على ضمان حرية المبادرة و المقاولة «liberté d’entreprendre» بل اقتصر على التنصيص أن الدولة تضمن للمواطنين الحقوق و الحريات الفردية والعامة.
وقد اعتبر بعض الباحثين أن مثل هذا التنصيص يشمل «تلميحا» أويشمل ضمنيا حرية المبادرة. تلك هي مثلا نظرية «جاك توماس» عند تفسيره غياب حرية المبادرة في دستور 1959. و يبدو هذا التأويل غير مقنع، حيث أنّه إذا كان الحق في المبادرة و المقاولة يدخل ضمن الحريات العامة، فلماذا نصّت فصول الباب الثاني على ضمان الحق :
• في الإعلام والنفاذ إلى المعلومة
• في النفاذ إلى شبكات الاتصال
• في تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات
• في الصحة
• في الماء
• في الإضراب

لم أستثني المشرّع التأسيسي من هذه القائمة الواسعة والمطولة حق المبادرة والمقاولة الذي نصّت عليه أغلب الدساتير الأجنبية في أحكام واضحة وناجعة لتعزيز المبادرة الاقتصادية ودفع عجلة النمو ومن بين هذه التشريعات نذكر:

• الدستور البرتغالي: الفصل 61
"المبادرة الاقتصادية تمارس بكامل الحرية في إطار الدستور والقانون مراعاة للمصلحة العامة"

• الدستور السويسري: الفصل 27
«الحرية الاقتصادية مضمونة وتتضمّن حرية اختيار المهنة وحرية ممارسة الأنشطة المربحة «Activités lucratives»

• دستور السينغال: الفصل 8
«حرية المبادرة والمقاولة مضمونة» «liberté d’entreprendre»

• دستور ساحل العاج: الفصل 16
«حق كل مواطن في حرية المقاولة مضمون في حدود القانون».

• الدستور المغربي: الفصل 35
«تضمن الدولة حرية المبادرة والمقاولة والتنافس الحر»

• الدستور المصري: الفصل 27
«الأنشطة الاقتصادية الانتاجية والخدمية والمعلوماتية مقومات أساسية للاقتصاد الوطني وتلتزم الدولة بحمايتها وتنافسها وتوفير المناخ الجاذب للاستثمار وتعمل على زيادة الانتاج وتشجيع التصدير وتنظيم الاستيراد».

• الدستور الجزائري: الفصل 43
«حرية الاستثمار والتجارة معترف بها وتمارس في إطار القانون. تعمل الدولة على تحسين مناخ الأعمال وتشجيع ازدهار المؤسسات دون تمييز خدمة للتنمية الاقتصادية الوطنية».

• الدستور الفنلندي: الفصل 18
«لكل مواطن الحق في تعاطي الأنشطة المهنية الذي يختارها» -حق المقاولة-

• الدستور البلجيكي: الفصل 23
"... تتضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية... حرية اختيار الأنشطة المهنية

• الدستور الإيطالي: الفصل 41 من
«المبادرة الاقتصادية الخاصة حرة...»
وفي نفس السياق نص الفصل 16 من الميثاق الأوروبي للحقوق الأساسية، أن حرية المقاولة مضمونة وفقا لقانون الاتحاد والتشريعات الوطنية.

2 - ترشيد حق الإضراب وتأطيره بقانون خاص:
جاء الفصل 36 لضمان الحق النقابي مستثنيا منه الجيش الوطني ومن حق الإضراب قوات الأمن الداخلي والديوانة.
وبقدر ما كان محتوى هذا الفصل مقتضبا ومختصرا فقد كانت اثار ونتائج تطبيقه في الواقع، ضارة وسلبية ويرجع ذلك لسن هذا الحق بصفة مطلقة دون التنصيص على تحديد وضبط شروط وصيغ تطبيقه بمقتضى قانون يصدر للغرض.
إن ضمان حق الاضراب بأحكام دستورية دون تحديد لشروط خاصة أو ترتيبات معينة بمقتضى نص مرجعي، يشكل عائقا هاما لسلامة العلاقات الشغلية لهدف مزيد ترسيخ قيمة العمل والحد من ظاهرة التسيب والعربدة داخل المؤسسات الاقتصادية.
وفي هذا الإطار سنت عديد الدساتير ضمان حق الاضراب مع الاشارة إلى أن ممارسة هذا الحق وشروطه تضبط بمقتضى قانون يصدر للغرض. ومن بين هذه التشريعات نذكر التشريعات التالية:

• التشريع المغربي
نص الفصل 29 من الدستور المغربي على ما يلي «حق الاضراب مضمون وتضبط شروط واجراءات ممارسته بمقتضى قانون».
ونص مشروع القانون المنظم لحق الاضراب على أن حق العمل مضمون لكل الاجراء الذين لا يشاركون في الاضراب (الفصل 12) وأن الإضراب يوقف عقد الشغل مدّة الإضراب (الفصل 13).
كما نصت أحكام هذا المشروع على منع كل المضربين من المكوث بأماكن العمل بصفة تلحق ضررا وتمنع حرية العمل.

