الرشاقة تحت الضغوطات

العبارة ممتعة وهي للمبدع العالمي «أرنست همنغواي» الحاصل على نوبل للآداب في العام 1954 عن مجمل رواياته البديعة.

جاءت عبارة الرشاقة تحت الضغوطات في روايته «لمن تقرع الأجراس». والرواية عنوان مروره بإسبانيا زمن الحرب الأهلية. والرشاقة تحت الضغوطات هي الوصف الدقيق لمصارع الثيران وهو يراود الحيوان لينتصر عليه في أحد الطقوس العالمية شهرة. تأتي الرشاقة من هندام المصارع، من وقفته الجسورة، من حركته المدروسة، من الوقوف أوقات طويلة على أطراف أصابع الساقين، من الألوان القزحية التي يرتديها، من التناسق العجيب بين حركة اليدين والساقين، من التركيز المفرط، من القدرة على التنفس بعمق إبان المواجهة. يقع كل هذا دون أدنى خطأ. الزلة مكلفة في مثل هذه الأشكال من التحدي.

يقع كل هذا أيضا تحت وابل من الضغوطات. في المقابل هناك ثور هائج، هناك أيضا جمهور هائج وهناك منافسون ينتظرون أول خيبة. كيف يمكن للإنسان أن يكون رشيقا تحت همّ من الضغوطات؟ كيف للإنسان أن يطوع رشاقته الذهنية والنفسية والجسدية لمواجهة أي نوع من الضغوطات.
على الأرجح أن يكون الإنسان إما متراجعا أمام الضغوطات أو مواجها لها بنفس حجمها، أقل أو أكثر ولكن من النادر أن يقف أمامها برشاقة، من العسير عليه أن ينسى نرجسيته، ومن العصيّ عليه أن يتفادى صورته الخاطئة عن نفسه وهو لهذا كله يفقد رشاقته بكل تعبيراتها الممكنة عندما تنتفخ ذاته أكثر من اللزوم.

الرشاقة تحت الضغوطات ليست مكرا وليست دهاء، حيلة أو مواربة. إنها تلك القدرة العجيبة والمكشوفة على استقدام ما في الإنسان من حيوية لمقارعة الخلل الذي بداخله من أجل الوقوف مواجها. الوصف الذي قدّمه «همنغواي» ليس إلاّ أسلوبا في الحياة، فلسفة للوجود البشري. إنه يجيب بذلك " سارتر" عندما قال الجحيم هم الآخرون.. ما العمل عندما يكون الآخرون جحيما لا يطاق؟ وما العمل عندما تكون جحيما تلك المسافة التي تبعدنا عن الآخرين؟

لقد ورد في الميثيولوجيات القديمة ما يفيد أنه من لم يكن رشيقا ناله عقاب الآلهة ولعنتها. «سيزيف» الذي أساء التعامل مع نرجسيته الضاغطة والحقودة وانبرى أسيرا لها، جعلته الآلهة يرفع الصخرة إلى أعلى قمة الجبل لتتدحرج من جديد ليعيد رفعها فتتدحرج مرّة أخرى في صورة عبثية للوجود البشري عندما لا تنال منه الرشاقة نصيبا. علينا تخيل رسام البندقية «تيتسييانو فيتشيليو» رشيقا أمام هول جعل لوحته «سيزيف» من بين الأشهر في متاحف العالم. الكتاب والشعراء والسياسيون والذين نأت بهم الدار عن الدار هؤلاء جميعا وغيرهم يعلمون معنى أن يكونوا رشيقين تحت الضغوطات.

لم تكن البشرية على قدرة فائقة لتجاوز طاقة العنف لديها، لم تكن رشيقة بالقدر الكافي لتتجاوز شتى أصناف ضغوطاتها السياسية والاقتصادية والدينية وغيرها فأنتجت حروبا دامية وتفننت في أشكال التنكيل والتطهير العرقي، ولكنها في المقابل أثبتت قدرتها على تجاوز العنف الذي بداخلها وأنتجت المنظومات الحقوقية بكل أصنافها و هي ساعية الآن نحو التقليص ما أمكن من قلة رشاقة الإنسان تحت الضغوطات. المسألة ليست بالسهولة التي نعتقد، إنها تحتاج إلى مخيال خلاق يستلهم من ضغوطات عالمنا المعاصر ما نستدلّ به نحو بشرية أكثر حرصا على العيش المشترك.

السير التي ترشدنا إلى ماهو أجمل في عبارة «الرشاقة تحت الضغوطات» عديدة. ولعل الأجمل من بينها في عالمنا المعاصر سيرة " نيلسون مانديلا" التي لها من الجدارة ما يجعلها لوحدها تختزل عنفوان العبارة وألقها. كان رشيقا عندما اختار وطنه واختار بوصلته. كان رشيقا أيضا عندما وضع يده في يد من كان جلاده ليبني وطنا يليق به. كان رشيقا أيضا عندما تنازل عن فرصة رئاسية ثانية في الوقت الذي كان بإمكانه أن يضيف ويضيف.

لنا ما يكفي في بلدنا اليوم لتكون عبارة «الرشاقة تحت الضغوطات» أسلوبنا في التعامل مع أزماتنا المختلفة. البلد يليق بمن كان ويكون رشيقا ...به.

بقلم: محمد جويلي 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499