حادث وحديث: كلّنا مسؤول عن مقتل الشابّ الأسود

يجب أن أكتب في ما حصل للشاب المرحوم فليكو كولبالي. يجب أن أصرخ في الدنيا غضبي. أنا في حزن كبير

على الشابّ الأسود. هو طالب من الكوت ديفوار جاء الينا ضيفا للتعلّم. كلّه طموح وأمل. هو شابّ في مقتبل العمر. وسيم الطلعة. طويل القدّ. في محيّاه ابتسامة. في عينيه اشعاع وهالة. تنظر اليه فترى فيه افريقيا وما كان في السوداء من سرّ ومن فتوّة. هو غابة عذراء، عصيّة. جبل على راسه ثلج أسود... مات الشاب. قتله السفلة. طعنوه وأنزفوا دمه. أمّه اليوم تنحبه ويبكيه حرقة أبوه واخوته..
غادر فليكو كولبالي الأهل والبلد وجاء الى تونس للتعلّم. جاءنا عن النور يبحث. في تونس، هناك تعليم أفضل... ها هو في الكوت ديفوار يخطّط. يرسم. يحلم. يجمع الأوراق. يلتقي بالمصالح. أمّه وأبوه وهؤلاء اخوته وصحبه يتّبعون سعيه. يلتقطون خبره. لا حديث في البيت الا وكان فليكو كولبالي وسفره الى تونس محوره. كلّ الحيّ اليه ينظر.

 

* * *

مع كلّ يوم جديد، يزداد قلب الشابّ تطلّعا. يأكله السفر. قريبا سيلتحق بتونس وينظر في هذا البلد البهيّ ويلتقي بشعبه الأبيّ. هذا الشعب الذي أطاح بحكم ظالم وهزّت أرجاء العالم ثورته. هو مبهر بهذا البلد الافريقيّ. هو سعيد باختياره. هو فخور بالدراسة في تونس ولتونس تاريخ عريق ومجد عتيد. أليست تونس هي قرطاج وحضرموت وعقبة؟ أليست هي ابن خلدون وبورقيبة؟ ثم في تونس، هناك جمال فيّاض. فيها بحر أزرق وشواطئ. فيها جبال وصحراء ممتدّة. تونس هي بلد مختلف. هي ليست عربيّة ولا اسلاميّة ولا افريقية ولا غربيّة... هي خليط جميل. هي كلّ ذلك وأكثر. كذلك، كان فليكو كولبالي يتخيّل. كذلك كان يحلم... قتل الأنذال أحلام فليكو كولبالي. أزهقوا روحه. تركوا أمّه في لوعة وهذا أبوه في حرقة واخوته...
في تونس العاصمة، سوف يلتحق بالجامعة وفيها يلتقي بإخوة في الافريقيّة. سوف يرى بعينيه ما في هذا الشعب من عزّة ومن عظمة. سوف يتعرّف على شباب طموح، متحفّز. سوف يتقاسم وايّاهم ما كان في رأسه من خيال ومن أفق. كان فليكو كولبالي يعتقد أنّه سوف يحيا أحلى أيّام عمره. أراه لا يهدأ. يقول لكلّ الناس من حوله: «قريبا سأرحل الى تونس وفيها أدخل الجامعة وفيها أدرس. قريبا، سأحيا في تونس. في ذاك البلد الذي ذاع صيته وانتشر خبره»... انكسر فجأة الحلم. انهى الأنذال عمره. غدره بعض من سقط هذا البلد. ازهقوا روحه... ها هي اليوم أمّه وأبوه ينظران الى السماء. في حزن عميق لا تفي به أرض ولا سماء. ينظران في وجه ابنيهما المغدور. يعيدون المأساة النهار طوله. قتلوه في تونس وقد جاء الى تونس للتعلّم. ها هو في دمائه يتخبّط.

* * *

بعضهم يقول: «هذا ما كتب الله له ولا مردّ لمشيئة القدر». بعضهم يقول: «هو الاجرام وفي كلّ بلاد الدنيا يحصل الاجرام وتقتل ظلما الأنفس». بعضهم يضيف: «لنا مشاكلنا وهي جمّة وليس موت الأسود هذا بإشكال حتّى نشدّ اليه النظر»... أنا حزين على فليكو كولبالي وقلبي يقطر دما على ما حصل له من غدر وما يحياه اليوم أبوه وأمّه. ماذا عساني أقول لأمّه ولأبيه؟ كيف مواساة أهله؟ جاء لتونس ليتعلّم فقتله السفلة...

نحن عنصريّون. نكره الأجنبي وكلّ آخر مختلف. نحن عنصريون، متخلّفون، جهلة. في الشعب التونسيّ جهالة كبرى. جهويّات مقيتة. قبليّة. عروشيّة. أنانيّة. نحن لا نحبّ أحدا. نكره أنفسنا والناس كلّهم. نحمل بغضاء وغلاّ. في طباعنا حقد وتوحّش. في أنفسنا غباء وعنجهيّة...
فشلت المدرسة التونسيّة في اصلاح ما أصاب الأنفس من مرض. فشلنا في تربيّة شعبنا فغدا شعبنا في سقط حال، في الدرك الأسفل. فشلت المساجد في نفخ الأخوّة والمحبّة وهؤلاء أيمّة يدعون فوق المنابر الى البغضاء، الى الارهاب، الى الغاء الآخر المختلف. فشلت السلطات في حفظ الأمن، في حماية الناس... الأمن في تونس هو المسؤول عن كلّ خرق وجريمة. الأمن هو المسؤول أولا وأساسا في ما نرى من تجاوزات ومن اجرام ومن ارهاب مختلف... نعم، أنا أيضا مساهم في الجريمة. أنا أيضا ألقاني مسؤولا عن قتل فليكو كولبالي... معذرة يا سيّدي. رحمك الله يا سيّدي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499