• التشريع الفرنسي
نصت الفقرة السابعة من توطئة الدستور الفرنسي على أن حق الاضراب هو حق معترف به بالكامل ضمن الدستور يمارس في إطار القوانين التي تنظمه. كما أنه من القواعد الأساسية التي تنظم حق ممارسة الاضراب أنه «على المضربين احترام الحق في العمل لغير المضربين «Les grévistes doivent respecter le travail des non-grévistes».

• التشريع التركي
نص الفصل 54 من الدستور التركي على أن للشغالين الحق في الاضراب، حسب شروط واجراءات يضمنها القانون. ومن بين الأحكام التي حددت شروط الاضراب نذكر تلك التي تمنع بصفة قطعية الاضراب والاغلاق (lock-out) لغايات سياسية وكذلك العامة والتي تهدف للتضامن مع فئات أخرى. كما منعت هذه الأحكام منعا باتا حيازة أماكن العمل والتخفيض في نسقه والتقليص الإرادي للإنتاجية وكل أشكال الاحتجاجات الأخرى.

• التشريع الألماني
حق الاضراب بألمانيا مؤطر بشكل كامل ويخضع لشروط محددة ويستثني من هذا الحق الموظفين حتى بعد تحول مؤسساتهم من القطاع العام إلى القطاع الخاص
(مثال LA DEUTSHE Bahn شركة السكك الحديدية) كما أنه لا يعتبر الاضراب قانونيا إلا إذا تزامن مع فترة التفاوض في الاتفاقيات الجماعية بين منظمة الأعراف ومنظمة الشغالين
ولا يمكن أن يكون الاضراب عاما إلا بعد القيام بإضراب «تحذيري» لمدة قصيرة من طرف بعض الاجراء فقط. يشترط كذلك أن يحظى الاضراب العام بموافقة 75% من المنضوين تحت المنظمة الشغيلة (syndiqués) وفي إطار استفتاء عام.

• التشريع الماليزي
يخضع القيام بإضراب حسب القانون الماليزي لمصادقة الأعضاء المنضوين تحت النقابة الشغيلة من خلال تصويت سري بأغلبية الثلثين.
كما أن القانون المنظم للإضراب استثنى من هذا الحق عديد الحالات كإضراب التضامن، الاضراب العام، الاضراب لاعتبارات سياسية... كما استثنى عديد القطاعات من حق الاضراب وهي القطاعات المعبر عنها بالأساسية والتي نذكر منها قطاعات الصحة والنقل والتعليم...

• التشريع المصري
نص الفصل 15 من الدستور المصري على ضمان حق الاضراب السلمي وضبط شروطه بالقانون.
كما نصت التشريعات المصرية على ضمان حق تكوين نقابات وجامعات مهنية مع تعهد الدولة لحماية استقلالية هذه الهياكل. إلا أنه يحجر تكوين نقابات بالادارات العمومية.
كما أصدرت المحكمة العليا الادارية (المصرية) قرارا (أفريل 2015) يجيز معاقبة الموظفين المضربين عن العمل والماكثين في مواقع العمل بعقوبة الإحالة على التقاعد المبكر أو الحرمان من الترقية.

• التشريع الجزائري
نص الفصل 57 من الدستور الجزائري على أن الاضراب حق معترف به ويمارس في إطار القانون.
وحدد قانون عدد2 لسنة 1990 المؤرخ في 6 فيفري 1990 الشروط الضرورية والواجبات المحمولة على المضربين عن العمل منها احترام الغير مضربين وعدم عرقلتهم أو منعهم عن العمل وإلا تعرضوا لعقوبات جزائرية.

3 - غياب هيكل دستوري خاص بالمسائل الاقتصادية:
سنت أغلب الدساتير الأجنبية العديد من الهيئات الدستورية الاستشارية لكي تلعب دورا رئيسيا في عقلنة القرار السياسي والاداري وتوفير المقترحات والآراء لصانعي القرار.
ولم يشذ الدستور التونسي عن هذه القاعدة حيث خصص بابه السادس «للهيئات الدستورية المستقلة» التي تعمل على دعم الديمقراطية والتي يتم تنظيم عملها وتركيبتها وطرق انتخاب أعضائها بمقتضى قانون خاص.
ونص الفصل 129 على بعث «هيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة» التي يجب استشارتها، حسب مقتضيات هذا الفصل في مشاريع القوانين المتعلقة بالمسائل الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وفي مخططات التنمية كما للهيئة أن تبدي رأيها في المسائل المتصلة بمجال اختصاصها.
وهنا لا بد من طرح التساؤلات التالية :

1 - لأي سبب لم يتم بعث مجلس اقتصادي واجتماعي (وبيئي في بعض الحالات) على غرار ما هو معمول به في معظم بلدان العالم؟ تجدر الاشارة أن الهيئات الاستشارية العاملة في المجال الاقتصادي والاجتماعي تحمل، في غالب الأحيان تسمية «مجلس اقتصادي واجتماعي» وهي منضوية تحت الجمعية الدولية للمجالس الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسات المشابهة والتي تضم 73 بلدا من ضمنها الجزائر والمغرب وموريتانيا والأردن ولبنان والبرتغال وفرنسا وبلجيكا وايطاليا والبنما...
وتعتبر هذه التسمية استثناءا بالنسبة للتشريع الدستوري إذ أنه وفي حدود بحثنا لم نجد مثيلا لهذه التسمية في التشاريع المقارنة.

2 - لماذا تم حصر وتحديد مهمة هذه الهيئة في الاستشارة في مشاريع القوانين المتعلقة بالمسائل الاقتصادية والاجتماعية، لا غير؟
لماذا لم يتم تكليف هذه الهيئة بمهمة التفكير في كل القضايا الاستراتيجية ذات الطابع الاقتصادي لخلق فضاء للتشاور بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين ولغاية تقديم مقترحات وأراء واستشارات للسلطتين التشريعية والتنفيذية.

3 - لماذا جعل المشرع التأسيسي من هذه الهيئة مجرد «مؤسسة استقبال» تنحصر وظيفتها في قبول المطالب الاستشارية وإبداء الرأي فيها، وشلّها فيما عدى ذلك خاصة فيما يتعلق بالمبادرة بتقديم مقترحات وأراء وحلول في جميع القضايا الاقتصادية والاجتماعية.
تجدر الاشارة في هذا الصدد أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي الفرنسي هو بمثابة السلطة الثالثة إلى جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية فرضت نفسها بحكم الحاجة إليها وبحكم فعاليتها، إذ أن المشرع الفرنسي ألزم السلطة السياسية في كل مرة لا تأخذ فيها برأي المجلس في موضوع طلب منه إبداء الرأي فيه بتعليل سبب عدم الأخذ به.
من المؤسف جدا أن يتم حصر مهام هذه الهيئة في الاستشارة وإبداء الرأي مما يجعلها مماثلة لجمعيات المجتمع المدني والمنظمات المهنية ودوائر التفكير (THINK TANK’S).
من المؤسف جدا «اعفاء» هذه الهيئة من الوظائف التالية:

• تقديم اقتراحات في الميادين الاقتصادية والاجتماعية
• تيسير وتدعيم التشاور والتعاون بين كل الأطراف الناشطة (نقابات/هيئات/منظمات).
• القيام بالدراسات والأبحاث في الميادين الاقتصادية والاجتماعية.
• الخاتمة

إن الأضواء الاعلامية التي أثارها الدستور التونسي الجديد إبان إصداره وشهادات المدح والتثمين كوصفه «من أفضل الدساتير في العالم» أو «أعظم دستور عرفه تاريخ البلاد» تتعلق أساسا بالدخول في مرحلة الجمهورية الثانية بجملة من الاصلاحات التي طالما انتظرها الشعب وناضل من أجلها والتي تتعلق بالحريات العامة وتعزيز مكانة المؤسسات وتكريس الممارسة الديمقراطية.

إلا أن البعد الاقتصادي وكذلك المقومات الاقتصادية لم تكن محل عناية خاصة من طرف المشرع التأسيسي ولم تنل حظها من الاهتمام وأفرزت بالتالي أحكاما عامة لا تنبئ ببناء اقتصاد متين، تنافسي ومتنوع ولا تضمن حرية التجارة وحرية الاستثمار ولا تحمي بصفة عادلة وبالتساوي العمال والأعراف.
يمكن أن نستنتج من خلال ما تم عرضه في إطار هذه الدراسة أن الوضع الاقتصادي يتطلب اصلاحات جذرية حقيقية ترتكز أساسا على أحكام دستورية تبرز بصفة دقيقة ومعمقة المقومات الاقتصادية وتعطي للبعد الاقتصادي العناية الكافية، يستوجب هذا إدخال بعض التعديلات على بعض فصول الدستور ويستوجب هذا بدوره مقدارا كافيا من الجرأة والشجاعة عملا بالمثل القائل «الشجاعة مفتاح التغيير».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499